قال تعالى(لعلي أطلع إلى إله...) الأصل (أطلع على) التي تفيد العلو ولكن عبر بـ(إلى) وقد جاءت في سياق فرعون الذي ادعى الألوهية وذلك في آيتين فقط لئلا يظن ظان إن فرعون علا يوما من الأيام لا علو حسي ولا معنوي فانظر لدقة التعبير،،،
أرسل يوسف عليه السلام قميصه من مصر لأبيه لأنه كان سبب ابتداء حزنه لما جاءوا به ملطخا بالدم(وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) فأحب يوسف عليه السلام أن يكون نهاية حزن أبيه من حيث بدأ (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً)، فالقصة بدأ الحزن فيها بقميص وانتهى بقميص !!!
تحدث الله عن رمضان وقال(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) ولم يقل (الكتاب) إشارة إلى فضيلة القراءة في هذا الشهر والحث عليها وقد جاءت لفظة (القرآن) مرة في البقرة،أما لفظة(كتاب) فقد جاءت في السورة (٤٧)مرة في السورة!!
إذا تحدث الله عن(الموت أوالقتل)في التنزيل فإنه تأتي معهما كلمة(نفس)غالبا نحو(كل نفس ذائقة الموت) (أقتلت نفسا)لأن النفس هي التي تتنفس الهواء ولا يخمد هذا النفس أويوقفه إلى الأبد إلا الموت أوالقتل وذلك في أكثر من عشرين آية فانظر روعة القرآن
جاء السير بالقرآن كله معطوفا عليه النظر بالفاء (فسيروا في الأرض فانظروا...) إلا آية الأنعام جاء العطف بثم(قل سيروا في الأرض ثم انظروا)ذلك أن الله ذكر قبل هذه الآية آيات تدعو إلى النظر والتأمل والتفكر والتدبر فجاء التعبير بثم التي تفيد التراخي
أما غيرها من الآيات فلم يذكر آيات قبلها تدعو للتأمل والتدبر فجاء التعبير بالفاء التي تفيد التعقيب !!
تأمل أخي كل سورة في كتاب الله تجد أنها تبدأ بموضوع وتنتهي بالحديث عن نفس الموضوع فمثلا سورة المؤمنون قال في أولها(قد أفلح المؤمنون) وفي الأخير قال(إنه لا يفلح الكافرون) وقال في أول القلم(ما أنت بنعمة ربك بمجنون)وقال في الأخير(ويقولون إنه لمجنون) وهكذا نجد أن كتاب الله متصل بجميع أجزائه كما قال أحد السلف إن القرآن كالسورة الواحدة (1)!!
من الخطأ أن تسفه خصمك وتقلل من شأنه بل الأولى أن تمدحه وتعظمه لأنه تعظم لك ورفعة لمكانتك فالقرآن مدح أهل اللغة وعظمهم (فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد) قال المفسرون حادة في الوصف (3) وقال (وإن يقولوا تسمع لقولهم)
والله عظم ما جاء به السحرة(وجاءوا بسحر عظيم)حتى موسى خاف(فأوجس في نفسه خيفة موسى)وهذا هو المنهج الصحيح مع الخصم
قال ربنا جل وعز(ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك) وقال أيضا(وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب)
هذان طلبان من أهل النار لخزنة جهنم غير أنهما يختلفان بحسب قرب المنزلة وبعدها من الله تعالى ، ذلك أنه لما طلب أهل النار من المقرب لله وهو كبير الخزنة(مالك) عظموا الطلب وقالوا(ليقض علينا ربك) ولما طلب أهل النار من البعيد لله وهم الخزنة قللوا الطلب وقالوا(يخفف عنا يوما) فانظر روعة البيان !!
يقول علماء التربية : المربي هو الهادي المعلم للأخلاق الحميدة الفاضلة ،لهذا اقترنت الهداية مع التربية في أكثر من عشرين آية في التنزيل كقوله تعالى (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ...) (قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى)!!
قال الحق جلت قدرته(إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب) أراد الله سبحانه أن يبين حقيقة عسى عليه السلام للنصارى الذين اتخذوه إله يعبد
فقال (خلقه من تراب) حتى لم يقل من طين لأن التراب عنصر واحد والطين عنصران فنزل الله عيسى لأصله البشري إمعانا في بشريته وأنه لا يستحق أن يصرف له شئ من العبادة !!
سمي الإنسان إنسانا لأنه ينسى -وهي نعمة من الله- وغالبا ما يعبر القرآن بهذا اللفظ في مقام النسيان أو الجحود أو الكفر نحو قوله(أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه...)(يوم يتذكر الإنسان...)(إن الإنسان لربه لكنود)(إن الإنسان لكفور)!!!
