السلام عليكم و رحمه الله و بركاته
فقه زيارة القبور بين المشروع والممنوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن زيارة القبور: تنقسم إلى قسمين: زيارة مشروعة، وأخرى ممنوعة.
- أولاً: الزيارة المشروعة:
لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر عن زيارة القبور؛ لأن الناس حديثو عهد بكفر؛ ولأن الوثنية كان منشؤها القبور، إذ نصبت الأصنام والأوثان تعظيماً لبعض أصحاب القبور، فعكفوا على تلك التماثيل وتعهدوها بالزيارة، ومع مرور الزمن وطول الأمد عبدوها من دون الله، فلما تأصل الإيمان بالله في نفوسهم، وتمكنت العقيدة من قلوبهم، وأخلصوا العبادة له جل وعلا، وأفردوه بالوحدانية، أذن صلى الله عليه وسلم في زيارتها، حيث قال: {كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها}.
فشرعت هذه الزيارة لأمرين:
1- تذكر الآخرة، والاعتبار والاتعاظ، لقوله صلى الله عليه وسلم: {إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة}.
ويستوي في هذا الأمر-أعني التذكر والاتعاظ- قبر المسلم والكافر، حيث هما سيان في ذلك لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ((استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها قأذن لي)).
وفي رواية عنه أيضاً قال: ((زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكي وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر بالموت)).
2- الدعاء للميت والإحسان إليه. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد))..
وعن بريدة رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية)).
فهذه الزيارة الشرعية للقبور، تذكر الموت والآخرة والدعاء للميت. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم في زيارتها بعد النهي، وعلل ذلك بأنها تذكر الموت والدار الآخرة وأذن إذناً عاماً في زيارة قبر المسلم والكافر؛ والسبب الذي ورد عليه هذا اللفظ يوجب دخول الكافر، والعلة وهي تذكر الموت والآخرة موجود في ذلك كله. وقد كان صلى الله عليه وسلم يأتي قبور أهل البقيع والشهداء للدعاء لهم والاستغفار، فهذا المعنى يختص بالمسلمين دون الكافرين، فهذه الزيارة وهي زيارة القبور لتذكر الآخرة، أو لتحيتهم والدعاء لهم، هو الذي جاءت به السنة.
وهذه الزيارة الشرعية التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم لابد لها من شرطين: الأول: أن تكون الزيارة بدون شد رحل. لما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى)).
وجه الدلالة: أن هذا النهي يعم السفر إلى المساجد والمشاهد، وكل مكان يقصد السفر إلى عينه للتقرب، فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله غير الثلاثة لا يجوز، مع أن قصده لأهل مصره يجب تارة، ويستحب أخرى.
وقد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يحصى، فالسفر إذاً إلى مجرد القبور أولى بالمنع.
الثاني: التزام أدب الزيارة. لما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في الأمر بزيارة القبور: ((فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجراً)).
والهجر: بالضم هو الكلام الفاحش والباطل، ومن أعظمه الطواف حولها أو دعاء أصحابها والتقرب إليهم.
قال النووي: وكان النهي أولاً لقرب عهدهم من الجاهلية، فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل، فلما استقرت قواعد الإسلام وتمهدت أحكامه، واشتهرت معالمه أبيح لهم الزيارة، واحتاط صلى الله عليه وسلم بقوله: ((ولا تقولوا هجراً)).
- ثانياً: الزيارة الممنوعة:
وهي التي لم تتوفر فيها الشروط السابقة، أو اختل شرط منها. قال الصنعاني عقب أحاديث الزيارة: الكل دال على مشروعية زيارة القبور، والحكمة فيها، أنها للاعتبار، فإذا خلت من هذه لم تكن مرادة شرعاً.
قلت: وذلك مثل اتخاذها أعياداً، أو الطواف بها، أو طلب الدعاء من أصحابها، أو الصلاة عندها والعكوف عليها.
وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)).
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعل ذلك أهل الكتاب، ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك..
