بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رسالة الشيخ إلى أهل القصيم
لما سألوه عن عقيدته: ( 121).
بسم الله الرحمن الرحيم
أشهد الله و من حضرني من الملائكة و أشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة و الجماعة من الإيمان بالله و ملائكته و كتبه ورسله و البعث بعد الموت , و الإيمان بالقدر خيره و شره , و من الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف و لا تعطيل بل أعتقد أن الله سبحانه و تعالى ليس كمثله شئ و هو
( 121 - نشرت هذه الرسالة في القسم الخاص للرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب تصنيف د . محمد بلتاجي . و .د . سيد حجاب و الشيخ عبد العزيز الرومي و هي الرسالة الأولى ص 7 – 13 . نقلاً عن الدرر السنية ج 1 ص 28 – 31 .)
السميع العليم , فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه و لا أحرف الكلم عن مواضعه , و لأا ألحد في أسمائه و آياته و لا أكيف و لا أمثل صفاته تعالى , بصفات خلقه لأنه تعالى لا سمي له و لا كفؤ له , ولا ند له , ولا يقاس بخلقه فإنه سبحانه أعلم بنفسه و بغيره و أصدق قيلاً , و أحسن حديثاً فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف و التمثيل : و عما نفاه عنه النافون من أهل التحريف و التعطيل فقال { سبحن ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين } (الصافات الآيات 180 – 182) الفرقة الناجية وسط باب أفعاله تعالى بين القدرية و الجبرية و هم في باب و عيد الله بين المرجئة و الوعيدية , وهم وسط في باب الإيمان و الدين بين الحرورية و المعتزلة , و بين المرجئة و الجهمية و هم وسط في باب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض و الخوارج .
و أعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ إليه و يعود : و أنه تكلم به حقيقة و أنزله على عبده و رسوله و أمينه على وحيه و سفيره بينه و بين عباده نبينا محمد صلى الله عليه وسلم و أومن بأن الله فعال لما يريد و لا يكون شئ إلا بإرادته و لا يخرج شئ عن مشيئته و ليس شئ في العالم يخرج عن تقديره و لا يصدر إلا عن تدبيره و لا محيد لأحد عن القدر المحدود و لا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور .
و أعتقد الإيمان بكل ما اخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت , فأومن بفتنة القبر و نعيمه و بإعادة الأرواح إلى الأجساد فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلاً تدنو منهم الشمس و تنصب الموازين و توزن بها أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون و تنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه و آخذ كتابه بشماله .
و أومن بحوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعرصة القيامة و ماؤه أشد بياضاً من اللبن و أحلى من العسل , و آنيته عدد نجوم السماء , من شرب منه مرة لم يظمأ بعدها أبداً و أومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم .
و أومن بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم و أنه شافع و أول مشفع و لا ينكر شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أهل البدع و الضلال و لكنها لا تكون إلا من بعد الإذن و الرضى كما قال تعالى { و لا يشفعون إلا لمن ارتضى } (سورة الأنبياء آية 28) و قال تعالى : { و من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } (سورة البقرة آية 255) و قال : { و كم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء و يرضى } (سورة النجم آية 26) و هو لا يرضى إلا التوحيد , ولا يأذن إلا لأهله , و أما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب كما قال تعالى : { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } (سورة المدثر آية 48)
و أومن بأن الجنة و النار مخلوقتان و أنهما موجودتان و أنهما لا يفنيان و أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر في رؤيته .
و أومن بأن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين و المرسلين , و لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته و يشهد بنبوته و أن أفضل أمته أبو بكر الصديق , ثم عمر الفاروق , ثم عثمان ذو النورين , ثم علي المرتضى , ثم بقية العشرة ثم أهل بدر ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان ثم سائر الصحابة رضي الله عنهم . و أتولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم و اذكر محاسنهم و أترضى عنهم و استغفر لهم و أكف عن مساويهم و أسكت عما شجر بينهم و اعتقد فضلهم عملاً بقوله تعالى : { و الذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان و لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم } (سورة الحشر آية 10) و أترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء و اقر بكرامات الأولياء و ما لهم من المكاشفات , إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئاً و لا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله , ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة أو نار إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني أرجو للمحسن و أخاف على المسيء و لا أكفر أحداً من المسلمين بذنب و لا أخرجه من دائرة الإسلام وأرى الجهاد ماضياً مع كل إمام براً كان أو فاجراً و صلاة الجماعة خلفهم جائزة و الجهاد ماض منذ بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر و لا عدل عادل و أرى وجوب السمع و الطاعة لأئمة المسلمين برهم و فاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله و من ولي الخلافة واجتمع عليه الناس و رضوا به و غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت له طاعته و حرم الخروج عليه و أرى هجر أهل البدع و مباينتهم حتى يتوبوا و أحكم عليهم بالدين و أكل سرائرهم إلى الله و أعتقد أن كل محدثة في الإسلام بدعة.