قال تبارك اسمه مخاطبا إبليس (قال اخرج منها مذؤوما مدحورا) ولم يقل مذموما لأن المذؤوم هو مذموم وزيادة فهو المغضوب عليها والمطرود من رحمة الله أيضا فالله سبحانه غضب على إبليس وطرده من منازل الملأ الأعلى في قضية السجود لآدم فانظر لتقدير اللفظ في القرآن
يطلق الفراعنة المصريون لفظ(فرعون) على الحاكم عليهم إذا كان مصري الأصل أي منهم ومن بني جلدتهم من الأقباط كحال فرعون الذي عاش في عصر موسى عليه السلام(1) .. أما إن كان غير ذلك فلا يستحق درجة الفرعون فعندها يطلق عليه ملكا(وقال الملك) كحال من عاش في عصر يوسف عليه السلام فقد ثبت أنه من قبيلة الهكسوس التي حكمت مصر في سحيق الزمان فكتاب الله محكم من كل ناحية
من المعروف أن المحب لا يريد أن يصل إلى محبوبه أدنى أذى ولا أن يمس بسوء وهكذا حال امرأة العزيز مع يوسف عليه السلام قالت فيه(ليسجنن وليكونا من الصاغرين) فأكدت سجنه بنون التوكيد الثقيلة (ليسجنن) أكثر مما أكدت الذل والصغار والهوان له(وليكونا) ،كل هذا محبة ليوسف !!
لما طلب فرعون من موسى آية عظيمة يدلل بها على صدق نبوته
قال الله (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين) ولم يقل حية هنا لأن الثعبان هو الذكر العظيم من الحيات المخيف المهيب وهذا الذي يستلزمه الموقف
قال الرحمن الرحيم (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) القرآن لم يخرج عن طرائق اللغة وسننها فهو يقدم ماله الأهمية في السياق فقدم الجن هنا لأنهم خلقوا قبل الإنس كما قال الله(والجآن خلقانه من قبل من نار السموم) ويقول الله في موطن آخر (قل لئن اجتمعت الإنس والجن) فقدم الإنس هنا لأن السياق تحدي بالإتيان بمثل القرآن والإنس هم المعنيون بالدرجة الأولى في هذا الأمر كما هو معلوم
قال الله تبارك وتعالى(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ) لماذا سليمان عليه السلام خص الطير بالتفقد ؟ لماذا ما كان التفقد للجن أو غيره؟
معلوم أن سليمان عليه السلام يقود دولة كبيرة على اختلاف أجناسهم ، والقوة الضاربة المهمة بالنسبة للدول هي قوة الطيران كما هو معلوم فالدولة التي لا تملك طيرانا تصبح هدفا سهلا لغير من المهاجمين والمعتدين ولهذا قال الله تعالى في هلاك الفيل (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ)
يستعمل القرآن كلمة (جبل) في سياق الهيبة والعظمة والقوة وهذا خط عام القرآن كقوله(له أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا) فلا يناسب عظمة القرآن إلا الجبل وقوله(قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل ...)ولا يناسب هيبة الله وعظمته إلا الجبل وقوله(ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا) (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة) والنتق هو النزع والاقتلاع بشدة (1) فانظر لدقة اختيار اللفظ
يقول الحق جل شأنه في يوسف (تلك آيات الكتاب المبين) أي الذي سيوضح ويبين أمره ويكشف سره للناس وهذا المطلع يسمى في علم اللغة براعة الاستهلال ، فقصة يوسف كلها أسرار من أولها حتى آخرها وإليك بعضها يقول الله تعالى (إني رأيت أحد عشر كوكبا) هذه الرؤيا من يعلمها (لو لم يخبرنا الله؟ (تلك آيات الكتاب المبين) منها(اقتلوا يوسف أو أطرحوه أرضا...)هذا التآمر على يوسف سر من يعلم به لو لم يكشفه الله للبشرية؟ (تلك آيات الكتاب المبين)ومنها (وراودته التي هو في بيتها وغلقت الأبواب وقالت هيت لك)
من سيعلم بهذه المراودة ؟ (تلك آيات الكتاب المبين) ومنها (...قال إني أنا أخوك فلا تبتئس..) هذا سر بين يوسف وأخيه من سيكشفه للبرية(تلك آيات الكتاب المبين) منها(فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا) هذا التناجي سر من سيظهره للخلق عامة؟ (تلك آيات الكتاب المبين)ومنها الكثير في السورة كل هذا رد على اليهود(لقد كان في يوسف وأخوة آيات للسائلين)
لما أخبر الله سبحانه وتعالى أنه أسرى بعبده وعرج به إلى السماء ثم رجع كل هذا في جزء من الليل (ليلا) ضحك الكفار على هذا الخبر استحالة لوقوعه لهذا افتتح الله السورة بالمصدر (سبحان) الذي هو أصل الكلمة حتى لا يقاس هذا الحدث بالعقل البشري القاصر وينظر له نظرة عقلية مجردة فالتسبيح والتنزيه كله لله جل وعز ولهذا أكثر سورة ورد فيها التسبيح هي سورة (سبحان)أو(الإسراء) فكل شئ سبح لله(وإن من شئ إلا يسبح بحمده ...) فقد ورد فيها التسبيح سبع مرات فسبحان من هذه قدرته!!