وقد بدل أهل البدع والشرك قولاً غير الذي قيل لهم: بدلوا الدعاء للميت بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسوله صلى الله عليه وسلم إحساناً إلى الميت وإحساناً إلى الزائر، وتذكيراً بالآخرة: سؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو لب العبادة، وحضور القلب عندها، وخشوعه أعظم منه في المساجد، ومن المحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم، أو الدعاء عندهم مشروعاً وعملاً صالحاً ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.
وبهذا تبين الفرق بين الزيارة المشروعة والممنوعة.
وينبغي لمن زار المقبرة أن يدعو بما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به وعلمه أمته : ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منك والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية ، اللهم لا تحرمنا أجرهم ، ولا تفتنا بعدهم ، واغفر لنا ولهم )). يقول هذا الدعاء.
................
حديث ( لعن الله زوارات القبور )
السؤال :
ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: لعن الله زائرات القبور. فأرجو التوضيح هل يقصد به النساء جميعا، أم هناك نساء معينات؟ وكيف الحال عند زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وما هي الأدعية التي تقال عند زيارة القبور؟
الجواب:
اختلف العلماء في زيارة النساء للقبور بعدما أجمعوا على سنيتها للرجال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن زيارة القبور في أول الإسلام خشية الفتنة بالقبور; لأن الجاهلية كانت تعظم القبور، وربما عبدت بعض المقبورين من دون الله.
فنهاهم عن زيارة القبور حماية للتوحيد وسدا لذرائع الشرك، ثم أذن للرجال بالزيارة، قال عليه الصلاة والسلام: صحيح مسلم الجنائز (977),سنن الترمذي الجنائز (1054),سنن النسائي الجنائز (2033). كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة وفي رواية : صحيح مسلم الجنائز (976),سنن النسائي الجنائز (2034),سنن أبو داود الجنائز (3234),سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1572),مسند أحمد بن حنبل (2/441). فإنها تذكركم الموت .
واختلف العلماء في النساء: هل دخلن في هذا أم لا ؟ على قولين لأهل العلم.
والصواب أنهن لا يدخلن في الرخصة، بل ينهين عن زيارة القبور لأنه ورد عنه صلى الله عليه وسلم من عدة طرق أنه : سنن الترمذي الصلاة (320),سنن النسائي الجنائز (2043),سنن أبو داود الجنائز (3236),سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1575),مسند أحمد بن حنبل (1/337). لعن زائرات القبور وفي لفظ : سنن الترمذي الجنائز (1056),سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1576). زوارات القبور من حديث أبي هريرة ، ومن حديث ابن عباس ، ومن حديث حسان بن ثابت رضي الله عنهم، وفيها لعن زائرات القبور.
فالصواب أنهن لا يزرن القبور مطلقا.
هذا هو الأرجح من قولي العلماء، حتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يزرنه ولا يقفن عليه، ولكن يصلين على النبي صلى الله عليه وسلم في كل مكان; في المسجد النبوي ، وفي الطريق، وفي بيوتهن، وفي البيت، في كل مكان، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: " لا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم " [ سنن أبو داود المناسك (2042),مسند أحمد بن حنبل (2/367) ].
فالرسول صلى الله عليه وسلم حثنا ورغبنا في الصلاة عليه والسلام عليه، كما أمر الله بذلك في كتابه العظيم حيث قال سبحانه: سورة الأحزاب ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [الأحزاب: 56] صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين.
فالمشروع للنساء الصلاة عليه والسلام عليه في كل مكان، كالرجال، ولا يشرع لهن زيارة القبور لا في بلدهن ولا في غير بلدهن. هذا هو المعتمد والأرجح من قولي العلماء في هذه المسألة.
وإذا كانت المرأة في المدينة زائرة فإنها تصلي في المسجد مع الناس، وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وهي في المسجد فليس هناك حاجة إلى أن تذهب عند القبر وتصلي عليه، بل تصلي عليه في محلها وتسلم عليه، تقول: اللهم صل وسلم على رسول الله، عليك الصلاة والسلام يا رسول الله، ونحو ذلك ويكفي هذا والحمد لله احتياطا وبعدا عما حرم الله.
من إجابات العلامة ابن باز رحمه الله تعالى
http://www.denana.com/articles.php?ID=3063
مصدر الفتوى
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.