هذه مقالتين , وفيهما رد على الأخ الوشيحي فيما قال , أترككم مع المقال الأول والرد عليه :
مقال الوشيحي :
اقتباس:
في شارع فرعي لا يكاد يُرى بالأقمار الصناعية المجردة، وفي مقهى لا يرتاده إلا ثلاثة، أنا وصاحب المقهى والجرسون، وقع نظره عليّ فدخل المقهى وألقى التحية وسحب كرسياً وجلس ‘بوضع اليد’، قبل أن يطرح سؤاله: هل تسمح باقتطاع جزء من وقتك لأتبادل الحديث معك؟ قلت: ومن قال لك إن وقتي ثمين؟ ليس لدي ما يشغلني إلا قراءة هذا الكتاب، وهو كتاب قديم كما ترى، عن ثورة المفكرين الأوروبيين على الكنيسة، فلتمطر سحب حديثك لتبلل ثيابنا…
قال وقد اعتدل في جلسته: جميل، لنبدأ إذاً من كتابك هذا الذي في يدك… أنت تتهمنا نحن معشر المتدينين بالرجعية والتخلف لأننا نقرأ كتباً قديمة، وها أنت تقرأ كتاباً قديماً، لا خير يرجى منه ولا شر!
قلت: أنا أقرأ، وقد أقتنع أو لا أقتنع بما أقرأه، وسواء اقتنعت أم لم أقتنع، لن أفرض قناعاتي على الناس، كما تفعلون أنتم ويفعل ساسة الدين. خذ إيران مثلاً، هي تقتنع بالمذهب الشيعي، وتريد أن تفرض على الكواكب وسكانها قناعتها ومذهبها، خذ أسامة بن لادن والظواهري وأنصارهما مثالاً أسود آخر، وكيف يعتبرون أنفسهم ‘الفرقة الناجية’ ويسعون إلى استئصال بقية الفرق والمنتخبات، خذ وخذ وخذ، وانظر إلى الكويت بعدما عتت رياحها الطائفية، وتحولت إلى إعصار سيقتلعنا من جذورنا، من ينقذنا الآن منها؟… كل هذا بسبب فرض المعتقدات على الآخرين.
قال: لندع الحديث عن المذاهب، فأنت وأنا من مذهب واحد ولن نختلف، وتعال لنتحدث عن أفكارك التي تنشرها دون مراعاة الله…
فقاطعته: لا تحتكر السماء لك وحدك وتبقيني هنا بلا سماء، وحكاية أننا لن نختلف لأننا من مذهب واحد، أود أن أنبهك أنني سأختلف مع أخي لو كان متشدداً، وهو الذي يجمعني معه دين ولغة ومذهب وقبيلة وفخذ وعائلة، بل وظهر رجل واحد، وسقف بيت واحد، فكيف لا أختلف معك وأنا لا أعرفك!
فقال بعدما أقسم أنه لا يراني خارجاً على الملة: أنت ذكرت في مقالتك السابقة أنك لست مقتنعاً بحكاية الجني الذي يتلبّس الإنسي، ورحت تهزأ بالعلماء…
قلت: مع احترامي للمشايخ، فإنهم ليسوا علماء، فالعلماء كما أعرف هم من يكتشف الجديد، ويخترع المفيد، أما المشايخ فهم يتحدثون عن الماضي، ويعتمدون على الكتب نفسها، ورغم ذا يختلفون، وتأتون أنتم لتطلقون لقب ‘عالم’ على شيخين مختلفين، دون أن يثبت أي منهما صحة نظريته، وهو ما لا أقره أنا، معلش سوري. هذا أولاً، أما ثانياً، فأنا بالفعل لست مقتنعاً بحكاية الجني الذي يتلبّس الإنسي، وحكاية إخراجه من الأصبع الصغيرة من القدم اليسرى، وزيت مقروء فيه وماء مبصوق فيه وبقية مواد الدروشة المنزلية. ثم إن هؤلاء المشعوذين، كما أعرف، ليسوا ‘علماء’ في رأيكم، وإنما ‘مطاوعة’، أو كما تسمونهم أنتم الحضر ‘ملالوة’، ولا يذهب إليهم إلا بسطاء الناس الذين أغويتموهم أنتم وأرعبتموهم من الغيبيات والخرافات، لتكدّسوا الأموال في أرصدتكم بينما هم يتضورون جوعاً.
