مقامة السجين المظلوم
حدثنا مجير الطير وهو من محبي الخير للغير ، انه كان فيه شاعر يدعى بن الذيب وهو شخص اريب ومن كل خير قريب ، فقال ذات مرة قصيدة فيها لبعض الشيوخ تجريح تارة بوضوح وتارة تلميح ، وكان له صديق اسمه فزاعاكرم من الذاريات وأجود من الرياح المرسلات وقد نصحه عن التعرض لأولئك وهؤلاء وتجنب أسباب البلأء
ولكن إذا حم القدر عمي البصر ، وكان له قريب يدعى بن قضعان قال في إحدى قصائده المكديه أنني علمته الشحاذة فسبقني على البيبان . وكان شاعرنا بن الذيب من أصل عريب وكان له أب مشهور وبالكرم مذكور وشاعرنا لايقل عن أبيه في الكرم وفي صيانة الحرم .
والقصيدة المشؤومه أصبحت عند جميع سكان خليج العرب معلومة يحفظها الصغير ويتمثل بها الكبير. ما إن وطأت رجله ثرى تلك الدوله الا ورجال مباحثها حوله فأخذوه أخذا شديد ووضعوا في يديه ورجليه الحديد ثم زجوا به في الحبس وصار مثل بلد لم تغن بالأمس وأوكل عن نفسه محامي يدافع عنه وكأنه يدافع عن حرامي
وتولته قضاة السلاطين الظلمة الملاعين ، فأخذوا يرفعون في قضيته ويضعون ويزيدون وينقصون ويلفون ويدورون وليس فيهم الا فاجر وملعون ،وكان سجينا غير عادي ووضع في حبس انفرادي ، وله قبيلة مشهوره
وبلادها معموره دافعوا عنه بالأشعار وتناقلوا عنه الأخبار ،في آناء الليل وأطراف النهار ودافعوا عنه بالقصيد من بعيد إلى بعيد، وكان كمن أكل فيهم المقلب لأنه ليس هذا المطلب ،
ومن ثم حكمت عليه القضاة المسودة بالسجن المؤبده ، فهذه وقسما بمن أنزل سورة الصافات والعصر مظلمة العصر وقاصمة الظهر ، ومنزل سورة النور ان هذا لهو الفجور ، ولعمري ان هذا لقاضي ملعون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.