الشيوخ مو ابخص!!
استقالة وزير من منصبه الوزاري في الكويت عادة ما تكون لواحد من ثلاثة اسباب, فهو اما ان يكون "دمه ثجيل والشيخ ما يواطنه", او انه وقع ضحية "لعبة" داخل مجلس الوزراء فيتم الايعاز لنواب الحكومة باستجوابه ومن ثم طرح موضوع الثقة به, او ان تكون الاستقالة نتيجة استجواب مستحق بعد ان تكون "ريحة البوق فاحت". ومن هذا المنطلق لابد ان نحيي الدكتور انس الرشيد وزير الاعلام السابق فهو قد استقال قبل توفر ظروف السبب الثاني من اسباب استقالة الوزراء, فهو قد ادرك انه سوف يكون "الضحية" القادمة للعبة استجواب يدبر له برعاية اطراف في الحكومة فاستقال "قبل" ان يتم استجوابه. واذا كانت الاستقالة المبكرة للدكتور انس الرشيد تحسب له فإن ما يحزن حقيقة هو ان يحاول الدكتور انس ان يربط استقالته بمعارضته لفكرة تعديل الدستور وان يتم الترويج الاعلامي لهذا الربط رغم عدم منطقيته, ففي مجلس الوزراء تناقش كل الافكار حتى "العوي" منها ولو ان كل وزير يستقيل لمجرد مناقشة فكرة ما لوجب على كل الوزراء الاستقالة في ظرف اسبوع واحد من تعيينهم! ان الدكتور انس الرشيد حسب رأيي القانوني والسياسي ارتكب اكبر إثم سياسي بحق حرية الصحافة حين سعى لإصدار قانون المطبوعات الجديد وقد عبرت عن رأيي تجاه هذا القانون بل وطالبت الدكتور الرشيد بالاستقالة حينها, ومن يرتكب مثل ذلك الإثم لا يسعه الاحتجاج على مجرد فكرة تطرح للمناقشة... لكننا في الكويت مع الأسف نجيد صنع الابطال من "مخازيهم" والشواهد كثيرة!!
اعتقد ان معالجة واصلاح الاوضاع السياسية في الكويت والحد من نفوذ مؤسسة الفساد والافساد يحتاج الى معارضة من خارج اطر المؤسسات الدستورية, بمعنى انه ليس من المجدي ابدا ان نسعى الى اصلاح الحكومة من "الداخل" فالخراب ينخرها تماما وليس في وسع وزير او اثنين ان يفرضا نهجا اصلاحيا على اجندة الحكومة ولا على اسلوب عملها. كما انه ليس من المجدي ابدا ان تتم "المعارضة" من داخل البرلمان فهو "منقع زرنيخ" تتحكم بقراره قوى الفساد والافساد. ولم يعد امام الشعب الكويتي, ان كنا نريد لنظامنا ان يستمر ولبلدنا ان تنهض, سوى المعارضة من خارج المؤسسات الدستورية. اقول هذا وانا اعلم يقينا ان مثل هذه الدعوة لن تتقبلها الطبقة السياسية الشعبية الموجودة حاليا على الساحة, فهذه الطبقة مستفيدة بشكل او بآخر من استمرار الاوضاع الحالية التي تمكنها من لعب دور "الوسيط" السياسي بمقابل في الغالب.
