أميـــــر سعــــــــــــودي لا يعرف عن حياته وسيرته العطرة
إلا أهله وصحبه ومن عاشره , وجهله الكثير من أبناء عصره بل ومن أفراد أسرته وبخاصة فئة الشباب منهم فمن هو ذلك الأميــــــــــــــــــر الزاهد :
هو الأمير محمد بن عبد العزيز ابن الامام سعود بن الامام فيصل ابن الامام تركي بن عبدالله بن الامام محــــــمد بن
سعــــــــود مؤسس دولة آل سعــــــــــــــــــــــــود وأم الامير محمد هي الاميرة الجوهرة بنت بنت الامام عبد الله بن
فيصل , فهو ثمرة طيبة من شجرة طيبة ولد – رحمه الله- في حائل عام 1313هـ ونشأ فيها يتيماً , ثم ذهب مع أخيه
الامير سعود بن عبدالعزيز (الملقب الكبير) الى مكة المكرمة فوضعهما شريف مكة في الاقامة الجبرية , لكن الامير سعود
تخلص منها ثم تبعه أخوه محمد , وقدم الامير محمد على الملك عبدالعزيز وهو في غزوة جراب ففرح به وأرسله الى
الرياض مع ابنه الملك سعود بن عبدالعزيز رحمهم الله جميعاً . بدأ الامير محمد طلبه للعلم والتعلق به في عام 1333هـ
عندما كان مرافقا للملك عبدالعزيز في الغزو , فقد لاحظ الامير محمد المشائخ محمد بن عبد اللطيف آل شيخ ومحمد بن
عبالعزيز آل شيخ الملقب بالصحابي وغيرهم يقرؤون القرآن الكريم حفظاً عن ظهر قلب , فوقع ذلك في نفسه فمكث
مدة في حفظه حتى ختمه , ثم مكث سنة كاملة يختمه كل يوم وفي السنة التالية يختمه كل يومين حتى أتقن حفظه , ثم
حفظ عدداً من المختصرات أهمها: كتاب التوحيد وكشف الشبهات للامام المجدد محمد بن عبدالوهاب والعقيدة الواسطية
لشيخ الاسلام ابن تيمية , وزاد المستقنع في الفقه والرحبية في الفرائض واستمر في العلم والتزود منه وقرأ على
الشيخ سعد بن عتيق قاضي الرياض وحضر دروسه ثم قرأ على مفتي الديار السعودية سماحة الشيخ محمد بن ابراهي
م ولزم دروســــه وواظب عليها , وكان الشيخ محمد يعرف له مكانته ويجيب على أسئلته بالتفصيل مما يفيد جميع
الحاضرين .
وهكذا نشأ الامير العالم الزاهد في بيئة سلفية فرضع لبان التوحيد ونشأ على صفاء المعتقد الذي هو امتداد للفطرة
السليمة التي فطر الله الناس عليها فقد كانت مجالسه مجالس علم وتذكير بالله ووعظ وإرشاد لا تذكر فيها الدنيا وان
ذكرت لايأبه لها , وكان قد خصص درساً يومياً لتدارس العلم في بيته من بعد صلاة الظهر الى قرب صلاة العصر , واختار
أحد طلبة العلم وهو الشيخ فهد ابن حميّن لملازمته حضرا وسفرا فكان يقرأ عليه ويتباحثان ويتذاكران العلم , حتى قرأ
الشيخ على الامير كتبا عظيمة من كتب أهل الاسلام مثل: جامع البيان وهو تفسير ابن جرير الطبري وهو من أجمع كتب
التفسير بالمأثور وأغزرها فائدة وقرأ الصحيحين صحيح البخاري وصحيح مسلم والمسند العظيم للإمام أحمد ( أكثر من
ثلاثين ألف حديث) , وقرأ عليه في الفقه: الكافي وكشاف القناع والشرح الكبير ,وأحيانا يقرأ فتاوى شيخ الاسلام ابن
تيمية وبعض كتب تلميذه العلامة ابن القيم , وهكــــــــذا في سلسلة مباركة نافعة من كتب ائمة الدعوة السلفية
وتلاميذهم وعلماء آل سعود وكتب الوعظ والآداب والتاريخ , وربما قرئ عليه كتب السير والمغازي وفتوح البلدان
الاسلامية . وبالجملة كانت مجالسه ريـــــــــــــاضا من رياض الجنّــــــــــــــــة يذكر الله فيها ويتنقل بين بساتين العلم
النافع ويحث فيها على ماينجي في الدنيا والآخرة وينشط على العمل الصالح, وكان يرتاد هذه المجالس أهل الخير
والصلاح من كل لون , فقد كان الامير محمد رحمه الله حريصا على تقريب الصالحين والانس بهم .
