تمهيد :
ان للشعراء قرائح تفيض بها قلوبهم فتخرج من الافواه الى قلوب الناس وتخلد عبر التاريخ باجود ما قيل من الشعر ويستوقفني هنا ابيات لشاعر المبدع فهد عافت يقول فيها :
اردى الشعر بيتٍ يجيك إبمحله= واحلى الشعر محله يجي فيه
ويش الدرر يا صاحبي غير عِلَّه= في صدر محار الحصا حيل موذيه
واقف هنا عند البيت الثاني واشرحه فاقول :
قصد الشاعر من الدرر هنا ان اللؤلؤ اصله حيوان المحار اختلط بحبة رمل فأفرز هذا الاختلاط اللؤلؤ بمعنى ان الشاعر عندما يبدع يكون ابداعه ناتجامن قريحة شاعر هاجت قريحته من موقف ما اثر في نفسيته كما حدث لحيوان المحار وحبة الحصا التي افرزت الدر وهو اللؤلؤ.
وهناك نماذج من اجود ما فاضت به قرائح شعراء العرب ومنها :
قصة عمرو بن الاطنابة الفارس الشجاع عندما طلبه رجلا للمبارزه مستهينا بقدر ابن الاطنابة ففاضت قريحة عمرو من هذا الموقف بهذه الابيات :
ابت لي عفتي وابى بلائي=واخذي الحمد بالثمن الربيحي
واجشامي على المكروه نفسي=وضربي هامة البطل المشيحي
وقولي كلما جشأت وجاشت=مكانك تحمدي او تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحات=واحمي بعد عن عرضٍ صريحي
ومنها ما قاله الفارس الشجاع مالك بن ريب الذي رثى نفسه عندما كان في معركة ايام الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه في بلاد فارس حيث لدغته افعى عندما اراد ان يدخل رجله في حذائه وكانت الافعى موجودةُ داخل الحذاء فتمكن منه سم الافعى وصبر ثلاثة ايام وعلم انه مفارقا للحياه فرثى نفسه وهو في بلاد فارس يتذكر دياره وايامه فيها ويذكر بكاء امه واهله عليه حيث قال :
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة=بجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا
ألم ترني بعت الضلالة بالهدى=وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
دعاني الهوى من أهل ودي وصحبتي=بذي الطبسين فالتفت ورائيا
أجبت الهوى لما دعاني بعبرة=تقنعت منها أن ألام ردئيا
أقول وقد حالت قرى الكرد دوننا=جزى الله عمرواً خير ما كان جازيا
إن الله يرجعني من الغزو لا أرى=وإن قلّ مالي طالباً ما ورائيا
لعمري لإن غالت خرسان هامتي=لقد كنت عن باب خرسان نائيا
فإن أنجُ من باب خرسان لا أعد=إليها وإن منيتموني الأمانيا
فلله دري يوم أترك طائعاً=بنيّ بأعلى الرقمتين وماليا
ودر الرجال الشاهدين تفتكي=بأمري ألا يقصروا من وثاقيا
ودر الظباء السانحات عشية=يخبرن أني هالك من ورائيا
ودر كبريّ الذين كلاهما=عليّ شفيق ناصح ما ألانيا
تقول ابنتي لما رأت طول رحلتي=مسيرك هذا تاركي لا أبا ليا
ولكن بأكناف السمينة نسوة=عزيز عليهن العشية ما بيا
وأصبح مالي من طريفٍ وتالدٍ=لغيري وكان المال بالأمس ماليا
فياليت شعري هل بكت أم مالكٍ=كما كنت لو عالوا بنعيك باكيا
إذا متُ فاعتادي القبور وسلمي=على الرمس أسقيت السحاب الغواديا
ترى جدثاً قد جرت الريح فوقه=تراباً كلون القسطلان هابيا
رهينة أحجارٍ وتربٍ تضمنت=قراراتها مني العظام البواليا
فيا صاحباً إما عرضت فبلغن=بني مالك والريب ألا تلاقيا
وبلغ أخي عمران بردي ومئزري=وبلّغ جوزي اليوم ألا تدانيا
وسلّم على شيخي مني كليهما=وبلغ كثيراً وابن عمي وخاليا
