السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اخواني البارح قريت في جريده الرياض مقال ناصر الحجيلان وفيه اتهامات شنيعه لاهل الباديه ووصفهم باشنع الالفاظ وسانقل لكم هذا المقال:
ايقاع الحرف
الصراع بين معطيات التقنية وتقاليد الصحراء
ناصر الحجيلان
؟ عندما انتقل أغلب سكان الجزيرة العربية من البداوة إلى المدينة ظلوا في اضطراب للعيش مع الحياة الجديدة، وإذا كان أغلب سكان الجزيرة العربية لم ينتقلوا إلى المدن بشكل مكثف إلا في السبعينيات؛ فإن كثيراً من مظاهر الارتباط بالصحراء لا تزال باقية في سلوك الناس ووعيهم.
لهذا فإن دراسة المجتمع تكشف عن وجود نسق كامن يسيطر عليهم، ويجعلهم مرتبطين بعادات البيئة أكثر من استجابتهم للحداثة وللمدنية. فهم يستخدمون التقنية الحديثة من كمبيوتر واتصالات وانترنت وجوال وأقمار صناعية؛ ولكنهم يتعاملون معها على أنها مجرد أداة تخدم الثقافة التقليدية. فالجوال مثلاً يستخدم لعرض ثقافة النكتة العنصرية ضد المرأة أو ضد بعض فئات المجتمع؛ والإنترنت قد يستخدم لنشر التعصب القبلي أو العنصري أو نشر الشائعات والدسائس. وإذا كانت هذه المظاهر السلوكية ليست مقصورة على مجتمع معين، فإنه يمكن عرض أمثلة أخرى تكاد تكون أكثر بروزاً في هذا المجتمع أكثر من سواه، وهي أمثلة مستقاة من المجتمع ومن التفاعل معه.
فهناك تناقض واضح بين القيم المثالية التي تحظى بالتنظير والدعاية الدينية والإعلامية والتعليمية، وبين الممارسة الفعلية للسلوك. وهو تناقض يكشف مستوى الصراع بين الحضارة والبداوة، أو بين ثقافة الصحراء وثقافة المدينة. فمثلاً، نجد عدداً من الخليجيين الأثرياء يركب أحدهم سيارة فخمة جداً من الخارج ولكنها غير مرتبة من الداخل، فتجدها مليئة بالأوراق المتناثرة والفواتير والتراب. وكأنها تعبير دقيق للمثل الشعبي القائل: "من برّا الله الله، ومن جوّا يعلم الله"، وكذلك تجده ينفق آلاف الدولارات لشراء سيارة فخمة قيمتها غالية ولكنه يماطل في دفع راتب السائق.
الأمر لا يقتصر على الشراء والبيع، بل إن ذلك يشمل مختلف التعاملات التي لها علاقة بالمال، ومن ذلك مثلاً تجد البعض عندما يذهب إلى المرقص ينفق الآلاف بدون حساب، بل وربما يرمي المال هنا وهناك؛ ولكنه حينما يركب تكسي الأجرة يجادل في الأجرة ويمضي وقتاً طويلاً في مفاوضة السائق على مبلغ زهيد. كما تجد أحدهم يحرص على حضور الولائم والدعوات لأنه يحصل على أكل مجاني، ومع هذا فإنه ينفق في سفره في الصيف إلى الدول الأوروبية أغلب ما جمعه خلال عام.
هناك تناقض يمكن ملاحظته حول ارتباك الناس في الانتماء للصحراء أو للمدينة، للماضي أو للحاضر. فمثلاً تجد بعضهم يسكن في فيلا تشبه القصر في الفخامة والنظافة، ومع هذا فإنه يضع خيمة بسيطة يقضي فيها أغلب وقته وكأنها هي سكنه الأصلي. هذا السلوك يتضمن رغبة في الإمساك بطرفين متناقضين وجمعهما مع بعض؛ وكأن الفيلا هي للوجاهة الاجتماعية أمام الناس التي تبقى مجرد نظرية في الذهن؛ في حين أن الخيمة هي التي يرتاح لها الشخص ويمضي أغلب وقته فيها لأنها أكثر انسجاماً مع شخصيته التي لا تحب التقيد بالقيود والالتزام بحدود سور الفيلا التي تحاصره.