و اعتقد أن الإيمان قول باللسان و عمل يعمل , بالأركان و اعتقاد بالجان , يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية و هو بضع و سبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله , وأدناها إماطة الأذى عن الطريق , و أرى وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة .
فهذه عقيدة وجيزة حررتها و أنا مشتغل البال لتطلعوا على ما عندي و الله على ما نقول وكيل .
ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم و أنه قبلها و صدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم , و الله يعلم أن الرجل افترى على أموراً لم أقلها و لم يأت أكثرها على بالي ( فمنها ) قوله : إني مبطل كتب المذاهب الأربعة و إني أقول أن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شئ و إني أدعي الاجتهاد و إني خارج عن التقليد و إني أقول إن اختلاف العلماء نقمة و إني أكفر من توسل بالصالحين و إني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق و غني لو اقدر على هدم قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهدمتها و لو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها و جعلت لها ميزاباً من خشب و إني أحرم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم و غني أنكر زيارة قبر الوالدين و غيرهما و إني أكفر من حلف بغير الله و إني أكفر ابن الفارض و ابن عربي و إني أحرق دلائل الخيرات و روض الرياحين و أسميه روض الشياطين .
جوابي عن هذه المسائل :
أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم . وقبله من بهت محمداً صلى الله عليه وسلم أنه يسب عيسى بن مريم و يسب الصالحين فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب و قول الزور قال تعالى : { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } (سورة النحل آية 105) بهتوه صلى الله عليه وسلم بأنه يقول إن الملائكة و عيسى و عزيراً في النار فأنزل الله في ذلك { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } (سورة الأنبياء آية 101)
و أما المسائل الأخر و هي أني أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله و أني أعرف من يأتيني بمعناها و أني أكفر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله و أخذ النذر لأجل ذلك و أن الذبح لغير الله كفر و الذبيحة حرام . فهذه المسائل حق و أنا قائل بها ولي عليها دلائل من كلام الله و كلام رسوله و من أقوال العلماء المتبعين كالأئمة الأربعة و إذا سهل الله تعالى بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة إن شاء الله .
ثـم اعملوا و تـدبروا قوله تعالى : { يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة } (سورة الحجرات آية 6)
ثانياً :
قال صاحب كتاب مصباح الظلام بعد اعتراضه على نسب لسليمان بن عبد الوهاب من رد على أخيه هذا و قد من الله وقت تسويد هذا بالوقوف على رسالة لسليمان فيها البشارة برجوعه عن مذهبه الأول و أنه قد اســتبان له التوحيد و الإيمان و ندم على فرط من الضلال و الطغيان و هذا نصها :
بسم الله الرحمن الرحيم
من سليمان بن عبد الوهاب إلى الأخوان : حمد محمد التويجري و أحمد و محمد ابنا عثمان بن شبانه ( ) .
سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ( و بعد ) فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو و أذكركم ما من الله به علينا و عليكم من معرفة دينه و معرفة ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم من عنده و بصرنا به من العمى و أنقذنا من الضلالة و أذكركم بعد أن جيتونا في الدرعية من معرفتكم الحق على وجهه وابتهاجكم به و ثنائكم على الله الذي أنقذكم و هذا دأبكم في سائر مجالسكم عندنا و كل من جاءنا بحمد الله يثني عليكم . و الحمد لله على ذلك . وكتبت لكم بعد ذلك كتابين غير هذا أذكركم و أحضكم و لكن يا إخواني معلومكم ما جرى منا من مخالفة الحق و اتباعنا سبل الشيطان و مجاهدتنا في الصد عن اتباع سبل الهدى .
