الفقـــر
ذلك الشبح الذي ما أن يطل بوجهه الكئيب على الجيوب حتى يخيّم الخوف والحيرة والألم على
القلوب الخاليــة من القناعة والرضى بما قسمه الله لها من نصيب .
يقول المثل الشعبي
(( إذا دخل الفقر من الباب .. هرب الحب من الشباك ))
لكنّي أعتقد بأن هذا المثل غير صحيح ولا يلامس الواقع بشكل كبير .. لأن الفقر يحمل في طيّاته معانٍ
كثيرة قد تكون ماديّــة وقد تكون معنويّـــة وفي أحياناً أخرى قد يجمع بين الأثنين معاً فإن حلّت بإنسان
فتأكد بأنه كُتِب عليه الشقاء والتعاسة والعياذ بالله .
(( موقف ))
في عيد الفطر لهذا العام قمت بزيارة إحدى الأسر التي يُقال عنها أسرة فقيرة مادياً ....
الأب يعاني من مرض السكري والضغط وهو طريح الفراش منذُ فترة ليست بالقصيرة .. الأحوال
الماديّـة المحيطة بهذه الأسرة تعيسة لدرجة لا يمكن وصفها في زمننا المادي هذا
البيت متواضع جداً من حيث البنيان والديكورات والأثاث ....
دخلت البيت وفي نيّتي القيام بسنّة المعايدة والتهنئة بالعيد السعيد لهذه الأسرة
تخيّلوا ماذا قابلت ؟
إبتســـامات عريضـــة وبهجــــة وسرور غير عاديّة !!
الأطفال يمرحون فرحين بالعيد وبملابس العيد وحلاوى العيد !! ( هل بقي للفرح مكان في القلوب ؟ )
باقي أفراد العائلة يتبادلون الضحك والنكت والأحاديث السعيدة في حالة فرحٍ فريد .. حتى والدهم
المريض نسي أو تناسى مرضـــه وشاركهم الضحك والبهجة !!!
أمضيت بعض الوقت ثم أستأذنت بالخروج وقد ملأتني الحيرة والدهشة لما رأيت وسمعت ...
في طريق عودتي هربت بي الأفكار والهواجيس إلى أبعد من المدى ولم أفيق سوى بخروج تنهيدة
حارقة كادت تحرق ما بقي في صدري من أحزان وآهااااات

عندها قرّرت الذهاب لأحد الأقارب لزيارتة وتهنئتة بالعيد كحال جميع الناس أوّل أيام العيد
أقتربت من البيت فإذا بعلامات الثراء والغنى تقابلني من جميع إتجاهاتي !
منزل فاخر .. سيارات فارهة ... نباتات عالية وتشجير يملأ المكان ...
طرقت الباب .. فلا مُجيب !!
طرقت جرس الباب .. أيضاً لا مُجيب !!!
حاولت الذهاب للأبواب الأخرى لعلّي أجد أحداً ... لكن لا حياة لمن تنادي
لمّا أستّبد اليأس بأطرافي وبي قرّرت الإنصراف .. حينها فُتِح أحد الأبواب وهي كثيرة !
فإذا به السائق الآسيوي ...
قلت له عيد مبارك ... قال لي عيد مبارك
سألته ... وين بابا
قال نوم ( يا الله أحد ينام صباح العيد ؟؟ !!! )
سألته ... وين محمد وفهد وعلي و و و و ؟؟
قال كلّه نووووم ... إذا يكتب كلام حق بابا خذ هذي ورقه إنت أكتب أي كلام عشان عيد مبارك
قلت ... لأ يا ( مدري وش أسمه ) أنا يجي مرّة تاني
لملمت مسبحتي في يدي وبحثت عن مفتاح سيارتي في جيبي وأخذت كل علامات التعجّب معي ورحلت
عن هذا المكان الكئيب والموحش !! عن هذا المكان الذي قُتِل فيه العيد وقُتِلت فيه الفرحة والبهجة
وعلى أبوابه صُلِبت إبتسامات وأغاني الفرح ولم يبقى فيه سوى بقايا ثراء زائفٍ ستغطّيه السوافي
وموت المشاعر وذبول الأحاسيس
حين واصلت مسيري قاصداً منزلاً آخر .. حدّثتني نفسي بصوت خافت
يا صديق الملك ...
قلت .. نعم
قالت .. الفقــــر ليس فقر الجيوب
قلت .. إذا ماذا يكون الفقـــر ؟
قالت .. الفقــر فقر القلوب وليس فقــر الجيوب
قلت ... ورب الكعبـــة صدقتي
ودعيت ربّي أن يجنبنا الفقــرين
(( أعذروني على الإطالـــة ))
((( أخيكم )))