وعطّل قلوصي في الركاب فإنها=ستبرد أكباداً وتبكي بواكيا
أقلب طرفي حول رحلي فلا أرى=به من عيون المؤنسات مراعيا
وبالرميل مني نسوة لو رأينني=بكين وفدين الطبيب المداويا
فمنهن أمي وابنتاها وخالتي=وباكية أخرى تهيج البواكيا
تذكرت من يبكي عليّ فلم أجد=سوى السيف والرمح الرديني باكيا
وأشقر خنذيذ يجر عنانه=إلى الماء لم يترك له الموت ساقيا
يقاد ذليلاً بعدما مات ربه=يباع ببخسٍ بعدما كان غاليا
صريعُ على أيدي الرجال بقفرة=يسوون لحدي حيث حُم قضائيا
فيا صاحبيّ رحلي دنا الموت فأنزلا=برابيةٍ إني مقيم لياليا
أقيما عليّ اليوم أو بعض ليلة=ولا تعجلاني قد تبين ما بيا
وقوما إذا ما استُل روحي فهيئا=لي السدر والأكفان عند فنائيا
وخطّا بأطراف الأسنة مضجعي=وردا على عيني فضل ردائيا
ولا تحسداني بارك الله فيكما=من الأرض ذات العرض أن توسعا لي
خذاني فجراني ببردي إليكما=لقد كنتُ قبل الموت صعباً قياديا
وكنت غصناً البان هبت له الصبا=أرجل فيناناً يصيد الغوانيا
وقد كنت صبراً على القرن في الوغى=وعن شتم ابن العم والجار وانيا
وقد كنتُ محموداً لدى الزاد والقرى=ثقيلاً على الأعداء عضباً لسانيا
وقد كنت عطفاً إذا الخيل أحجمت=سريعاً لدى الهيجاء إلى من دعانيا
فيوماً تراني في طلاء ومجمع=ويوماً تراني والعتاق ركابيا
ويوماً تراني في رحىً مستديرةٍ=تخرق أطراف الرماح ثيابيا
غداة الغد يا لهف نفسي على غد=إذا أدلجوا عني وأصبحتُ ثاوياً
نص الموضوع :
مقارنة بين جرير والمتنبي
عند قراءتي لشعر هاذين الشاعرين استوقفني الظروف النفسية التي احاط كلا الشاعرين في اجود ما قاله العرب من الشعر وهي قصيدة
بان الخليط لجرير وقصيدة
واحر قلباه للمتنبي حيث فاضت قريحة كل من هاذين الشاعرين فخلد التاريخ شعرهما في قصيدتان وهي :
بان الخليط لجرير حيث قال :
بان الخليـط ولو طوعت ما بانـا=وقطعـوا من حبال الوصل أقرانـا
حـي الـمنازل إذ لا نبتغي بـدلا=بالدار دارا ولا الجيـران جيـرانـا
قد كنت في أثر الاظعان ذا طـرب(ن)=مروعا من حـذار البيـن محزانـا
يا رب مكتـئب(ن) لو قد نعيت لـه=بـاكٍ وآخـر مسـرور بمنعانـا
لو تعلميـن الذي نلقى أويت لنـا=أو تسمعين إلى ذي العرش شكوانـا
كصاحب الموج إذ مالت سفينتـه=يدعـو إلى الله إسـرارا وإعلانـا
يا أيها الراكب الـمزجي مطيتـه=بلـغ تـحيتنا لقيـت حمـلانـا
بلـغ رسائلٍ عنا خـف محملهـا=على قلائـص لم يحملـن حيرانـا
كيما نقـول إذا بلغـت حاجتنـا=أنت الأميـن إذا مستـأمن خانـا
تهدي السلام لأهل الغور من ملـح=هيهـات من ملح بالغور مهدانـا
أحبـب إلي بذاك الجـزع منـزلةٍ=بالطلح طلحا وبالأعطان أعطانـا
يا ليت ذا القلب لاقى من يعللـهُ=أو ساقيـا فسقاه اليـوم سلوانـا
أو ليتهـا لـم تعلقنـا علاقتهـا=ولم يكن داخل الحبِّ الذي كانـا
هلاَّ تـحرجت مـما تفعلين بنـا=يا أطيب الناس يوم الدَّجن أردانـا
قالت أَلِمَّ بنا إن كنـت منطلقـا=ولا إخالك بعـد اليـوم تلقانـا
يا طيـب هل من متاع تمتعيـن به=ضيفا لكم باكرا يا طيب عجلانـا
ما كنت أول مشتاق أخا طـرب(ن)=هاجت له غـدوات البين أحزانـا
يا أُمَّ عمـرو جـزاك الله مغفـرةٍ=ردي عليَّ فـؤادي كالذي كانـا
ألستِ أحسن من يمشي على قـدم=يا أملـح الناس كل الناس إنسانـا
