رسول من يجيب المضطر إذا دعاه
رحلة نرحل بها إلى بلاد الشام. بلاد الشام التي كانت عاصمة الدنيا في يوم من الأيام. عاصمة السياسة، والعلم، والدين، والفن، والأدب، والعمارة. عاصمة الخلافة التي حكمت ثلث المعمورة، فنشرت الدين في الشرق والغرب.
والشام كغيرها من البلاد، فيها الصالح وفيها الطالح. فيها العابد وفيها اللاهي. فيها الشريف وفيها الوضيع. فيها الأمين وفيها اللص. فكان في المدينة عباد ترى نور الإيمان في وجوههم، وفي الجبال قطاع طرق ولصوص.
خرج أحد الصالحين ذات يوم. خرج متوكلا على الله في رحلته، متأملا خلقه وحكمته في كونه، داعيا ربه أن ييسر له طريقه. وبينما هو يمشي إذ خرج عليه لصٌّ في إحدى الطرق. وأخرج اللص سلاحه ليقتل هذا الرجل الصالح.
فطلب الرجل مهلة ليصلي ركعتين. وهذا دأب من يحب الله. إنه لا ينسى الله لا في الرخاء ولا في الشدة. ويحب أن يلقاه بالعمل الصالح حتى في آخر لحظات حياته. فوافق اللص، فلن يضره أن يأخّر قلته عدة دقائق.
فقام الرجل وافتتح الصلاة، وتذكر قول الله تعالى: ((أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ))، فرددها ثلاثا: ((أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ))، ((أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ))، ((أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ)).
إنه الله. إن الله أكرم من أن يرد المضطر إذا دعاه. إنه من يسر عندما يلجأ عبده إليه، في حين يضيق ابن آدم بذلك. إنه الله الأرحم بالعبد من الأم بوليدها.
إنه الله القائل: ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)). إنه المنزل في كتابه الكريم: ((وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ)). إنه الآمر عباده: ((وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)). إنه سبحانه القائل: ((ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً)). إنه الله صاحب الأسماء الحسنى: ((وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)). إنه الله منزل هذا الدين: ((فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)). إنه الله ربنا وربكم ورب آبائنا الأولين: ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)). إنه الله رب العالمين: ((هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)).
وهل بعد هذه الوعود أي شك في الوفاء؟! بالطبع لا. وقد وفى الله بها. فنزل مَلَك من السماء بحربة فقتل المجرم، وقال: أنا رسول من يجيب المضطر إذا دعاه.
فسبحان الله. سبحان من يفرّج عن عبده حين تضيق به السبل. سبحان الله الذي استجاب لعبد وحيد ضعيف مضطر في الطريق رفع يديه سائلا من الله النصر والعون.
إنه معنى نغفل عنه كثيرا في حياتنا. إن كل شيء بيد الله الذي لا يعجزه شيء. ودعاء الله مفتاح لخير كثير، ونصر قريب، وفرج من بعد عسر، وعافية من بعد ابتلاء، ودوام فضل وعافية.
مضى الرجل في طريقه. سالما آمنا، متوكلا على مولاه الذي نجاه، بعد أن أوشك أن يكون هذا اليوم هو آخر يوم في حياته.