صفات الأميـــــــــــر الزاهد وأخلاقه :
فقد كان الأمير محمد رحمه الله متمسكا بالسنة ملتزما بها في عبا دته كلها , مبتعدا عن الغلو والتنطع , بل انه ربما
أهديت له كتب لا يعرف توجهها العقدي فيأمر بإتلافها خوفا أن يكون فيها بدعة فتنتشر عن غير قصد , والامير محمد
رحمه الله لا تكاد تبلغه سنة الا عمل بها , وقد حدّث الذين شاهدوه أنه كان يحج متمتعا كل سنة ويقف عند الصخرات
واذا قدم من السفر بدأ بالمسجد يصلي فيه ركعتين , وكان ينام بعد العشاء مباشرة الا للحاجة أحيانا وبقدر محدود ,
وذلك استعدادا لقيام الليل والتهجد , وكان يعتني بمظهره فيلبس أنظر الثياب والبشوت ويتطيب بأحسن الطيب اقتداءً
بالسنة
أما عبادته فقد كان نادر المثال في عصره , إذ كان يحافظ محافظة تامة على الفرائض قبل الأذان في المسجد وعلى
قيام الليل دائما , وفي رمضان يصلي التراويح عشرين ركعة حتى بعد كبره , كما كان حريصا على صيام التطوع ,
وعلى الاعتكاف في العشر الاخير من رمضان في غرفة متواضعة في المسجد خالية من وسائل التبريد وقتئذ, ولا يدع
الحج سنوياً منذ دخل الملك عبدالعزيز مكة حتى توفاه الله وقد بلغ التسعين , بل انه لا ينيب أحداً في شئ من أعمال
الحج مع كبر سنه حتى الرمي , وعندما حج عام 1401هـ رأى زحمة شديدة في النفرة من عرفة مشى على قدميه ,
وذكر عبدالرحمن بن جمعان وهو أحد ملازميه فترة طويلة أنه في احدى عمره طاف بالبيت تطوعا ثم صلى ركعتين ثم
طاف وصلى حتى تعب أبناؤه معه , وقالوا نحن نطوف بأرجلنا وهو يطوف بقلبه رحمهم الله جميعا , بمعنى أنه كان
يتلذذ بالعبادة ويأنس لها قلبه , وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
أما تلاوة القرآن الكريم فقد كان يقضي غالب وقته في عرضه ومراجعته هو والشيخ فهد بن حميّن حتى يختمـــــانه ,
وكان يختم في الشهر مرتين , والامير محمد رحمه الله يحرص على الأوراد الشرعية والأذكار في أوقاتها كما هو دأب
الصالحين , وكان كثير الابتهال والدعاء لله والتضرع بين يديــــــه سبحانه , ومن حرصه على فعل الخير ومما يسره الله
له لما ذهب الى لبنـان للعلاج عام 1382هـ حرص كل الحرص على الصلاة في المسجــــد الاقصى فيسّر الله له ذلك وصلى
به الظهر والعصر جمعاً . وكان رحمه الله ناصحا صادق النصيحة , آمرا بالمعروف , ناهيا عن المنكر , يحث كل من عرف
على الخير , فقد كان يلاحظ أن بعض جيرانه لا يشهدون الصلاة مع الجماعة في المسجد فما كان منه الا أن كتب لهم
يذكرهم بالله ويحثهم على صلاة الجماعة , وهكذا كان يأمر أهله وذويه بها , ولا يتهاون بذلك أبدا , حتى اذا رأى من
