قلتُ: أتيتكِ سائلاً; والسائل لا يُنْهَر.
قالتْ: ليس كل سائل مُطهَّر!
قلتُ: ما هذه المواربة في المقال؟
قالتْ: الجواب على قدر السؤال.
قلتُ: بعِزّة الجمال وسرّ العيون، وعصر الشباب وعهد الشجون، ما الذي تقوله العينُ للعين، إذا اتحدَ مركزُ اللحظَيْن؟
قالتْ ـ وقد ثَنتها أهواء الطرب، وحرّكتها نشوة الأدب ـ: سألتني عن النبأ العظيم والسِّرّ الكريم، فهل تُصان لديك الوديعة؟
قلتُ: نعم، وتُحفظ عندي الصنيعة.
قالتْ: سأنبئكَ بتأويل ما أوحتهُ إلينا الألحاظ، لا ما رَوَتهُ لنا الحُفّاظ.. فاعلم أن النفوسَ كامنة بها أهواء غريزية ساكنة بزواجر التكليف الديني والعقلي، وهو السِّرّ اللطيف الذي أتى لصيانته التكليف; فحرّم المدام، وأنكر على السماع حتى لا يُبتذل فتَمجّه الطباع; إذ هما يَتْرُكان تعريفَ التكليفِ نكرة، ويُبرزان الأهواءَ على أصلِ الفِطرة، والعيون بها مستودع ذاك السِّرّ، ومنبع هذا السِّحر; فإذا نظرتْ عينُ ذي حُسْنٍ إلى عينِ نفسٍ لطيفة الروح، وسَرَتْ بينهما مراسلات اللواحظ، ومغامزات البَوْح، تعارفا وائتلفا، وتحالفا على الوفا، وتذاكرا لَذّة الحديث في عالم الأرواح، وتشاكيا ألَمَ التكليفَ في عالَمِ الأشباح، وتواددا وتواعدا، وتعاهدا على الكتمان، والتعاونِ عند الإمكان، وتشاكلا في الهوى نفساً وروحاً، ويُوحى إلى كل قلب من الألحاظِ ما يُوحى.. وهذا الذي استفتيتني فيه، قد أطلعتكَ على خافيه.