يلقى غريـمكم من غير عسرتكـم=بالبذلِ بُـخلا وبالإحسان حرمانـا
لا تـأمنـن فإنـي غيـر آمنــه=غـدر الخليـل إذا ما كان ألوانـا
قد خنتِ من لم يكن يخشى خيانتكم=ما كنـتِ أول موثـوق به خانـا
لقد كتمـتُ الهـوى حتى تهيمنـي=لا أستطيـع لهـذا الحـب كتمانـا
كاد الهـوى يوم سلمانيـن يقتلنـي=وكاد يقتلنـي يـومـا ببيـدانـا
وكاد يـوم لـوى حـواء يقتلنـي=لو كنت من زفـرات البين قرحانـا
لا بارك الله فيمـن كان يحسبكـم=إلاّ على العهـدِ حتى كان ما كانـا
من حبكـم فاعلمي للحب منـزلةٍ=نـهوى أميـركم لو كان يهوانـا
لا بارك الله في الدنيـا إذا انقطعـت=أسباب دنيـاكِ من أسباب دنيانـا
يا أُمَّ عثمـان إنَّ الحب عن عـرض(ن)=يُصبي الحليم ويبكي العيـنَ أحيانـا
ضَنَّـت بموردة كانـت لنا شرعـا=تشفي صدى مستهام القلب صديانـا
كيف التلاقي ولا بالقيظ محضركـم=منا قريـب ولا مبـداك مبدانــا
نهوى ثرى العرقِ إذ لم نلق بعدكـم=كالعـرقِ عرقا ولا السلان سلانـا
ما أحدث الدهر مـما تعلمين لكـم=للحبـل صَرما ولا للعهـد نسيانـا
أَبُـدِّلَ الليل لا تسـري كواكبـه=أم طال حتى حسبت النجم حيرانـا
يا رب عائذة بالغـور لو شهـدت=عزت عليهـا بدير اللج شكوانـا
إن العيـون التـي في طرفها حـور=قتلننـا ثـم لم يـحييـن قتلانـا
يصرعن ذا اللب حتـى لا حراك به=وهن أضعـف خلـق الله أركانـا
يا رب غابطنـا لو كان يطلبكـم=لاقى مباعـدة منكم وحرمانـا
أرينـه الـموت حتى لا حيـاة به=قد كن دَنَّـك قبل اليـوم أديانـا
طار الفؤادُ مع الـخودِ التي طرقت=في النـوم طيبة الأعطاف مبدانـا
مثلوجة الريقِ بعد النـوم واضعـةً=عن ذي مثـان تمج المسك والبانـا
بِتنـا نراكم كأنم مالكـون لنـا=يا ليتـها صدقت بالحـق رؤيانـا
قالت تعـز فإن القوم قد جعلـوا=دون الزيـارة أبوابـا وخُـزانـا
لـما تبينـت أن قد حيل دونهـم=ظلت عساكر مثل الموت تغشانـا
ماذا لقيـت من الأظعـانِ يوم قنى=يتبعـن مغتربـا بالبيـن اظعانـا
أتبعتهـم مقلـة إنسانهـا غـرق=هل يا ترى تارك للعيـن إنسانـا
كأن أحداجهـم تـحدى مقفيـة=نـخل بـملهم أو نـخل(ن) بقرانـا
يا أُمَّ عثمـان ما تلقـى رواحلنـا=لو قست مصبحنا من حيث ممسانـا
تـخدي بنا نـجب دمى مناسمهـا=نقل الـحزابـي حزانـا فحزانـا
ترمي بأعينهـا نجـدا وقد قطعـت=بيـن السلوطح والروحان صوانـا
يا حبـذا جبـل الريان من جبـل=وحبـذا ساكن الريـان من كانـا
وحبـذا نفحـات مـن يـمانيـة=تأتيـك من قبـل الريـان أحيانـا
هبت شمـالا فذكرى ما ذكرتكـم=عند الصفاة التـي شرقي حورانـا
هل يرجعـن وليس الدهر مرتجعـا=عيش بـها طالما احلولى وما لانـا
وقال المتبني في قصيدتة وا حر قلباه :
واحـر قلباه مـمن قلبه شبمُ=ومن بجسمي وحالي عنده سقمُ
مالي أكتم حبا قد برى جسدي=وتدعي حب سيف الدولة الأمم
إن كـان يجمعنا حب لغرتـه=فليـت أنا بقدر الحب نقتسـم
قد زرته وسيوف الهند مغمدت=وقد نظرت اليه والسيـوف دم
فكـان أحسن خلق الله كلهـم=وكان أحسن مافي الأحسن الشيم
فوت العدو الذي يـممته ظفـر=فـي طيـه أسف في طيه نعـم
قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت=لك الـمهابة مالا تصنع البهـم
ألزمت نفسك شيئا ليس يلـزمها=أن لا يواريهـم أرض ولا علـم
أكلما رمت جيشا فانثنـى هربا=تصـرفت بك في آثاره الهمـم
