السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
وكان من ظلم ابرهة ان بعث الى ابي مرة يوسف بن ذي يزن وكان من اشراف اليمن فنزع منه امراته ريـحـانـة بـنـت ذي جـدن , وكانت ذات جمال وقـد ولدت لابي مرة معديكرب , فولدت لابرهة : مسروق بن ابرهة وهرب ابو مرة سيف بن ذي يزن.
فروى الطبري عن ال***ي : ان ابا مرة سيف بن ذي يزن خرج من اليمن فلحق بعمرو بـن المنذر من مـلـوك بني المنذر بالحيرة , فساله ان يكتب له الى كسرى كتابا يعلمه فيه بقدره وشرفه وما فزع اليه فيه فقال عمرو :لاتعجل , فان لي عليه في كل سنة وفادة , وهذا وقتها.
فاقام قبله حتى وفد عليه معه , فدخل عمرو بن المنذر على كسرى فذكر له شرف ذي يزن وحاله , واسـتاذن له فاذن له كسرى فدخل ,فاوسع عمرو له فلما راى كسرى ذلك عرف شرفه وقد كان ابـن ذي يزن قال قصيدة بالحميرية في مدح كسرى , فلما ترجمت له اعجب بها , فاقبل عليه ولطف بـه وساله : ما الامر الذي نزع بك ؟ قال : ايها الملك امـورا شـنـيعة اجل الملك عن ذكرها , فلوان الملك تناولنا بنصره من غير ان نستنصره لكان بذلك حـقـيـقـا لـفـضله وكرمه وتقدمه على سائر الملوك , فكيف وقد نزعنا اليه مؤملين له , راجين ان يـقصم اللّه عدونا وينصرنا عليهم وينتقم لنا به منهم ويـوجـه مـعـي جـيشا ينفون هذا العدو عن بلادنا فيزدادهاالى ملكه فعل , فانها من اخصب البلدان واكثرها خيرا , وليست كما يلي الملك من بلاد العرب .
فـقال انوشيروان : قد علمت ان بلادكم كما وصفت , فاى السودان غلبواعليها : الحبشة ام السند ؟ قال ابن ذي يزن : بل الحبشة .
قـال انـوشيروان : اني لاحب ان اصدق ظنك وان تنصرف بحاجتك ,ولكن مسلك الجيش الى بلادك مسلك صعب اكره ان اغرر جندي به ,وسانظر فيما سالت .
فلم يزل مقيما عنده حتى هلك .
ونـشا معديكرب بن ذي يزن مع امه ريحانة في حجر ابرهة , واخبرته امه ان اباه هو سيف بن ذي يـزن , واقـتـصـت عليه خبره , فلبث حتى مات الاشرم ومات ابنه يكسوم , وتملك اخوه مسروق , فـخـرج ابـن ذي يزن الى ملك الروم , ولم يذهب الى كسرى لابطائه عن ابيه , ولكنه وجد قيصر اوهرقل لموافقته للحبشة في دينهم يحامي عنهم , فانكفا راجعا الى كسرى ,فاعترضه يوما ـ وقد ركب ـ فصاح به : ايها الملك ان لي عندك ميراثا : انا ابن الشيخ اليماني ذي يزن الذي وعـدته ان تنصره فمات بحضرتك , فتلك العدة حق لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه فقال له : اقم حتى انظر في امرك .
ثـم ان كـسـرى اسـتشار وزراه في توجيه الجند معه , فقال المؤبدان ان لهذا الغلام حقا بوعدك لابيه وموته ببابك وفزع هذا اليك وفي سجون الملك رجال ذووا نجدة وباس , فلو ان الملك وجـهـهـم معه , فان اصابواظفراكان له , وان هلكوا كان قد استراح واراح اهل مملكته منهم , ولم يكن ذلك ببعيد عن الصواب .
قـال كسرى : هذا الراي وامر بمن كان في السجون من هذا الضرب ان يحصوهم , فاحصوا فبلغوا ثمانمائة نفر , فقود عليهم قائدا من اساورته يقال له : وهرز ـ او بهروز ـ كانوا يعدلونه بالف استوار , وقواهم وجهزهم وامربحملهم في ثماني سفن في كل سفينة مائة رجل .