و الآن معلومكم لم يبق من أعمارنا إلا اليسير و الأيام معدودة و الأنفاس محسوبة و المأمول منا أن نقوم لله و نفعل مع الهدى أكثر مما فعلنا مع الضلال و أن يكون ذلك لله وحده لا شريك له لا لما سواه لعل الله يمحو عنا سيئات ما مضى و سيئات ما بقى .
و معلومكم عظم الجهاد في سبيل الله و ما يكفر من الذنوب و أن الجهاد باليد و اللسان و القلب و المال و تفهمون أجر من هدى الله به رجلاً واحداً .
( 122 - انظر مصباح الظلام للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ص 104 - 108.)
و المطلوب منكم أكثر مما تفعلون الآن , و أن تقوموا لله قيام صدق و أن تبينوا للناس الحق على وجهه و أن تصرحوا لهم تصريحاً بينما بما كنتم عليه أولاً من الغي و الضلال . فيا إخواني الله الله . فالأمر أعظم من ذلك فلو خرجنا نجأر إلى الله في الفلوات و عدنا الناس من السفهاء و المجانين في ذلك لما كان ذلك بكثير منا .
و أنتم رؤساء الدين و الدنيا في مكانكم أعز من الشيخ و العوام كلهم تبع لكم . فاحمدوا الله على ذلك و لا تعتلوا بشيء من الموانع .
و تعلمون أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لابد أن يرى ما يكره و لكن أرشدكم في ذلك إلى الصبر كما حكى عن العبد الصالح لقمان في وصيته لابنه فلا أحق من أن تحبوا لله و تبغضوا لله و توالوا لله و تعادوا لله .
و ترى يعرض في هذا أمور شيطانية : و هي أن من الناس من ينتسب لهذا الدين و ربما يلقى الشيطان لكم أن هذا ما هو بصادق , و أن له ملحظ دنيوي و هذا أمر ما يطلع عليه إلا الله فإذا أظهر أحد الخير فاقبلوا منه ووالوه فإذا ظهر من أحد شر و إدبار عن الدين فعادوه و اكرهوه و لو أحب حبيب .
و جامع الأمر في هذا : أن الله خلقنا لعبادته وحده لا شريك له ومن رحمته بعث لنا يأمرنا بما خلقنا له و بين لنا طريقه و أعظم ما نهانا عنه الشرك بالله و عداوة أهله و أمرنا بتبيين الحق و تبيين الباطل فمن التزم ما جاء به الرسول فهو أخوك و لو أبغض بغيض . ومن نكب عن الصراط المستقيم فهو عدوك و لو ولدك أو أخوك .
و هذا شئ أذكركموه مع أني بحمد الله أعلم أنكم تعلمون ما ذكرت لكم ومع هذا فلا عذر لكم عن التبيين الكامل الذي لم يبق معه لبس و أن تذاكروا دائماً في مجالسكم ما جرى منا و منكم أولاً و أن تقوموا مع الحق أكثر من قيامكم مع الباطل فلا أحق من ذلك و لا لكم عذر لأن اليوم الدين و الدنيا و لله الحمد مجتمعه في ذلك فتذاكروا ما كنتم فيه أولاً في أمور الدنيا من الخوف و الأذى و اعتلاء الظلمة و الفسقة عليكم . ثم رفع الله ذلك كله بالدين و جعلكم السادة و القادة و ذلك من آثار من دعوة شيخ الإسلام و علم الهداة الأعلام .
ثم أيضاً مت من الله به عليكم من الدين انظروا إلى مسألة واحدة مما نحن فيه من الجهالة قبل انتشار الدعوة الإسلامية كون البدو تجري عليهم أحكام الإسلام مع معرفتنا أن الصحابة قاتلوا أهل الردة و أكثرهم متكلمون بالإسلام ومنهم من أتى بأركانه و مع معرفتنا أنه كذب بحرف من القرآن كفر و لو كان عابداً و أن من استهزأ بالدين أو بشئ منه فهو كافر و أن من جحد حكماً مجمعاً عليه فهو كافر إلى غير ذلك من الأحكام المكفرات و هذا كله مجتمع في البدو و أزيد و نجري عليهم أحكام الإسلام اتباعاً لتقليد من قبلنا بلا برهان .