وأدرفت بعدما ‘سخنت’ ماكينة الديزل: قل لي بربك، لماذا لا يحتج ‘علماؤكم’ على عدم وجود وظائف لبسطاء الناس، وعلى ضعف الخدمات، وتهالك البنى التحتية؟ قل لي لماذا يرتدون أزهى الثياب والبشوت ويقابلون الحكام، ويشاهدون قصورهم وقصور أبنائهم الخيالية المبنية من أموال البسطاء ولا يعترضون على ذلك؟ ستقول أنهم يناصحونهم سراً، وسأجيبك: إلى متى يبقى سراً هذا التناصح بينما الناس تتناطح على أبواب لجان المساعدات؟ لماذ لا يخرج المشايخ إلى الناس ويخطبون فيهم ويقودونهم إلى المطالبة بحقوقهم… معلش يا أخي، أنتم تضربون الناس بالإبر المخدرة منذ قرون وقرون وقرون، ومن يصدقكم هو إنسان بقرون وقرون وقرون. معلش هذه ‘وجهة رأيي’، أرجو ألا تغضبك، فإن أغضبتك، فلك أن تنهي الحديث
|
ردي على المقالة :
السلام عليكم , أخ محمد الوشيحي , تؤمن بالرأي الآخر وبالحرية , لكن لدي ظن أنك على غير ذلك , و أتمنى أن يخيب وأن تهدم هذا الظن من أركانه وتنشر الرد على مقالك الكريم الأخير وهي ردود موسومة بعطر الاخوة والمحبة التي أنتَ في غنى عنها , ولكنها لزوم المجاملات لتقبل مانكتب , أبدأ في صلب وبطن وكرش موضوعك فأقول :
نأتي لمسألة دخول الجن وتلبسه بالإنس , نقول بأنَّ أهل السُنَّة يقرون بذلك من خلال صريح القرآن , وهناك من لا يقر بذلك أمثال المعتزلة وفرق أخرى , لكن هذا مبحث آخر , وهو مبحث الخلاف والأدلة التي يسوقها الفريقين , ولكن الفرق بينك أخ الكريم وبين المعتزلة , هو أن المعتزلة يسوق بعضهم الأدلة النقلية ثم يحورها بالإستدلال العقلي , بمعنى يفسر الأمر على غير وجهه , ولكن سأكتفي بآية صريحة في أول القرآن { كالذي يتخبطه الشيطان من المس } وأيضاً في الصحيح { الشيطان يجري مجرى الدم } وأيضاً الحديث الذي صححه الألباني { اخرج يا شيطان من صدر عثمان } وأيضاً أحاديث أخرى تدل على هذا المعنى , ولايغرنَّك استغلال البعض لهذا الأمر , ومسألة لاصبع وخروجهِ منه تقع تحت طائلة التجربة , فالحقائق إما بالتجربة أو بالنقل الأصيل , ولذلك لنتفق على دخوله وأنه يتلبس بالإنس { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً } لنتفق في هذا لنختلف في موطن الخروج , لا يضر .
الأمر الآخر لنؤمن جميعاً بالتخصص , فمثلاً هل رأيت الطبيب يتكلم عن أمور تخص الميك********ا ! أو هل رأيت الجزار يتكلم عن اختصاص البزاز وأنواع الحرير , فالتخصص يجب احترامه , ولذلك من يتكلم في غير فنِّه يأتي بالعجائب , وأنتَ عزيزي المحترم تكلمت في غير فنِّك , بغض النظر عن المناظرة التي صورتها وأهلية المناظر وظروفها ومكانها ( المقهى ) الذي ربما لا نجد فيه ملتحٍ واحد , ولكن أقول أنَّ كلامك عن أهل العلم والخلاف بينهم وخلطك الغريب أمر طبيعي جداً , لأنك تجهل أنواع الخلاف , فهناك الخلاف المعتبر السائغ والخلاف الغير معتبر , فالخلاف ليس كله مقبول كما تظن , فهناك ثوابت للإسلام لا خلاف ولا جدال فيها , فالعقيدة والأصول لايختلف عليها اثنان ولا يتناطح عليها جفرتان , كما أن الأصول أيضاً لاخلاف فيها مثل أصل الصلاة وأصل الصوم , فالصلاة فجراً ركعتان , وعصراً أربع وهكذا , ولكن الخلاف في الهيئة , ولكن الفروع هي التي ربما يكون فيها خلاف .