عليـك هزمهم في كل معتـرك=وما عليك بهم عار إذا انـهزموا
أما ترى ظفرا حلوا سوى ظفـر=تصافحت فيه بيض الهند واللمـم
يا أعـدل الناس إلا في معاملتـي=فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيـذها نظرات منك صادقـة=أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفـاع أخي الدنيا بناظـره=إذا استوت عنده الأنوار والظلـم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبـي=وأسـمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شـواردها=ويسهر الخلق جراها ويختصـم
وجاهل مده في جهله ضحكـي=حتـى أتتـه يد فراسـة وفـم
إذا نظـرت نيوب الليث بارزة=فلا تظنـن أن الليـث مبتسـم
ومهجة مهجتي من هم صاحبهـا=أدركتهـا بـجواد ظهره حـرم
رجلاه في الركض رجل واليدان يد=وفعلـه ما تريد الكف والقـدم
ومرهف سرت بين الجحفلين بـه=حتى ضربت وموج الموت يلتطـم
فالخيل والليل والبيـداء تعرفنـي=والسيف والرمح والقرطاس والقلم
صحبت في الفلوات الوحش منفردا=حتـى تعجب مني القور والأكم
يا من يعـز علينا أن نفارقهـم=وجداننا كل شيء بعدكم عـدم
ما كان أخلقنا منكم بتكرمـة=لو أن أمـركم من أمرنا أمـم
إن كان سركم ما قال حاسدنا=فما لـجرح اذا أرضاكم ألـم
وبيننـا لو رعيتم ذاك معرفـة=إن المعارف في أهل النهى ذمم
كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكـم=ويكـره الله ما تأتون والكـرم
ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي=أنا الثريا وذان الشيب والـهرم
ليت الغمام الذي عندي صواعقه=يزيلهـن إلـى من عنده الديـم
أرى النوى تقتضيني كل مرحلـة=لا تستقل بـها الوخادة الرسـم
لئن تركن ضميـرا عن ميامننـا=ليحدثـن لـمن ودعتهم نـدم
إذا ترحلت عن قوم وقد قـدروا=أن لا تفارقهـم فالراحلون هـم
شر البـلاد مكان لا صديق بـه=وشر ما يكسب الإنسان ما يصم
وشر ما قنصتـه راحتي قنـص=شهب البزاة سواء فيه والرخـم
بأي لفـظ تقول الشعر زعنفـة=تجوز عندك لا عرب ولا عجـم
هـذا عتابـك إلا أنـه مقـة=قد ضمـن الدر إلا أنه كلـم
نرى المقارنة بين قصيدة جرير والمتنبي كالاتي :
كلا الشاعرين يشتكي خيانة من يحب.
ونرى جرير يشكو خيانة ام عمرو فيقول:
لا تـأمنـن فإنـي غيـر آمنــه=غـدر الخليـلِ إذا ما كان ألوانـا
قد خنتِ من لم يكن يخشى خيانتكم=ما كنـت أول موثـوق به خانـا
ونرى ذلك في شعر المتنبي يشكو خيانة صديقه سيف الدوله :
ما كان أخلقنا منكم بتكرمـة=لو أن أمـركم من أمرنا أمـم
إن كان سركم ما قال حاسدنا=فما لـجرح اذا أرضاكم ألـم
وبيننـا لو رعيتم ذاك معرفـة=إن المعارف في أهل النهى ذمم
ونرى الابيات السيارة التي خلدها التاريخ لكلا الشاعرين ومنها :
قول جرير :
إن العيـون التـي في طرفها حـور=قتلننـا ثـم لم يـحييـن قتلانـا
يصرعن ذا اللب حتـى لا حراك به=وهن أضعـف خلـق الله أركانـا
وقول المتنبي :
إذا نظـرت نيوب الليث بارزة=فلا تظنـن أن الليـث مبتسـم
وقوله :
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبـي=وأسـمعت كلماتي من به صمم
فالخيل والليل والبيـداء تعرفنـي=والسيف والرمح والقرطاس والقلم
الموازنة بين الشاعرين :
نري ان جرير كان افضل الشعراء في عصره وحتى يومنا هذا .