فيا إخواني تأملوا و تذكروا في هذا الأصل يدلكم على ما هو أكثر من ذلك و أنا أكثرت عليكم الكلام لوثوقي بكم إنكم ما تشكون في شئ فيما تحاذرون و نصيحتي لكم و لنفسي و العمدة في هذا أن يصير دأبكم في الليل والنهار و أن تجأروا إلى الله تعالى و أن يعيذكم من شرور أنفسكم و سيئات أعمالكم و أن يهديكم على الصراط المستقيم الذي عليه رسله و أنبياؤه و عباده و الصالحون و أن يعيذكم من مضلات الفتن فالحق وضح و أبلولج و ماذا بعد الحق إلا الضلال .
فالله الله ترى الناس الذين في جهاتكم تبع لكم في الخير و الشر فإن فعلتم ما ذكرت لكم ما قدر حد من الناس يرميكم بشر و صرتم كالأعلام هداية للحيران فإن الله سبحانه و تعالى هو المسؤول أن يهدينا و إياكم سبل السلام .
و الشيخ و عياله و عيالنا طيبين و لله الحمد و يسلمون عليكم و سلموا لنا على من يعز عليكم و السلام . و صلي الله على محمد ة آله و صحبه و سلم . اللهم اغفر لكاتبها و لوالديه و لذريته و لمن نظر فيه فدعا له بالمغفرة و للمسلمين و للمسلمات أجمعين .
ثم ذكر أنهم أجابوه برسالة ينبغي أن تذكر لما فيها من جواب حسن ثم ذكرها بعد ذلك .
ثالثاً :
و لعل مما يفيد في الموضوع إيراد رسالة كتبها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قبل وفاته لأهالي المغرب يوضح فيها ما يدعو إليه من إخلاص العبادة لله و تنقية التوحيد .... مما يفيد أن الجذور الحسنة و القناعة مهدت للاتفاق بين رأي الإمام إبراهيم بعد المناظرة بين علماء المغرب بزعامة المولى إبراهيم و بين علماء نجد برئاسة الإمام سعود بن عبد العزيز في مكة المكرمة عام 1226 هـ و حصول القناعة بسلامة ما يدعا إليه و نفي الشبهات عن الشيخ محمد مما يتبرأ منه هو و العلماء بمكة و هذا نصها : -
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نتوب إليه و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مصل له ومن يضلل فلا هادي له و اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله من يطع الله و رسوله فقد رشد ومن يعص الله و رسوله فقد غوى و لن يضر إلا نفسه و لن يضر الله شيئاً و صلي الله على محمد و آله و صحبه و سلم تسليماً كثيراً أما بعد .
فقد قال الله تعالى { قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني و سبحان الله و ما أنا من المشركين } (سورة يوسف آية 108)
و قال تعالى { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم } (سورة آل عمران آية 31)
و قال تعالى { و ما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } (سورة الحشر آية 7)
و قال تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام ديناً } (سورة المائدة آية 3)
فأخبر سبحانه أنه أكمل الدين و أتمه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم و امرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا و ترك البدع و التفرق و الاختلاف فقال تعالى : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم و لا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون } (سورة الأعراف آية 3)
و قال تعالى { و أن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } (سورة الأنعام آية 153)
و الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن أمته تأخذ مآخذ القرون قبلها شبراً بشبر و ذراعاً بذراع و ثبت في الصحيحين و غيرهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " قالوا يا رسول الله اليهود و النصارى ؟ قال : فمن ؟ و أخبر في الحديث الآخر أن أمته ستفترق على ثلاث و سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا من هي يا رسول الله ؟ قال : من كان على مثل ما أنا عليه اليوم و أصحابي .
إذا عرف هذا فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الإشراك بالله و التوجه إلى الموتى و سؤالهم النصر على الأعداء و قضاء الحاجات و تفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض و السماء و كذلك التقرب إليهم بالنذور و ذبح القربان و الاستغاثة بهم في كشف الشدائد و جلب الفوائد إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله .
و صرف شئ من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك و لا يقبل من العمل إلا ما كان خاصاً كما قال تعالى : { فأعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخالص و الذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من كاذب كفار } (سورة الزمر آية 2 , 3)
فاخبر سبحانه أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصاً لوجهه و أخبر أن المشركين يدعون الملائكة و الأنبياء و الصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى و يشفعوا لهم عنده و أخبر أنه لا يهدي من كاذب كفار فكذبهم في هذه الدعوى و كفرهم فقال : ( إن الله لا يهدي من كاذب كفار )
و قال تعالى : { و يعبدون من دون الله ما لا يضرهم و لا ينفعهم و يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ق أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات و لا في الأرض سبحانه و تعالى عما يشركون } (سورة يونس آية 18)
فأخبر أن من جعل بينه و بين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم و أشرك بهم وذلك أن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى : { قل لله الشفاعة جميعاً } (سورة الزمر آية 44)
فلا يشفع أحد إلا بإذنه كما قال تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } (سورة البقرة آية 255)
و قال تعالى : { يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن و رضي له قولاً } (سورة طه آية 109)
و هو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى : { و لا يشفعون إلا من ارتضى } (سورة الأنبياء آية 28)
و قال تعالى : { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات و لا في الأرض و ما لهم فيها من شرك و ما له منهم من ظهير و لا تنفع الشفاعة عنده غلا لمن ارتضى } (سورة سبأ آية 22 , 23)
فالشفاعة حق و لا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى : { و أن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً } (سورة الجن آية 18)
و قال : { و لا تدع من دون الله ما لا ينفعك و لا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين } (سورة يونس آية 106)
فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو سيد الشفعاء و صاحب المقام المحمود و آدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله و صفوة الخلق محمد صلى الله عليه وسلم لا يشفع ابتداء بل : " يأتي فيخر ساجداً فيحمده بمحامد يعلمه إياها ثم يقال ارفع رأسك , و قل يسمع و سل تعط و اشفع تشفع ثم يحد له حداً فيدخلهم الجنة " فكيف بغيره من الأنبياء و الأولياء .
و هذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين قد اجمع عليه السلف الصالح من الصحابة و التابعين و الأئمة الأربعة و غيرهم ممن سلك سبيلهم و درج على منهجهم .
و أما ما صدر من سؤال الأنبياء و الأولياء بعد موتهم و تعظيم قبورهم ببناء القباب عليها و السرج و الصلاة عندها و اتخاذها أعياداً و جعل السدنة و النذور لها فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي صلى الله عليه وسلم و حذر منها كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان " و هو صلى الله عليه وسلم حمى جناب التوحيد أعظم حماية و سد كل طرق يوصل إلى الشرك فنهى أن يجصص القبر و أن يبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر , و ثبت فيه أيضاً أنه بعث على بن أبي طالب رضي الله عنه و أمره أن لا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه و لا تمثالاً إلا طمسه و لهذا قال غير واحد من العلماء يجب هدم القبب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم .
فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا و بين الناس حتى آل بهم الأمر إلى أن كفرونا و قاتلونا و استحلوا دماءنا و أموالنا حتى نصرنا الله عليهم و ظفرنا بهم و هو الذي ندعوا الناس إليه و نقاتلهم عليه بعد ما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله و سنة رسوله و إجماع السلف الصالح من الأئمة ممثلين لقوله سبحانه و تعالى : { و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة و يكون الدين كله لله } (سورة الأنفال آية 39)
فمن لم يجب الدعوة بالحجة و البيان قاتلناه بالسلف و السنان كما قال : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط و أنزلنا الحديد فيه بأس شديد و منافع للناس و ليعلم الله من ينصره و رسله بالغيب إن الله قوي عزيز } (سورة الحديد آية 25)
و ندعوا الناس إلى إقام الصلاة في الجماعات على الوجه المشروع و إيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان و حج بيت الله الحرام و نأمر بالمعروف و ننهى عن المنكر كما قال : { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و ءاتوا الزكاة و أمروا بالمعرف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة الأمور } (سورة الحج آية 41)
فهذا الذي نعتقد و ندين لله به فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم له ما لنا و عليه ما علينا .
و نعتقد أيضاً أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم المتبعين لسنته لا تجتمع على ضلالة و أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم و لا من خالفهم حتى يأتي أمر الله و هم على ذلك و صلي الله على محمد (123 )
( - اسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب : المجموع ج 8 ص 110 – 115 الرسائل الشخصية و انظر أيضاً الدار السنية. )
يتبع
تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية 13 والأخيره
رابعاً : دور الملك عبد العزيز في تصحيح الخطأ: