السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
تحية عطرة للجميع
اغسطس/2005
المكان :
لندن / أكسفورد ستريت
.......................................
السماء ضبابية
والكل يهرول في الشارع
الأقدام السريعة تنهب الطريق هنا وهناك..وأحيانا تتقافز عبر الخطوط البيضاء عند الإشارات..
لا أحد يتسكع .. ولا امرأة تتمخطر .. وإنما الكل يجري ويحث الخطى وكأنما وراءه عصى
اتساءل !!
هل هم الذين يسرعون أم أنا الذي أسير ببطء ؟ !!
أحيانا:
كان يبدوا المشهد وكأنه لقطة من أفلام شارلي شابلن القديمة التي يهرول فيها الممثلون بالحركة السريعة هنا وهناك
وكنت أنا أيضاً ابدوا غريباً مثل فيلم يدور بالحركة البطيئة
ما الذي يجعل هؤلاء الناس يهرولون هكذا مسرعين ؟؟ !!
هل هو البرد ؟
لا..لا..لم يكن الجو بارداً بل كان دافئا رطبا يثير الخمول
وقد رأيتهم..نفس هؤلاء الأوروبيين..في الرياض والخبر والقاهرة وبانكوك..في درجات حرارة ملتهبة يهرولون بنفس الخطوة السريعة..!!
إنها سلوكية ثابتة فيهم..
إنها السلوكية الأوروبية والسلوكية الشرقية وبينهما من الفارق مابين أغنية بطيئة لأم كلثوم تتموج طرباً وأغنية تتقافز جنونا من أغاني الدسكو..
كم تمنيت أن أدخل الى داخل جمجمة احد هؤلاء الذين يهرولون واعرف بالضبط كيف يفكر!
لا شك أنهم يفكرون بطريقة مختلفة ويرون الدنيا بمنظار مختلف..وكنت مازلت أسير بالحركة البندولية البطيئة وأتساءل :
ماهو الفارق بالضبط بيننا وبينهم..ومن منا على الخطأ ومن منا على الصواب ان كان هناك خطأ وصواب..
قلت..أنا اعلم على الأقل شيئاً عن نفسي..وكيف أفكر كرجل شرقي..
لاشك أن مساحة العاطفة والخيال عندنا أوسع نحن الشرقيين..ونحن نستشير قلوبنا قبل أن نستشير عقولنا..ونرتجل أكثر من ما نخطط
عن نفسي :
أنا لا احتفل باللحظة كثيراً..وأحيانا لا أعيش اليوم وإنما أتخطاه وأسكن بخيالي في المستقبل وأعيش في هموم الغد وما بعد الغد..وهموم الموت وما بعد الموت
ولست وحدي في ذلك الهم فالقدماء المصريون بنوا للموت أهراما لم يبنوا مثلها للحياة
بينما كان الإنسان الأوروبي إنسانا مختلفا
لم ينظر الأوروبي ابداً بهذا المنظار للدنيا ولم يعش في هم الموت ومابعده..وإنما كان دائما مهموماً بلحضته يحاول ان يعيشها كأعرض وكأحفل ماتكون باللذة والألم..وكان يستشير عقله قبل عاطفته..ويخطط ولا يرتجل..ويعيش للواقع ولا يحفل بالغيب..
ولهذا :
كنت تراه دائماً ناهضاً بالخطوة السريعة إلى العمل..حريصاً على قطف الثمر..مسارعاً إلى الاستمتاع بيوم العطلة بلا حدود..ودون التفات إلى حلال او حرام..ودون توقف عند ما تنذر به الكتب من عذاب وعقاب في الآخرة..فلا حقيقة في نظره سوى هذه الحياة وليس بعدها شي وليس وراءها شئ..
وكانت فضائله هي فضائل العمل فهو إنسان صادق ملتزم يحترم الكلمة والطابور والقوانين المدنية وإشارات المرور لأن هذه الأخلاقيات هي الوسيلة المثلى للانتفاع بالحاضر واستثمار اللحظة..وليس لان هذه الأخلاقيات هي الوصايا العشر أللتي أمر بها الرب في كتبهم المقدسة..
فهو أخلاقي لأسباب انتهازية وليس لأسباب دينية..
هي أخلاقيات نقابة وتبادل منافع وانضباط عمل..وهذا التركيز بلا حدود على استثمار الحاضر بدون مخاوف دينية وبدون هموم مستقبلية..هو الذي أثمر هذه الحظوظ الدنيوية الوافرة في كل شئ.
ولو فهمنا نحن الدين فهما صحيحاً لما كنا أقل منه حماساً لاستثمار الحاضر ولكانت عقولنا أكثر منهم انطلاقاً لنزرع ونحرث في مزرعة الدنيا أكثر لنحصد في الآخرة أكثر
فالإسلام دين علم وعمل وعقل
ولكن الدين جاء في خيال الأكثرية مقترناً بالزهد ورفض الدنيا والكسل واتهام العلم والحياة في خوف والانزواء في صومعة والعزلة والسلبية والرهبانية والتعبد الخـــاوي
بصراحة :
لــــقد أخطئوا فهم الدنيـــــــا
وأخطأنا نـحن فهم الديـــــــن
وتحالفت فروق الطقس على مضاعفة الفوارق وتوكيدها فظهرت هذه السلوكية الأوربية النشطة الناهضة بهمة وإيجابية إلى النفع والانتفاع في مقابل السلوكية الشرقية الزاهدة المتراخية الكسول القانعة الخاملة الرافضة المنعزلة المنطوية في تأمل خاو.
كلانا مريــــض و منحـــرف
وكنت مازلت أنظر إلى فيلم شارلي شابلن والممثلين الذين يتقافزون في حركة سريعة حولي في الشارع وأبتسم 
وكانوا هم ينظرون إلى حركتي البندولية البطيئة ويبتسمون
..............
كنت أتخيل إنسانا خياليا يقف في المنطقة الصحية السليمة بيننا
بين الشرقي والغربي
إنسان جمع بين نشاط الأوروبي وعقلانيته واحتفاله باللحظة واحتشاده لإحياء الحاضر وبين إيمان الشرقي الذي يتخذ وجه الله هدفاً لكل أعماله..
إنساناً يستعمل عقـــله ويحترم عاطفته
يعيش ليومــــه ولا ينســــــى غـــــــــده
ترى هل يولد هذا الإنسان الثالث من تلاقح الفكرتين ؟!!
وكيف ؟ ومتى ؟ وأين ؟
وهل هــو المستقبل ؟ !!
وهل جاء الدور علينا لنعبر إليهم بحضارتنا كما عبروا إلينا بحضارتهم..
وكيف يكون العـــــبور هذه المرة ؟
أعزائي :
ذلك هو تاريخ القرن الواحد والعشرين
تحياتي