ونرى ذلك ما قاله الشاعر الكبير بشار بن برد عندما اعجبه بيت جرير ان العيون فقال بشار يتغزل في معشوقته وكان اعمى لا يرى :
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقةٌ= والاذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم= الاذن كالعين توفي القلب ما كنا
ان العيون التي في طرفها حورٌ= قتلننـا ثـم لم يـحييـن قتلانـا
وفي جرير قيل :
جاء اعرابي فسأله احد الحضور وهو في مجلس الخليفة عبدالملك بن مروان والاعرابي لا يعرف جرير وفي المجلس الشعراء الكبار كالفرزدق والاخطل فقال ما افضل بيت قالته العرب في الغزل ؟
فقال الاعرابي قول جرير :
إن العيـون التـي في طرفها حـور=قتلننـا ثـم لم يـحييـن قتلانـا
فقال جرير فكنت بالمجلس فنهضة قليلا لِما سمعته من الاعرابي.
فسال الاعرابي وما افضل بيت قالته العرب في الهجاء :
قول جرير :
أغض الطرف انك من نميرا= فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فقال جرير فأستعدلت في جلستي كاني اردت النهوض.
فسال الاعرابي وما افضل بيت قالته العرب في المدح :
قول جرير :
الستم خير من ركب المطايا= واندى العالمين بطون راحي
فقال جرير لقد وهبتك يا اعرابي اعطيتي من امير المؤمنين هي لك وكانت اعطية الخليفة لجرير في كل سنة الاف الدنانير مع اجود الحرير مما يلبسه الخاصه وزاد الخليفه من عنده اكراما لجرير.
ونرى ايضا ان افضل الشعراء في عصر المتنبي هو نفسه المتنبي وحتى يومنا هذا ونرى ذلك عندما شهد له الشاعر الكبير ابي العلاء المعري عندما قدح الشريف الرضي في المتنبي فقال ابي العلاء المعري لشريف الرضي والله لو ماكان للمتنبي الا هذا البيت لكفاه فقال :
لكِ يا منازلُ في القلوب منـازلٍ=اقفرتِ انتِ وهن منـكِ أواهـلُ
فقال الشريف الرضي اخرجوا هذا الملعون والله ما قصد في هذا البيت الا ان يهجوني بهذا البيت الذي يوجد في مطلع هذه القصيدة :
وإذا أتتك مذمتي مـن ناقـص(ن)=فهي الشهادةُ لـي بأنـي كامـلُ
وهذه القصيدة المتنبي التي اراد ابي العلاء المعري ان يهجو الشريف الرضي:
لكِ يا منازلُ في القلوب منازلٍ=اقفرتِ انتِ وهن منكِ أواهلُ
وانا الذي اجتلبتُ المنيةَ طرفهُ=فمن المطالبُ والقتيل القاتلُ
الرامياتِ لنا وهنّ نوافرُ=والخاتلات لنا وهن غوافلُ
من طاعني ثغر الرجال جآذر=ومن الرماح دمالج وخلاخلُ
مادمت من أربِّ الحسانِ فإنما=روق الشباب عليك ظِلٌ زائلُ
للهو آونة تمر كأنها=قُبلٌ يزودها حبيب راحلُ
جمع الزمان فما لذيذ خالص=مما يشوب ولا سرور كاملُ
وإذا أتتك مذمتي من ناقص=فهي الشهادةُ لي بأني كاملُ
ستروا الندى ستر الغراب سفاده=فبدا وهل يخفى الربابُ الهاطلُ
جفخت وهم لا يجفخون بهابهم=شيم على الحسبِ الأغرِّ دلائلُ
اضطراب العاطفه عند جرير والمتنبي :
فنرى جرير يشكو من خيانة معشوقته ولكن يناقض ذلك فيقول :
لا بارك الله في الدنيـا إذا انقطعـت=أسباب دنيـاكِ من أسباب دنيانـا
ويقول في موضع اخر يتذكر ايامه مع معشوقته :
يا حبـذا جبـل الريانِ من جبـل(ن)=وحبـذا ساكن الريـان من كانـا
وحبـذا نفحـات مـن يـمانيـة=تأتيـك من قبـل الريـان أحيانـا
ونرى ذلك ايضا في شعر المتنبي وهو يعاتب سيف الدوله مع انه شعر بخيانة سيف الدوله له فقال :
يا من يعـز علينا أن نفارقهـم=وجداننا كل شيء بعدكم عـدم
ارجوا من الله العلي القدير ان اكون وفقت في هذا الطرح المتواضع.
كتبه ابو حمد الشامري