لاشـــك ان الموعـــظة تــــروض القلـــــب
كـما يــــروض الفـــارس الماهـــر الحصــــان الجمــــوح
إن الموعظة إحياء للقلب، وكبح لجموح النفس، وإسرافها، وبعدها عن ربها، وغفلتها عن ذكره، والقلب الجامد الذي لا يتأثر بالموعظة كالصخرة الصماء، ولهذا كان النبي صَلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع". كما أن العين المجدبة التي لا تبكي من خشية الله لا نور فيها، قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله".
تأمل تربية النبي صَلى الله عليه وسلم رَضي الله عنهم، وسوف ترى أن النبي صَلى الله عليه وسلم بمواعظه استطاع أن يُطهرهم من حظوظ النفس وأهوائها، ويُليِّن قلوبهم، ويجعلها تتعلق بالآخرة، ومن أبلغ الأمثلة على ذلك ما رواه أنس بن مالك رَضي الله عنه: " أَنَّ أُنَاسَاً قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ صَلى اللهُ عليهِ وَسَلَّم حِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَىَ رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُعْطِي رِجَالاً مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنَ الإِبِلِ. فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللّهِ، يُعْطِي قُرَيْشاً وَيَتْرُكُنَا وَسُيْوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ؟
سبحان الله! موقف عجيب استثار بعض الأنصار رَضي الله عنهم، وكاد يذهب ببعضهم مذهبًا بعيدًا؛ لكن انظر إلى موعظة النبي صَلى الله عليه وسلم لهم، وكيف أنه هذّب نفوسهم، وطهرها من علائق الدنيا.. مواعظ يسيرات؛ لكنها تجاوزت الآذان لتستقر في القلوب!
قال أنس رَضي الله عنه: فَحُدِّثُ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ قَوْلِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءهُمْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: "مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُم؟" فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الأَنْصَارِ: أَمَّا ذَوُو رَأْيِنَا، يَا رَسُولَ اللهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئاً، وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ، قَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِهِ، يُعْطِي قُرَيْشاً وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالاً حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ، أَفَلاَ تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ، وَتَرْجِعُونَ إِلَىَ رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللّهِ؟ فَوَاللهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ". فَقَالُوا: بَلَىَ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ رَضِينَا. قَالَ: "فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أُثْرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّىَ تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنِّي عَلَىَ الْحَوْضِ".