السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
العقيدة العسكرية لأي دولة أو تكتل دولي ليست إلا نتاجاً لتفاعل العوامل العقائدية والسياسة والاجتماعية والاقتصادية التي تسود هذه الدول، أو تكتل الدولة، وكذلك تاريخ وجغرافيا هذه الدولة. ولهذا نجد أن لكل دولة أو تكتل دول عقيدة عسكرية واحدة، تختلف نوعاً ما عن العقيدة العسكرية لدى الدولة الأخرى أو التكتل الآخر .
والعقيدة العسكرية تتأثر بالأهداف والغايات العليا للدولة، وتنبثق منها، وعليه فإنها هي التي تحدد الأسس والمبادئ الأساسية التي تقوم عليها الاستراتيجية العسكرية للدولة التي تكون بدورها أحد المكونات أو العناصر للاستراتيجية العليا (الكبرى) لهذه الدولة أو تكتل الدول .
إذن هناك أهداف وغايات عليا للدولة ينبثق منها عقيدة عسكرية، وعلى ضوء هذه تتحدد الاستراتيجية العسكرية، وهذه تمثل أحد مكونات وعناصر الاستراتيجية العليا والشاملة للدولة .
من هذا يتضح أن العقيدة العسكرية هي: السياسة العسكرية التي تنتهجها الدولة أو تكتل الدول فيما يتعلق بإعداد قواتها المسلحة، وطرق إدارتها وتسليحها وتنظيمها، بالأسس التي يتم إعداد البلاد بموجبها، وبالقواعد والمسائل الأساسية للصراع المسلح وطبيعة الحرب .
على ضوء ذلك، ولكي نحدد مفهوم العقيدة العسكرية الإسلامية فإنه لابد من تحديد الأسس التي تقوم عليها هذه العقيدة والتي منها :
1 - عقيدة مصدرها القرآن والسنة:
الإسلام دين ودنيا. دين يقوم على عقيدة التوحيد التي تعني العبودية لله وحده لا شريك له بأي شكل من الأشكال، أو صيغة من الصيغ. ودنيا لاحتوائه على النظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي، والنظام العسكري، والنظام السياسي، والنظام الإداري، وغير ذلك من النظم التي تنظم حياة البشر بما يكفل سعادتهم الدنيوية، وبما يضمن لهم نعيم الآخرة.
وهذه النظم إنما تنبثق من العقيدة الاقتصادية، والاجتماعية، والعسكرية، والسياسية، والإدارية للمسلمين والتي تجمع شمل عقيدة الإسلام الكلية الشمولية التي تحقق للإنسان سعادة الدارين.
وهذه العقائد مجتمعة تمثل شريعة الإسلام التي تستند إلى مصدرين رئيسين هما : القرآن والسنة، فالمنهج السياسي في الإسلام مصادره القرآن والسنة، والنظام الاقتصادي في الإسلام مصادره القرآن والسنة، والنظام الإداري مصادره القرآن والسنة، والنظام الاجتماعي في الإسلام مصادره القرآن والسنة،
وكذلك المبادئ العسكرية في الإسلام مصادرها القرآن والسنة.. وهكذا
وحين نقول: إن القرآن والسنة هما مصدرا الشريعة الإسلامية بشمولها وكمالها، فإن ذلك يعني أن هذه الشريعة مبنية على ما جاء في القرآن والسنة الصحيحة ولا خيار للمسلمين في ذلك وأي نظام يخرج - لا سمح الله - عن ذلك لا يعتبر من شريعة الإسلام، فإنه يلجأ فيها إلى ما أجمع عليه سلف الأمة، وما اجتهد فيه فقهاؤها وعلماؤها؛ اجتهاداً مبنياً على قواعد الإسلام وأصوله.
والعقيدة العسكرية التي تستند إلى القرآن، لابد أن تكون عقيدة تعلو ولا يعلى عليها، ولابد أن تكون غاية في الكمال فالسند كلام الله، والموجه هو الخالق الذي ارتضى الإسلام ديناً لعباده وهو العليم بما فيه صلاحهم وخيرهم وسعادتهم في الدار الآخرة والأولى. والعقيدة العسكرية التي تستند إلى السنة، لابد أن تكون عقيدة مثلى، فهي تستند في أصولها وتستمد تعاليمها وتوجيهاتها من سنة خير العباد الذي أرسله الله خاتمًا لرسله عليهم السلام، وجعله إمامهم وشفيعهم يوم القيامة، وختم برسالته رسالات السماء، وأنزل عليه دستور البشرية ومنقذها، فأي عقيدة ستكون أسمى من تلك العقيدة ؟
2 - عقيدة جوهرها الجهاد :
الجهاد لغة يعني: المشقة وبذل أقصى ما في الوسع، وهو يعني فيما اصطلح وتعارف عليه الناس: قتال الأعداء. إلا أنه أعم وأشمل من ذلك كما تبين آيات الذكر الحكيم وسنة المصطفى {؛ حيث تشير الآيات والأحاديث النبوية إلى أنه جهاد بالنفس وبالمال وباللسان، كما تشير إلى أنه يشمل جهاد العبد لنفسه لكبح شروره، وهذا ما يطلق عليه جهاد النفس .
تصنف العقائد العسكرية لمختلف الدول إلى : عقائد هجومية وعقائد دفاعية، فيقال: إن هذه الدول ذات عقيدة عسكرية دفاعية، وتلك الدولة ذات عقيدة عسكرية هجومية.
فهل العقيدة العسكرية الإسلامية التي جوهرها الجهاد، هجومية أم دفاعية ؟
الواقع أن مفهوم الدفاع السائد في أذهان الناس في عصرنا هذا لا يصح أن يوصف به الجهاد. كما أن تقسيم الحرب في القانون الدولي المعاصر إلى : دفاعية وهجومية، لا ينطبق بأي حال من الأحوال على نظام الجهاد الذي شرعه الله للمسلمين، وأمرهم به في العديد من آيات الذكر الحكيم كقوله تبارك وتعالى: إن الله اشترى" من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى" بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم (111) {التوبة: 111}، وقوله تبارك وتعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده هو \جتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى" ونعم النصير 78 {الحج: 78}، وقوله تبارك وتعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين 69 {العنكبوت: 69}، وقوله تبارك وتعالى: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى" وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما 95 درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما 96 {النساء: 95، 96}، وقوله تبارك وتعالى: فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى" إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى" تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم 4 سيهديهم ويصلح بالهم 5 ويدخلهم الجنة عرفها لهم 6 {محمد: 4 - 6}.
ذلك أن تقسيم الحرب إلى : دفاعية وهجومية إنما هو نابع من الأوضاع الدولية السائدة، ومتأثر بالحدود الإقليمية التي صنعتها الأوضاع الدولية، وأملتها المطامع البشرية والمصالح الدولية المادية .. والإسلام لا مطامع له، ولا مصالح مادية، وإنما هو دين الله الذي ارتضاه لعباده والذي يجب أن يعلو على ما عداه. والهجوم في عرف القانون الدولي يعني الظلم، والجهاد أبعد ما يكون عن الظلم، وهو العدل بعينه؛ إذ أن الله سبحانه وتعالى ما شرعه إلا لحماية القيم الربانية التي شرعها الله سبحانه، وتحقيق الخير والعدل للناس كافة.
والدفاع في عرف القانون يعني منع العدو من اجتياز الحدود الدولية، والجهاد أبعد ما يكون عن الدفاع؛ إذ أن الإسلام لا يقر الحدود؛ حيث الأرض لله، والإنسان مستخلف فيها، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وليس للإسلام وطن معين بحيث نقول: هنا تقام حدود الله وهنا لا تقام، أو أن هنا دولة لدين الإسلام وهنا دولة لما عداه من أديان البشر، وهنا يلتزم المسلمون بالدفاع عن الأرض ومن عليها من العباد، وهنا لا يلتزمون، وإنما نطاق الجهاد أعم وأشمل .
وعليه فإن الجهاد ليس هجوميًا كما تعني كلمة الهجوم في قاموس علم الحرب المعاصر، كما أنه ليس دفاعيًا كما تعني كلمة الدفاع في هذا القاموس.
إن الجهاد حرب مقدسة قد تأخذ طابع الهجوم كما قد تأخذ طابع الدفاع .
3 - عقيدة حربها بلا أحقاد :
وذلك أنها عقيدة حرب الإسلام، والإسلام دين ارتضاه الله لعباده، دين لا حقد فيه ولا كراهية، دين شرعه الله للقضاء على الحقد والكراهية، وإرساء العدل بكافة صوره وأشكاله. وحرب الإسلام سلام وعدل لا حقد فيها، ولا يدخل المسلمون الحرب إلا دفاعًا عن حق، وإلا رداً لعدوان، وإلا نشراً لألوية العدل والسلام بين الناس، وإلا لإطفاء نار الفتن التي يوقدها البغاة المعتدون؛ فتزعج، الأمن وتروع الآمنين، وتسلب الحقوق، وتهتك الحرمات.
ومن هنا كان موقف المسلمين من عدوهم الذي يسوق إليهم البلاء، ويبغي بهم الغوائل، ويرميهم بالمهلكات، هو موقف الأطباء، من وباء انتشر، وداء استشرى. فإذا هم أعملوا مباضعهم في بتر الأعضاء الفاسدة من الجسد الاجتماعي، أو حاصروا الوباء في أهله وعزلوا العدوى عن المجتمع لم يكن ما فعلوه إلا باباً من أبواب الرحمة، ووجهاً مشرقاً من وجوه الإحسان إلى الجنس البشري كله .