فركبوا البحر فغرقت من السفن الثمانية سفينتان , وسلمت ست سفن ,وخرجوا بساحل حضرموت , فنزل وهرز على سيف البحر فجعل البحر وراظهره ولحق بمعديكرب بن سيف بشر كثير.
وسـار الـيهم مسروق في مائة الف من الحبشة وحمير والاعراب فلما نظرمسروق الى قلة من مع وهرز ارسل اليه : ماجا بك وليس معك الا من ارى , ومعي من ترى ؟ قد غررت بنفسك واصحابك , فـان احببت اذنت لك فرجعت الى بلادك , وان احببت اجلتك حتى تشاور اصحابك وتنظر في امرك , وان احببت ناجزتك الساعة .
وراى وهـرز انـه لاطاقـة له بهم , فارسل الى مسروق : بل تضرب بيني وبينك اجلا , وتعطيني موثقا وعهدا الا يقاتل بعضنا بعضا حتى ينقضي الاجل ونرى راينا ففعل مسروق ذلك .
واقام كل واحد منهما في عسكره حتى مضت عشرة ايام , وكان مع وهرز ابنه , فخرج ذات يوم على فـرس له حمله الى عسكرهم فقتلوه فلما لم يبق من الاجل الا يوم واحد امر بالسفن التي كانوا فيها فاحرقت , وامر بماكان معهم من فضل كسوة فاحرق ولم يدع منه الا ما كان على اجسادهم , ثم امر بفضل الزاد فالقى في البحر , ثم قام فيهم خطيبا فقال : اما ما حرقت من سفنكم فاني اردت ان تعلموا ا نـه لا سـبـيل الى بلادكم ابدا , واما ماحرقت من ثيابكم فانه كان يغيظني ان ظفرت بكم الحبش ان يـصـير ذلك اليهم , واما ماالقيت من زادكم في البحر فا ني كرهت ان يطمع احد منكم ان يكون معه زاديـعـيـش به يوما واحدا بعد اليوم , فان كنتم قوما تقاتلون معي وتصبرون فاعلموني ذلك فقالوا : نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا او نظفر فلما كان صبح اليوم الذي انقضى فيه الاجل عبا اصحابه واقبل عليهم يحضهم على الصبر وامرهم ان يـوتـروا ويـعـدوا قسيهم , ولم يكن لليمنيين نشاب قبل ذلك اليوم , فقال لاصحابه : اذا امرتكم ان ترموا فارموهم رشقابالپنجكان.
واقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه طويلا يمينا ويسارا , وهوعلى فيل وعلى راسـه تاج وبين عـيـنيه ياقوتة حمرا مثل البيضة ثم نزل من الفيل فركب فرسا , فاخرج وهرز نشابة فوضعها في كـبـد قـوسـه وقـال لـهم :ارموا , فرموا , ورمى مسروقا في جبهته فسقط عن دابته , وقتل من ذلـك الرشق الواحد جماعة كثيرة من جيش الاحباش , ولما راوا صاحبهم مسروقاصريعاانفضوا , حـتـى كـان الاستوار ياخذ من الحبشة ومن حمير والاعراب الخمسين والستين فيسوقهم مكتفين لايـمـتـنـعـون مـنه , ولكن وهرز قال لهم :اقصدوا قصد السودان فلا تبقوا منهم احدا اما حمير والاعراب فكفوا عنهم ,فقتل اكثر الحبشة , وغنم الفرس من عسكرهم مالا يعد ولايحصى كثرة .
واقبل وهرز حتى دخل صنعا وفرق عماله في مخاليف اليمن فغلب على البلاد وكان ذلك سنة 575 مقال المسعودي : فتوج وهرز : معديكرب بن سيف بتاج كان معه والبسه بدنة وقفازات من الفضة ورتبه في ملكه على اليمن وكتب بالفتح الى انوشيروان .