الأمر الآخر مسألة أن العالم الشرعي لا يأتِ بجديد , وهذه أيضاً غريبة جداً , ولكن سرعان ما يُصبح الأمر طبيعيا كونك في البداية كنت عسكرياً ثم تحولت إلى دراسة في مجال آخر ثم إلى المقال فإلى التقديم وها أنت في المقال وربما نراك حارس مرمى , على كل حال أقول أنَّ الشريعة كاملة والمتجدد فيها الأحكام , كقولي مثلاً الطب أصله العلاج ومداواة المرضى ولكن يبقى أن العلاج يختلف حسب استدعاء الحالة المرضية , فالمواد واحدة ويتم استغلالها , ولا يأتي الطبيب مثلاً بشيءٍ خارج نطاق المواد المتداولة ليعالج بها المريض !
كذلك العالم الشرعي , يستعين بالنصوص الشرعية وبكتب أهل العلم ويعرف مواطن الخلاف والإجماع , ويجمل معه الكتب التسعة ويعرف مضمونها ويعرف أصول الفقه ويُصدر الأحكام وفق ذلك ويستنبط الأحكام مجتهداً في ذلك وفق ضوابط أجمعت عليها الأمة .
أيضاً إشكاليتك الكتاب الذي كان بين يديك , وهو ثورة علماء الطبيعة والشعب برمته على الكنيسة , ولكن هل تعلم أن الكنيسة كانت وفق قوله تعالى { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم } فكانوا يتعبدون الله وفق التحريف والزيف والباطل , بل إن أحد كبرائهم كان يقول لم أمس الماء خمسين سنة عبادة لله ! هذا حال أوربا , قتل للعلماء وسفك للدماء واعتكاف في الكهوف والأوحال وخطف للأطفال وقيادة للأمة إلى الهاوية , فبالله عليك كيف سيكون تصرف العقلاء أمام هذا الجنون والتخريف ! لذلك هل القرآن محرف وهل علماء الشريعة لايحثون على العلم ولا يحثون على العمل والأمانة والصدق وحفظ المال العام وتأدية العمل بإخلاص والحفاظ على النسيج الإجتماعي وغير ذلك من الأمور ! وهل حث العلماء أقصد علماء الشريعة على قتل علماء الطبيعة مثلاً !
لذلك أقول علماء الشريعة لم يكونوا يوماً ضد بناء الدول والتطور والتقدم وبناء البنية التحتية والسير نحو اقتصاد أفضل وتأمين حياة الفرد والمجتمع , ومن قال لك غير ذلك فهو مخبول مخبول مخبول يا ولدي , أنتَ ذكرتني بأحد الملاحدة الذي كان نبراساً للعلم الشرعي فألحد , أتدري بماذا كان يستدل على الشريعة والإسلام ! كان يستدل بابن الفارض وابن عربي وغيرهم من الصوفية الخرافية ! فعجبت لرجلٍ يترك القرآن والسنة الثابتة ويستدل بخرافات لأناسٍ شذوا !
وهنا أقول أنَّ علماء الشريعة ليس بيدهم العصى السحرية لتوفير كل شيء , إذا كان خمسين عضواً في المجلس لم يوفروا ذلك , وزد عليهم جنابك المصون وكتَّاب الصحف وغيركم , لم توفروا ذلك , فهل لعلماء الشريعة عصى موسى لتوفير ذلك , إنما هو التوجيه والبيان ليس أكثر من ذلك .
لذلك أقول أن ماطرحته في مضمونه محض افتراء , والإنسان المنصف هو الذي يقرأ لكلا الطرفين دون أن يكون مؤدلجاً لفكر دون فكر , ليتجرد للحق ويكن حراً أبياً , يا أخ محمد , كنت جالساً وتقرأ عن ثورة العلماء على الكنيسة , عندي نصيحة وهو كتاب لو شئت أهديك إياه , أو تشتريه وتوفر لي عناء المجيء إليك , وهو كتاب قيِّم برد على كل تساؤلاتك ويوفر عليك الكثير والكثير من التفكير والشتات , كتاب ستذكرني فيه , وفي الليلة الظلماء يُفتقد سمران , كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين , لأبي الحسن الندوي , أتمنى أن تجده وتقرأ هذا الكتاب وفي نفس المقهى وياليت أن تكون هي الطاولة ذاتها التي حدثت عليها المناظرة المصورة في مقالك , مع عصير تفاح يسرسح على كبدك يا بعد كبدي , شربنشوخ عزيزي ووفقك الله لما أحبه .
أخ محمد الوشيحي , قليلاً من الشجاعة وانشر ماكتبنا مشكوراً غير موزور , كن حراً وانشر الرأي الآخر , بالتوفيق