هكذا حرب الإسلام، حسم لداء وقضاء على وباء. فإذا انحسم الداء، وانقشع الوباء، لم يكن للحرب مكانة، ولا للسيف موضعاً ونستمع إلى قوله تعالى مخاطبًا المسلمين فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى" إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى" تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم 4 سيهديهم ويصلح بالهم 5 ويدخلهم الجنة عرفها لهم 6 يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم 7 والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم 8 ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم 9 {محمد: 4 - 9}.
إن هذه الآيات المباركات، ترسم دستورًا إلهياً حكيمًا يجب أن يلتزمه المسلمون قولاً وعملاً، نصًا وسلوكًا، في حربهم مع أي عدوا يلتقون به، حيث ينظرون إليه نظر الطبيب إلى المريض، يحمل إليه الشفاء في الدواء الذي يقدمه، وإن كان مراً، وفي العملية الجراحية التي يجريها له، وإن ذهبت بمعظم أعضاء الجسد، فلا يقتل المسلمون في حربهم عدواً محارباً لهم إذ أثخنته الجراح، ولم يعد قادراً على القتال .. إن غاية الحرب عند المسلمين هنا، هي الوقاية من شر هذا العدو، إذا انتزعت أنيابه، وعطلت مخالبه، لم يكن قتله بعد هذا، إلا ظلماً وتعدياً، وإلا شفاء لحقد، واستجابة لانتقام، وليس بالطبيب من يحقد على مريضه..(1) والإسلام دواء لكل أمراض الإنسانية، والمسلمون أطباء يحملون علاج الإسلام الذي لا حقد فيه ولا كراهية، وهم حين يحاربون فإنهم مكرهون كما أسلفنا، وذلك لكبح قوى الشر بالحرب التي هي عندهم هنا كالخير أما الحرب عند المسلمين فهي مبدأ من مبادئ الضرورة كالقصاص والحد والتعزير كما بينا من قبل. أما الحروب التي تشن في عالمنا المعاصر من أجل الأطماع والأهداف الدنيوية فهي لا تعمل ميك********يتها دون الحقد الذي هو بمثابة الوقود لها، إذ بدونه لا تكون أصلاً .
4 - عقيدة جندها مسالمون وسلامها مسلح :
الإسلام دين الحق والرحمة والعدل، دستوره القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، ومبادئه تستند إليه؛ ولهذا فإن النظام الذي وضعه الإسلام للحرب يتسم بالرحمة والعدل، ويطبع العقيدة العسكرية النابعة منه بطابع المسلم، ويصبغها بصبغة الدفاع، إذ أنها وهي تهاجم فإنها تدافع عن الحق والرحمة والعدل الذي تحاول قوى الشر أن تمنع البشرية من التمتع به، والتنعم بظلاله الوارفة. والعقيدة العسكرية الإسلامية تستمد تعاليمها كما قلنا من القرآن والسنة النبوية الشريفة، والقرآن الكريم هو الذي أنزله الله رحمة للعالمين وفيه يقول المولى تبارك وتعالى: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما 63 والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما 64 والذين يقولون ربنا \صرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما 65 إنها ساءت مستقرا ومقاما 66 والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما 67 والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما 68 {الفرقان: 63 - 68}.
والسنة النبوية بمجملها دعوة للرحمة والعدل والإحسان. من ذلك يتضح لكل ذي بصيرة أن جند الإسلام قد هذبهم القرآن وبين لهم أنهم عباد مسالمون، لا يمشون على الأرض إلا هوناً، ولا يردون على الجاهلين إلا بكل خير، وبمعاني السلام السامية، وهم الذين يقضون ليلهم في القيام والتهجد، وهم الذين يدعون ربهم في كل لحظة أن يصرف عنهم عذاب جهنم، وهم الذي لا يدعون مع الله إلهاً آخر - وهم الذين لا يقتلون إلا النفس التي أمر الله بقتلها لما في قتلها؛ من صلاح الدين والدنيا والمجتمع..
إن هؤلاء الجند الذين هذبهم الإسلام بتعاليم كتابه الكريم، وسنة نبيه المصطفى {، سيكونون بطبيعة الحال سلاماً على من سالمهم، وحرباً على من حارب دينهم ورسولهم، واعتدى على دمائهم وأعراضهم وأموالهم.