قال الله تعالى (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها...) لم يقل شمالها وجنوبها ؟ معلوم من أن شمال الأرض وجنوبها هي أقطاب متجمدة غير صالحة للعيش والزراعة قال ابن كثير رحمه الله : أورثهم الأماكن الصالحة للعيش والزراعة وهذه الآية من الآيات التي تدل على صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم
قال تعالى (وكلا منها رغدا حيث شئتما)وقال (وكلوا منها حيث شئتم رغدا) وكلتا الآيتين في البقرة ولم يذكر الغد إلا في البقرة ،قدم الرغد في الأولى وأخره في الثانية لأن الآية الأولى في قصة آدم وهذا في الجنة والآية الثانية في بني إسرائيل وهذا في الدنيا ، ورغد الجنة مقدم على رغد الدنيا.
يقول أهل اللغة إن الترك في اللغة هو تخلية الشئ(1) وعدم الرجوع إليه نهائيا كما قال الحق تبارك تعالى (ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ) ولهذا قال الله بعدها(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ) وقال أيضا
(لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ) تركوا الأموال دون رجعة وأيضا قوله تعالى (قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) وأيضا قوله (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) تركوها لغيرهم0 وهكذا أن كتاب الله وهذه المعجزة البيانية تضع اللفظة في مكانها اللائق به فلم يقل الله أعرض أو تولى فكل له استخدام يليق به
قال الله تعالى (فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) وقال في موطن آخر في من كتابه(فانبجست من اثنتا عشرة عينا) يقول الراغب الأصفهاني(1) الانفجار :
هو خروج الماء بشدة 0 أما الانبجاس :هو انصباب الماء بضعف لما قال الله (فانفجرت) دعاهم إلى الشرب في الآية وقال (كلوا واشربوا) لأن الماء وفير عندهم ولما قال (انبجست) لم يدعهم إلى الشرب لقلته بل قال لهم (قد علم كل أناس مشربهم) ومشرب اسم مكان لا يدل على الشرب فانظر للدقة المتناهية في التعبير!!!
قال الحق تبارك وتعالى (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل) وقال (وسبع سنبلات خضر) فقال في آية البقر (سنابل) وهي جمع كثرة وقال في يوسف(سنبلات) وهي جمع قلة فلماذا ؟ المتأمل لآية البقرة يجدها في سياق الصدقة والحث عليها وأن الله سوف يضاعفها أضعافا كثيرة فلهذا كان الأنسب لهذا السياق جمع الكثرة ،أما في يوسف ففي سياق رؤيا الملك ولا مجال للمضاعفة وبالتالي فاللائق بهذا السياق جمع القلة
قال المولى جل وعز (كمثل العنكبوت أتخذت بيتا وإن أوهن البيوت...) العنكبوت اسم يطلق على الذكر والأنثى من هذه الحشرة بيد أن الله يقول (أتخذت) دلالة على أن الذي يقوم بهذا العمل هو الأنثى لا الذكر ثم أن الله يقول (وإن أوهن) فهذا البيت واهن من جهات شتى فمن ناحية صناعة البيت يقول الله (أوهن) وهي اسم تفضيل أضيف لمعرفة (البيت) بلغ أسوأ درجات الضعف كما هو معلوم من الواقع ، أما من ناحية تركيبية وتنظيمية اجتماعية لعالم هذه الحشرة فهو أكثر سوء ووهنا أيضا فقد ثبت أن ذكر العنكبوت إذا لقح الأنثى قتلته الأنثى وتخلصت منه ثم إذا وضعت البيض وخرج أولادها للحياة قتلوا أمهم وتخلصوا منها فأي وهن هذا !!!
قال الحق تبارك وتعالى (ما نفدت كلمات الله) وقال (حتى يسمع كلام الله) ما الفرق بين كلمات وكلام ؟ كلمات جمع قلة وكلام جمع كثرة فالكلام كلمات وأكثر ،جمع القلة (كلمات) جاء في سياق أن القليل من كلام الله لن ينفد بالكتابة فكيف بالكثير و(كلام) جاء في سياق الدعوة لترغيب الكفار واستمالتهم لسماع للقرآن فانظر إلى عظمة القرآن ...
(السميع) صيغة مبالغة قياسية على وزن فعيل هذه الصيغة لا تأتي إلا في سياق مدح في القرآن، تدل على ثبوت الصفة لله تعالى وقد وقد جاءت حصريا على الله في القرآن كقوله (إن الله هو السميع العليم)
أما (سماع) فصيغة مبالغة على وزن فعال وهذه الصيغة لا تأتي إلا في سياق الذم ،تدل هذه الصيغة على امتهان الصفة وقد جاءت ثلاث مرات في القرآن كلها في سياق الناس كقوله (وفيكم سماعون لهم) (سماعون للكذب أكالون للسحت)
تحيااتي لكم
م\ن