وهذه الرغبة في التخلص من القيود تكون أكثر وضوحاً عند مراقبة تعامل الناس مع إشارات المرور؛ فهم يتضايقون من الوقوف أمام الإشارة الحمراء لأنها تهدد حريتهم في التحرك كيفما شاؤوا كما هو الحال مع ركوب الجمال في الصحراء. وينزعجون من الوقوف في الطوابير أمام البنوك أو عيادة الطبيب مثلاً لأن الطابور يجبرهم على الانتظام ومراعاة حق الغير؛ ولكن ثقافة الصحراء تؤكد على ازدراء القيود من جهة، ومن جهة أخرى تعزز من مبدأ أخذ الحق بالقوة كما يقول الشاعر العربي: "لنا الصدر بين العالمين أو القبر" ويقول مفتخراً: "ونشرب إن وردنا الماء صفواً؛ ويشرب غيرنا كدراً وطيناً".
يلاحظ أن التناقض كذلك في التعامل مع المرأة. فعلى سبيل المثال، حينما يسافر الرجل إلى الدول الغربية، فإنه يلبس ملابس غريبة وخفيفة ولكنه يجبر زوجته على ارتداء ملابس تقليدية تغطيها بالكامل. وفي نفس الوقت حينما يقابل مضيفة أو سيدة أو موظفة استقبال فإنه يسمح لنفسه بالضحك معها ومغازلتها، في حين لا يسمح لزوجته أن تطلب "بيتزا" بالهاتف خشية عليها ان تقع في غرام من يرد على التلفون.
هناك مظهر آخر من مظاهر التناقض يمكن رصده في السلوك الغذائي؛ فمثلاً عند الأكل لا يتوقف الرجال والنساء عن أكل اللحوم والسكريات ولكنهم عند الشرب يطلبون بيبسي دايت. يضاف إلى ذلك أن هناك من يحرص على "تنفيذ الحمية" للتخفيف من الوزن، ومع هذا فإنه يفضل السكن في الدور الأرضي ويستخدم "المصعد" في تحركاته. وإذا أراد ايقاف سيارته فإنه يبحث لها عن أقرب موقف للمكان المقصود حتى لو اضطر إلى ايقاف سيارته في موقف خاطئ خلف السيارات؛ ومع هذا فإنه يذهب في المساء إلى الأندية الرياضية للتدرب على المشي مسافات طويلة.
من المواقف المتناقضة ما يلاحظ من انشطار بين التركيز على الوعظ والنصح للآخرين مقابل التقصير مع النفس، طبقاً للمثل الشعبي القائل "باب النجّار مخلوع" وكأن الشخص يقدّم للآخرين الجانب المثالي ويترك لنفسه الواقع بما فيه من سلبيات وأخطاء. هذا النسق المسيطر على وعي الناس يظهر في سلوكهم، ويمكن التمثيل على ذلك بمثال أُستاذ جامعي درس في الغرب، وجاء محملاً بنظريات وأفكار نحو بناء وتفعيل المجتمع المدني وتعزيز مبادرة الأفراد في خدمة المجتمع؛ ومع هذا فإنه يرمي الزبالة في الشارع ويترك زجاج القوارير يتكسر على الأسفلت مسبباً ضرراً للآخرين.
ان التعامل مع المستجدات الحديثة على الحياة من وسائل تقنية ومواصلات وتعليم يعتبر موضوعاً بحاجة إلى الدراسة، للتعرف على مدى ما تتضمنه تلك الوسائل من نقلة حضارية نقلت الإنسان من مكان إلى آخر (من الصحراء إلى المدينة)؛ وغيرت من حجمه (من نحيف ضعيف إلى شخص سمين)؛ وغيرت من رصيده البنكي (من فقير إلى غني)؛ وأضافت إلى ذهنه معلومات فحصل على مستويات عالية في التعليم، وسافر ووصل إلى بلاد بعيدة. وفي الوقت نفسه يمكن التساؤل هل استطاعت تلك الوسائل أن تنقل تفكير الإنسان إلى القبول بتعدد الآراء، أو تسمح لذهنه أن يتحرر من العادات والتقاليد والتعصبات ضد المرأة أو ضد الأجنبي أو مع الخواجة أو ضد المهمشين أو ضد العمال والخدم؟ هل تمكنت الوسائل الحديثة أن تنمي لدى الناس حقوق الإنسان أو تبني مجتمعاً مدنياً؟
ثمة أنظمة خفية تتحكم في وعي الناس وتشكل تصوراتهم للكون وللحياة، وهي أنساق عامة قد تنطبق على عدد من الأفراد بشكل كلي ولكنها في الوقت نفسه تختفي تحت مسميات ومظاهر أخرى ربما يصعب التكهن بها. ولكن متابعة ما ينتجه المجتمع من أمثال ونكت وتعابير شعبية وما يمارسه من سلوك له نمط تكراري ثابت يكشف تلك الأنساق ويجعلها مفتاحاً لتفسير السلوك الغامض أو المزدوج الذي يمكن ملاحظته على تصرفات الناس.
وهذا رابط الموضوع في الجريده
http://alriyadh.com/2007/10/18/article287422.html