كما أن هؤلاء الجند المسلمون الذين هذبهم القرآن وطهرتهم سنة المصطفى، سيغلب عليهم الطابع السلمي للإسلام الذي هو دعوة عامة للسلام، ورسالة للسلام الذي ارتضاه الله لعباده. فهم جند مسالمون، لا يلجأون للحرب إلا عند الضرورة، وحين لا تحتمل الأوضاع السائدة أن يسالم المسلمون أعداءهم الذين يتربصون بهم الدوائر، ويتصدون لهم في كل مرصد، ويصدون كل إنسان عن الدخول في دين الله تعالى، وتلك حقوق لابد من الحرب دونها، ولا يمكن أن يوصف المحارب دونها بالجنوح عن السلم والشروع في الحرب .
والإسلام حين يكون دعوة للسلام، وجند الإسلام والمسلمون حين يمشون على الأرض هوناً، وينشرون الإسلام - (السلام)، وحين يجنحون للسلم دوماً، ولا يقدمون على الحرب إلا كما يقدم الطبيب على بتر أحد أعضاء مريضه...؛ فإن هذا لا يعني أن الإسلام دين استكانة وخنوع، أو أنه دعوة للذل والاستعباد. وليس في القرآن آية ولا في السنة حديث يدعوان المسلم إلى فهم السلام بالذل والخنوع والاستكانة، كما يتصور بعض جهلاء المسلمين وعامتهم حين يسمعون قول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين 195 {البقرة: 195}، حيث يفهمون من ذلك أنها دعوة للمسالمة وعدم مجابهة الباطل حتى لا تكون التهلكة. بينما لو تدبروا معنى هذه الآية وربطوها بالآية التي قبلها لأدركوا أن التهلكة هي مسالمة الباطل والقعود عن حربه، وأن التهلكة هي التكالب على الدنيا وترك الباطل يقوي ويستشري شره في أرض الله؛ ذلك أن نص الآية السابقة لها هو قوله تعالى: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن \عتدى" عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما \عتدى" عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين 194 {البقرة: 194}.
إن القرآن دعوة للسلام، ولكنه السلام المسلح الذي يرد كيد الباغين ويحمي حوزة الدين، السلام المسلح الذي يجعل اليد الإسلامية هي العليا. فالقرآن الذي يدعو إلى السلام، يدعو أيضاً إلى حراسة هذا الكلام كما في قوله تعالى: إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون 55 الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون 56 فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون 57 وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على" سواء إن الله لا يحب الخائنين 58 ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون 59 وأعدوا لهم ما \ستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون 60 وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم 61 {الأنفال: 55 - 61}. تلك إذن دعوة للسلام، ودعوة لحماية السلام بإعداد القوة المعنوية والمادية والعددية التي تحمي السلام، وتجعله مهاب الجانب، عزيز المقام؛ لأن العزة لله ورسوله والمؤمنين، وحين يفهم المسلمون السلام بمعنى الاستكانة والمهادنة الذليلة، فإنهم يفرطون بعزتهم التي ربطها الله سبحانه وتعالى بعزته جل جلاله، وبعزة رسوله المصطفى { في قوله في محكم التنزيل: يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون 8 {المنافقون: 8}.
بعدما بينا أن غاية الحرب في الشريعة الإسلامية لا تعدو أن تكون تحقيق حرية العقيدة للناس، ومنع اضطهادهم وإذلالهم وتعذيبهم من أجل اعتناق الدين الذين يرغبون فيه، ومنع الفتنة أن تستشري ويستشري معها الفساد، ونشر دين الله تعالى في الأرض، وجعله حاكماً بين الناس مسلمهم وكافرهم لأن شريعة الله تعالى هي العدل والرحمة، وما سواها ظلم وعدوان، وتحقيق الأمن والسلام في أنحاء الأرض كلها ولكل الناس كما أراد الله سبحانه وتعالى .
وبعدما بينا بعضاً من الأسس التي تقوم عليها العقيدة العسكرية الإسلامية التي تسعى إلى تحقيق الغايات الآنفة الذكر، والتي من أجلها شرع الله سبحانه وتعالى الحرب كمبدأ من مبادئ الضرورة. وقلنا إن مصدرها القرآن والسنة، وجوهرها الجهاد، وإن حربها بلا أحقاد أو أطماع دنيوية ضيقة، وإن جندها مسالمون وإن سلامها مسلح مهاب الجانب عزيز المقام؛ نصل إلى القول إن العقيدة العسكرية الإسلامية ليست بالتي تقاس بالعقائد العسكرية الأخرى، ولا تلك بالتي تقاس بالعقيدة العسكرية الإسلامية؛ إذ لا تشترك مع تلك العقائد في أي من الأسس، ولا تخضع للفلسفة الوضعية التي تعرف بموجبها العقيدة العسكرية في ظل النظم الوضعية القديمة والمعاصرة .