السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدكتور برتراند بديع مفكر وباحث وخبير سياسي وأستاذ للعلاقات الدولية في معهد الدراسات السياسية في باريس، ولديه أكثر من 13 كتاباً ترجمت إلى 15 لغة. وهو يرى أن حركات التحرر وثورات الشعوب لا يمكن أن تقهر بالقوة العسكرية وحدها، ويرى كذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش أزمة واضحة في العراق لا تبدو في الأفق حلول ممكنة لها في ظل خياراتها الصعبة هناك.
الوضع في فلسطين في ظل سياسات شارون الإجرامية، وقضية منع الحجاب في فرنسا، والأزمة في العلاقات الفرنسية الأمريكية، كانت هي الأخرى حاضرة في الحوار مع برتراند بديع:
* بداية، أنت تؤكد أن ثورات الشعوب لا يمكن أن تقهر ولا أن يقضى عليها بالقوة العسكرية مهما كان حجم هذه القوة. كيف توصلت إلى هذه القناعة؟
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتقدم حركات التحرر في العالم أعتقد أن العلاقات الدولية لم تعد تقتصر على العلاقات بين الدول، بل أصبح هناك دور أكبر للمجتمعات والشعوب وللمنظمات الاجتماعية والشعبية وبصورة أكبر بكثير مما كان عليه الوضع في الماضي، وربما أصبح دورها أكثر تأثيراً من الدول. وبقدر ما تضعف الدول في العلاقات الدولية يزيد دور المجتمعات. هذا هو التغير الكبير في العلاقات الدولية، تزايد دور المجتمعات وضعف الدول، إلى جانب ذلك هناك ظاهرة جديدة هي انهيار دور بعض الدول في العلاقات الدولية.
* هذا الكلام بحاجة لمزيد من التوضيح..
قبل انهيار الاتحاد السوفييتي كان هناك قطبان: الاتحاد السوفييتي من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، وكان هناك صراع بين هذين القطبين، وتذرع كل واحد منهما بالتهديد الذي يمثله القطب الآخر من أجل تعزيز قدراته العسكرية، فكل طرف كان يستفيد من وجود الآخر. لكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أصبح هناك قطب واحد وقوة واحدة هي الولايات المتحدة، وهذا تسبب في معارضة أكبر لاستمرارها في تعزيز قدراتها العسكرية في ظل عدم وجود قطب آخر منافس، فهي لم تعد قادرة على تبرير ذلك كما كان الوضع أيام الحرب الباردة. وهذه القوة الواحدة ليست قادرة على تحقيق الانتصار على الشعوب والمجتمعات.
وهناك شيء آخر جديد ومهم، فسابقاً كانت الدول هي التي تصنع العنف، ولكن الذي يصنع العنف الآن هو المجتمعات والتنظيمات المعزولة عن المجتمع الدولي سياسياً واقتصادياً، فالإحباط الاجتماعي يصنع العنف، ونحن الآن نشهد عنفاً اجتماعياً.
* باعتقادك لماذا وصلت الأوضاع في العراق إلى ما هي عليه الآن؟ ولماذا فشلت الولايات المتحدة الأمريكية بهذا الشكل الواضح؟
القوة العسكرية الأمريكية كانت قادرة على تدمير الدولة العراقية وعلى تدمير نظام صدام حسين، لكنها عاجزة وغير قادرة على إعادة بناء دولة عراقية جديدة ومجتمع عراقي جديد. من يفاوض الولايات المتحدة في العراق؟ لا توجد قوة سياسية قادرة على التفاوض مع الولايات المتحدة.
* إذن هل أمريكا تورطت في العراق وما وصلت إليه الأوضاع كان خارج حساباتها وتوقعاتها؟
المحافظون الجدد في أمريكا لم يتوقعوا الأزمة التي يواجهونها حالياً في العراق، ومصدر الخطأ في توقعاتهم هو الأيديولوجية الدينية، فهم يعتقدون أنهم يحملون رسالة دينية للعالم، لذلك لم يستمعوا لتحذيرات الآخرين، وأرادوا عالماً وفق تصوراتهم. هم لم يتوقعوا الأزمة الحالية، ربما لا يرون حتى الآن أن هناك أزمة بالمعنى الحقيقي، وقد يواصلون الاعتقاد بأنه من الممكن بناء دولة وفق التصور الأمريكي في العراق.