واتـت معديكرب الوفود تهنئه بعود الملك اليه , من اشراف العرب وزعمائها , وفيهم : عبد المطلب بـن هاشم , وامية بن عبد شمس , وخويلد بن اسد , وابو الصلت الثقفي , فدخلوا اليه وهو في اعلى قصره بمدينة صنعا ,المعروف بغمدان وعلى يمينه ويساره ابنا المقاول والملوك .
فتقدم عبد المطلب بن هشام فتمدحه , فرحب بهم معديكرب بن سيف .
واقام معديكرب ملكا على اليمن , واصطنع عبيدا من الحبشة يمشون بين يديه بالحراب , فركب في بـعـض الايـام مـن بـاب قـصره المعروف بغمدان بمدينة صنعا , فلما صار الى رحبتها عطفت عليه الـحـراب مـن الحبشة فقتلوه بحرابهم وكان ملكه اربع سنين , وهو آخر ملوك اليمن من قحطان , فعددملوكهم سبعة وثلاثون ملكا.
ولما قتلت الحبشة معديكرب في الرحبة بحرابهم , كان بصنعا خليفة لوهرز في جماعة من العجم , مـمـن كـان ضـمهم وهرز الى معديكرب , فركب واتى على من كان هنالك من الحبشة وضبط البلد وكـتـب بـذلك الى وهرزوهو بباب انوشيروان الملك وذلك بمدائن طيسفون من ارض الـعراق ,فاعلم وهرز الملك بذلـك , فسيره في البر في اربعة آلاف من الاساورة وامره ان لايبقي عـلـى احـد مـن بـقايا الحبشة ولا على جعد قطط الشعر شرك السودان في نسبه فاتى وهـرز اليمن حتى نزل في صنعا فلم يترك بهااحـدامن السودان الا قتلهم وملك انوشيروان وهرز على اليمن الى ان هلك بصنعا.
وعـن الـكـلـبي : ا نه لما بلغ انوشيروان موت وهرز بعث الى اليمن استوارايدعى ((وين )) وكان جـبارا مسرفا , وكان ذلك في آخر ملك انوشيروان , فلما مات انوشيروان وخلفه ابنه هرمز عزل ((ويـن )) واسـتـعمل مكانه المروزان , فلما ملك ابن هرمز : خسرو پرويز كتب الى المروزان : ان استخلف من شئت واقبل الي , فاستخلف المروزان ابنه خور خسرو على اليمن وسار فـمـات في الطريق وحمل الى خسرو پرويز , ثم بلغ خسرو پرويز ان خورخسرو يتادب بداب العرب ويروي اشعارهم فعزله وول ى بمكانه بادان ,وهو آخر من قدم من ولاة العجم .
وذكـر الـمـسعودي مساحة اليمن وحدوده فقال : وبلد اليمن طويل عريض , حده مما يلي مكة الى الـمـوضع المعروف بطلحة الملك سبع مراحل ـ والمرحلة من خمسة فراسخ الى ستة ـ ومن صنعا الى عدن تسع مراحل ,ومن وادي وحا الى ما بين مفاوز حضرموت وعمان عشرون مرحلة ,والوجه الاخر هو بحر اليمن وهو بحر الهند والصين والقلزم , وجميع ذلك يكون : عشرين مرحلة في ست عشرة مرحلة .
وذكـر الـيـعـقـوبـى سـواحل اليمن وهي : عدن ساحل صنعا , والمندب ,وغلافقة , والحردة , والـشـرجـة , وعـثـر , والحمضة , والسرين , وحدة (اوالحديدة ) وقال : وتسمى كور اليمن : الـمـخـاليف , وهي : اربعة وثمانون مخلافا ثم اتى باسمائها وقال : هذه بلدان مملكة اليمن وبلادها وكـان ملوك اليمن في صدر عهدهم يدينون بعبادة الاصنام , ثم ان احبارا من اليهود صاروا اليهم (مع تبع تبان اسعد) فعلموهم دين اليهودية فدانوا بدين اليهود وتلوا التوراة ولم يكونوا يتجاوزون اليمن الا ا نهم ربما اغاروا على بعض البلدان فيرجعون الى بلادهم ودار ملكهم.
مع التحية والتقدير
AgMi.cOm