ان الاشكالية التي تواجه الكويت هي كما اشرت اكثر من مرة تكمن في تعاظم نفوذ الأسرة الحاكمة خارج الاطار الدستوري, فالأسرة لم تزل تسيطر على كافة القرارات في البلاد, وهي من يرسم السياسات العامة وهي من يستفيد من تلك السياسات. اننا مع الاسف نعيش حالة من "التعارض في المصلحة" بين بعض الشخصيات النافذة في الأسرة الحاكمة والاهداف الوطنية... فمن اجل ان تستمر القبضة على القرار الحكومي يتم اسناد المناصب الوزارية الى شخصيات "مضروبة" سياسيا... شخصيات ليس لها تاريخ سياسي... شخصيات بلا فكر... شخصيات يقبل اصحابها بالتبعية... شخصيات انتهت صلاحيتها... شخصيات ليس لديها مواقف مبدأية... في النهاية شخصيات تتعامل مع الشيوخ وفق منطق "انهم الابخص" في كل شيء. ان مثل هذه الشخصيات التي تملك القدرة على ان تنسجم سياسيا ونفسيا مع الشيوخ لا يمكنها ان تخدم اجندة الدولة بقدر ما تخدم في الواقع اجندة الشيوخ. نعم ليس كل الشيوخ بهذا السوء, بل نحن نعلم ان كل ما ننعم به اليوم من حريات سياسية نسبية ومن رغد اقتصادي انما تحقق بفضل شيوخ... كما اننا نعلم يقينا ان "الفئة الضالة" من ابناء الشيوخ هم قلة لكنها قلة تتمتع بنفوذ هائل مع الأسف... كما اننا نعلم ان الامور لو آلت الى غير الشيوخ لتمت استباحة الكويت... لكننا نعلم ايضا ان من بين الشيوخ اليوم من لا يستطيع الحفاظ على وجوده السياسي والاجتماعي والاقتصادي الا عن طريق افساد الناس, ولا يستطيع ان يعمل الا مع "الرويبضات"... كما اننا نعلم ان بعض شيوخ اليوم ليس لديهم الأهلية ولا الكفاءة لتولي المسؤولية العامة فبعضهم بلا فكر وبلا ثقافة وبلا معرفة, لذلك فهم حين يختارون من يعمل معهم يتحققون من فساد ذمته او نقص معرفته او ضعف شخصيته... ان هذه هي المؤهلات المطلوبة للعمل العام في السنوات الاخيرة!!
ان الحالة السياسية في الكويت تستدعى اعتماد منهج المقاطعة السياسية للحكومة اي عدم المشاركة فيها من قبل القوى السياسية والشخصيات الوطنية. واذا كانت الشخصيات الوطنية التي تحظى بالاحترام العام بل التي تحترم ذاتها قد نأت بنفسها عن المشاركة في الحكومات المتعاقبة من بعد مرض الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح, فإن المطلوب الآن ان تبتعد القوى السياسية عن المشاركة. ان الهدف هو وضع اصحاب القرار في حالة من الاحراج السياسي شبيهة بالحالة التي اعقبت انشاء المجلس الوطني قبيل الغزو العراقي... حالة من المقاطعة السياسية التي تجبر اصحاب القرار الى اعادة حساباتهم وتوحد الاجندة... حالة من الاحراج السياسي تدفع الأسرة الحاكمة الى "تطهير" ذاتها من دنس بعض افرادها الذين يسيئون اليها والى الكويت.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو هل اصلاح الاوضاع في الكويت وصيانة مستقبل النظام فيها يحتاج الى افكار ام انه يحتاج الى شيء آخر؟
بالطبع هناك الكثير من الافكار طرحت في هذا الموقع وفي غيره سواء في الصحف او الندوات او الدراسات, وربما تكون فكرة المقاطعة التي اطرحها هنا اليوم ليست ذات معنى مقابل افكار اخرى اكثر ملائمة واكثر فعالية طرحها غيري, لكن القضية ليست قضية افكار اطلاقا, فما تحتاج اليه الكويت اليوم هو استبدال الطبقة السياسية الحالية التي ترهلت بفعل عوامل عديدة والتي باتت غير مؤهلة اطلاقا لاتخاذ قرارات استراتيجية... نعم ان الطبقة السياسية الحالية سواء من "عيال الشيوخ" او القوى السياسية او النواب او الصحافة تحتاج الى تجديد كامل وهو تجديد كنا نأمل ان يتحقق جزئيا بعد تولي سمو الشيخ صباح الامارة لكن مع الاسف لم يتغير شيء وهاهو رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الصباح يحاول جاهدا احداث تغيير لكن الامور ليست تحت سيطرته بعد كرئيس للوزراء ولعل ابلغ دليل على ذلك هو اسلوب مناقشة موضوع الدوائر الانتخابية والقرار الذي اتخذته (الحكومة) باعتماد نظام الدوائر العشر. ان موضوع الدوائر الانتخابية ليس الا مثال على حالة "تبعثر" القرار السياسي و"انعدام الرؤيا الاستراتيجية" في الدولة و"تعدد مراكز النفوذ" و"تضارب الاجندات" و"صبيانية" السلوك... ووضع كهذا "يتسيد" فيه رموز الفساد ماذا يجدي معه؟! نترك الاجابة لكم لكنني اقول ان "الشيوخ ماعادوا هم الابخص"!!
مقالة محمد عبدالقادر الجاسم المحامي