* وما توقعاتك لمستقبل الوضع في العراق؟
استخدام القوة الأمريكية حالياً بصورة واضحة في العراق يتسبب في الاحتجاجات والعنف والمعارضة، وكلما ازداد استخدام الولايات المتحدة للقوة، سيزداد الاحتجاج والمعارضة والعنف المضاد ضد الأفعال الأمريكية. الخيارات الأمريكية صعبة، فالانسحاب يعني الفشل، والأمريكيون لا يقبلون ذلك حالياً. في نفس الوقت فإن خيار إعطاء دور أكبر للأمم المتحدة ليس ممكناً، لأن الناس سيعتقدون أن الأمم المتحدة انحازت للولايات المتحدة.
* وما الخيار المتاح أمامها إذن؟
كان الخيار الممكن هو حوار وطني مع كل القوى الوطنية في العراق، لكن ربما أصبح الوقت متأخراً على ذلك، لأنه لم يعد هناك أي عقد اجتماعي في العراق، التدخل الأمريكي كسر هذا العقد الاجتماعي.
* إذن أنت تعتقد أنه ليس هناك حلّ ممكن في المدى القريب؟
أنا أسمي ما يحصل الآن ب "عجز القوة"، القوة العسكرية الأمريكية غير قادرة على إعادة بناء مجتمع ودولة، وكلما زاد التدخل الأمريكي بعمليات عسكرية كان هناك ردة فعل وعنف في المقابل ضد الولايات المتحدة، ولا يوجد حلّ. الحلّ الممكن هو أن تقتنع القيادة الأمريكية بأن الثمن الذي تدفعه في العراق كبير، كما حصل في الحرب في فيتنام، وأنه من المستحيل أن تستمر في دفع ثمن عسكري وسياسي واقتصادي وإنساني كبير، وأنه بالتالي لا بدّ من الانسحاب. ولكن بسبب دور الأيديولوجيا الدينية لدى المحافظين الجدد سوف يستمرون في سياسة القوة والتدخلات العسكرية، وهذا سيسبب الكثير من العنف وردود الفعل.
* الرئيس الفرنسي جاك شيراك دعا إلى إدراج قضية انسحاب القوات الأمريكية على أعمال المؤتمر الدولي الذي أعلنته الولايات المتحدة حول العراق. في رأيك هل تعترف الحكومة الفرنسية بشرعية الحكومة العراقية المؤقتة الحالية؟
هناك شكوك لدى الحكومة الفرنسية تجاه حكومة إياد علاوي، ولم يتم استقبال رئيس الوزراء العراقي ولا الرئيس العراقي الجديد في فرنسا من قبل الرئيس شيراك، وهذه إشارة إلى هذه الشكوك. ولكن هناك مشكلة في نفس الوقت هي القرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة وأعطت بعض الشرعية للحكومة العراقية الجديدة.
* الرئيس شيراك دعا أيضاً إلى التفاوض مع المقاومة العراقية. ألا تعتقد أن هذا الموقف يعدّ اعترافاً رسمياً من الرئيس شيراك بشرعية المقاومة العراقية؟
بدون أن يكون هناك اعتراف رسمي من قبل الحكومة الفرنسية بالمقاومة العراقية من المؤكد أنه كان هناك بداية تفاوض غير مباشر مع المقاومة في العراق خلال أزمة الصحفيين الرهينتين الفرنسيين في العراق.
* وهل يتفق الشعب الفرنسي مع الرئيس شيراك بشأن النظرة إلى الحكومة العراقية الحالية على أنها حكومة غير شرعية؟ وهل يتفق معه كذلك في الاعتراف بشرعية المقاومة العراقية؟
استطلاعات الرأي في فرنسا تظهر وجود معارضة شعبية واسعة للتدخل الأمريكي ولاحتلال العراق، ولا يوجد تغير في هذا الموقف. بالنسبة لموقف الرأي العام الفرنسي تجاه شرعية الحكومة العراقية ليس لدينا كثير من المؤشرات على ذلك. لكن الشيء الأكيد الذي نعرفه هو أن الرأي العام والمفكرين والسياسيين الفرنسيين صدموا من تصريحات إياد علاوي بخصوص قضية الرهينتين الفرنسيين، فعلاوي قال إن سبب هذه الأزمة هو عدم تأييد الحكومة الفرنسية للعملية الأمريكية في العراق، هذه التصريحات غير المناسبة في هذا الوقت أغضبت الكثير من الفرنسيين.
* العلاقات الأمريكية مع أوروبا وبالتحديد مع فرنسا تشهد توتراً واضحاً بسبب الخلاف في الموقف تجاه العراق. ماذا عن المستقبل؟ هل تتوقع أن يزداد الخلاف بين فرنسا والولايات المتحدة، أم تستطيع الدولتان تجاوز هذه المشكلات؟
الأزمة عميقة وسوف تكون طويلة وليست لحظية، لأن هناك اختلافاً عميقاً حول الأزمة في العراق. وفي المستقبل سوف تجد الولايات المتحدة صعوبة في بناء تحالفات مع الدول الأخرى التي بدأت تخاف من توجهات المشروع الأمريكي للسيطرة على العالم، لذلك نلاحظ أن فرنسا وألمانيا وتركيا وإسبانيا وبلجيكا والبرازيل ودولاً أخرى بدأت تبتعد تدريجياً عن الولايات المتحدة.
* وهل سيتغير الأمر إذا فاز الديمقراطيون في انتخابات الرئاسة الأمريكية ووصل كيري إلى السلطة في البيت الأبيض؟
سيكون هناك تغير في الأسلوب وليس في المضمون لسببين، الأول أن فشل بوش يعني فشل الولايات المتحدة، وإذا كشف كيري للرأي العام الأمريكي الأسباب الحقيقية للفشل فهذا سيعني إهانة للولايات المتحدة. السبب الثاني أن كيري غير قادر على تحديد سياسة بديلة عن سياسة بوش، وحتى الآن لم يستطع أن يطرح مشروعاً جديداً وحلولاً بديلة عن مشروع الرئيس بوش.
* وكيف تقّّيم واقع العلاقات الفرنسية العربية، لا أقصد العلاقة مع الحكومات العربية فقط، وإنما مع الشعوب أيضاً؟
فرنسا دخلت مرحلة جديدة من التاريخ هي مرحلة ما بعد الاستعمار، وهي تهتم بصورة أكبر بعلاقاتها مع الدول العربية. كذلك الشعب الفرنسي اقتنع بفشل الفترة الاستعمارية وسياسة الاستعمار. وباعتقادي فإن فرنسا خرجت نهائياً من المرحلة الاستعمارية، وهي لا تريد أن تتعامل مع الدول العربية بالمنطق الاستعماري. وهناك أيضا تغير جذري لديها تجاه الصراع الصهيوني العربي والصهيوني الفلسطيني، فقبل عام 1967 كان الرأي العام في فرنسا مؤيداً ل (إسرائيل ) خلال حروبها ضد العرب، ولكن بعد عام 1967 حدث تغير في الرأي العام الفرنسي تجاه الصراع، حالياً هناك تقارب أكثر مع العرب، واستطلاعات الرأي تظهر ذلك.
* أظهر العالم العربي والإسلامي خلال الأسابيع الماضية تعاطفاً قوياً مع فرنسا في موضوع اختطاف الصحفيين الفرنسيين تقديرًا لموقف فرنسا المعارض للحرب على العراق، وصدرت الكثير من الدعوات لإطلاق سراح الصحفيين. هل وصل هذا الموقف بصورة جيدة للشعب الفرنسي، وكيف كان تأثير ذلك برأيكم؟
كان هناك وعي تام من الرأي العام الفرنسي ومن المفكرين والمثقفين والصحفيين بالنسبة للتعاطف من قبل الشعوب العربية والإسلامية وخصوصاً من قبل الطائفة المسلمة في فرنسا، والرأي العام الفرنسي قدّر كل الجهود والتصريحات التي صدرت عن الطائفة المسلمة في فرنسا. والأزمة أظهرت الكثير من التضامن بين الفرنسيين المسلمين والفرنسيين غير المسلمين، وصورة العرب ليست سيئة لدى الفرنسيين، على العكس.
* ألا تعتقد أن قرار الحكومة الفرنسية بحظر الحجاب في المؤسسات الرسمية في فرنسا قرار خاطئ ويضر بصورة فرنسا في العالم العربي وبعلاقاتها مع الشعوب العربية والإسلامية؟
لا يوجد إجماع في الرأي في فرنسا حول قانون حظر الحجاب، وهناك نقاش مستمر حول هذا القانون، والذين يؤيدون القانون يؤيدونه لأسباب مختلفة وليس لسبب واحد. وأنا أؤكد أنه لا يوجد غرب موحد وموقف موحد، على العكس هناك نقاش وآراء ووجهات نظر مختلفة داخل فرنسا وداخل الغرب.
* وماذا عن موقفك الشخصي تجاه قانون حظر الحجاب والرموز الدينية؟
والدي إيراني ووالدتي فرنسية، وأنا أكافح من أجل أن تستطيع الفتاة المسلمة في بلد أمي أن تلبس الحجاب، وفي نفس الوقت أكافح في بلد أبي كي تستطيع الفتاة المسلمة التي لا تريد الحجاب أن يكون لديها الخيار بألا تلبس الحجاب. أنا مع حرية الفرد ومع الحرية الشخصية.
* ألا تعتقد أن قانون حظر الحجاب في فرنسا يتعارض مع الحريات الشخصية للفرد؟
باعتقادي أن الحكومة الفرنسية لم تقصد التضييق على الحرية الشخصية، ولكن من الممكن أن يؤدي القانون إلى ذلك خاصة في التطبيق.
* ولكن ما هي قناعتك الشخصية أنت؟ ألا تعتقد أن القانون يتعارض مع الحرية الشخصية؟
أنا أفضل نموذجاً سياسياً يكون فيه الحق للفتاة المسلمة أن تختار هي أن تتحجب أو لا تتحجب.
* أيدت فرنسا الموقف الأمريكي الأخير ضد سورية داخل مجلس الأمن فيما يتعلق بالوجود السوري في لبنان والضغط على سورية من أجل الخروج من الأراضي اللبنانية، ما سبب هذا التقارب الفرنسي الأمريكي في رأيك؟
برأيي أن هذا الالتقاء بين فرنسا والولايات المتحدة في هذا الموضوع هو التقاء سطحي ولحظي، ولن يترجم إلى تقارب في الملفات الأخرى. والطرفان لا يتفقان على نفس الأهداف والأجندة بالنسبة للقرار الأخير المتعلق بسورية. أنا أعتقد أن فرنسا صوتت لصالح القرار بسبب العلاقات القديمة التقليدية مع بعض الطوائف في لبنان.
* سياسة شارون الحالية في ظل الصمت العالمي على الجرائم المتواصلة التي يرتكبها بحق الشعب الفلسطيني، إلى أين ستقود المنطقة برأيك؟
أنا غير متفائل، وأعتقد أن سياسة الكيان الصهيوني هي العقبة الرئيسة أمام السلام العالمي، واستطلاعات الرأي العام في أوروبا تقول إن السياسة الصهيوينة هي التي تهدد السلام الدولي. والمجتمع الدولي يتعامل بجبن مع الحكومة الصهيونية المتعجرفة، ويسكت عن سياساتها التي تهدد العلاقات الدولية، وفي نفس الوقت هناك نفاق في السياسة الأمريكية تجاه الصراع في المنطقة. وهذه أسباب تدفعني إلى عدم التفاؤل.