بعضهم تقصيرا قال له : أتظن أنه لا يموت الا الكبار ؟ الصغار الذين يموتون أكثر؟ ويذكر ابن جمعان أن الامير يحثه
دائما على حفظ القرآن ويرغبه فيه . وهذا الموقف من الأمير هو امتداد للواجب على كل مسلم في النصح والارشاد الى
الخير بالحكمة والموعظة الحسنة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر
وجانب رائع في حياة أميرنا تميّز به دون غيره
ممن هو على مثل حاله, ذلكم هو الزهـــــــــــد والورع فقد شهد له بذلك كل من عرفه أو خدمه وعاشره تغمده الله
برحمته , فقد أعرض عن المناصب كلية و كان أهلا لها , فأقبل على العلم وتعليمه , وشغل وقته بعبادة ربه ونفع
عباده , وربما كان يخشى على نفسه من ثقل الامانه وعظم المسؤولية , وأنها تشغله عن التزود من الاعمال الصالحة ,
بخلا ف آخرين حرصوا عليها ولم يقوموا بأدائها كما ينبغي , فقصّروا أو ظلموا
ومن زهده – وهو سليل الأئمة – أنه يعيش عيشة عامة الناس في الهيئة والمسكن ويذهب ويجئ دون حرس أو شارة
توحي بنسبه ومكانته تواضعا لله واقتداءً بسيد الخلق عليه الصلاة والسلام , بل انه مكث ببيت من الطــــين حتى عام
1399هـ ولم يخرج منه حتى عـــزم عليه خادم الحرمين الملك فهد رحمه الله وأمر له بأحد بيوته .
كما عرف عن الأمير محمد أنه لا يطلب شيئا من الدنيا يرفعه لولاة الأمر مع كونه من أولى الناس بالعطاء لمكانته
النسَبــية والعلمية والدينية , ولما قدّمه لهذه الدولة المباركة في أيامها الأولى ,و مع هذا لم يؤثر عنه الطلبات, بل اذا
جاءه شئ أخذه من غير استشراف له أو طلب اتباعا للسنـــــــــّة , وعرض عليه الملك خالد رحمه الله مرة بيتاً في
الطائف فلم يقبل , ومن ورعه أنه وهب له بيت في الرياض فوصل له خبر يوهم الشك بان احدى العوائل لها حق فيه فما
كان منه الا أن أعاد الصك للعائلة المذكورة إبراءً لذمته وتورعا عن الوقوع في المشتبهـــات !
ومن ورعه أنه يحج ويعتمر في سياراته الخاصة أو سيارات أبناءه مع أن الدولة وفقها الله وفرت له الطائرة , أما
مجلسه فلا يرضى غيبــة أحد فيه أو سخرية وينهى ذويه عنه , مع أنه كثير التبسم والانشراح غفرالله له . ومن كرم هذا
الامير أنه ربما جاءه السائل وليس معه شئ فيستلف ما تيسر ثم يعطيه السائل , سواء عرف السائل أم لم يعرفه
كما كان جواداً بما آتاه الله من مكانة وجاه , فهو مع ذلك لم يكتب لولاة الأمر لطلب حاجة تخصه إلا أنه ربما كتب اليهم
شفاعة فقد كتب مرة يشفع لتوظيف سبعة عشر نفرا , فاستجيبت شفاعته ووظفوا جميعا , وكان ينزل عليه بعض
أصحابه من البادية في رمضان فلا يزالون عنده مكرمين حتى يصلوا العيد وربما أعطاهم بعض الاعطيات .
متيّم بالندى لو قال سائله ...هب لي جميع كرى عينيك لم ينم