السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الخوف إحساس فطري لدى جميع المخلوقات وهو دافع لتجنب الأخطار، ومحاولة النجاة بالنفس منها، وهذا هو الوجه الإيجابي للخوف، أما إذا صار هذا الخوف "رهاباً" أو "مرضاً نفسياً" يسيطر على الإنسان ويقيد حركته، ويحبسه عن المشاركة الاجتماعية، فإن لعلماء النفس وقفة في مواجهة المخاوف المرضية التي تبدأ منذ مرحلة الطفولة، وإذا لم يتم التعامل معها بحكمة، فإنها تتحول إلى عقد نفسية يصعب التخلص منها.
وإذا كان الخوف بمعناه السلبي مرفوضاً فإن هناك خوفاً يجب أن نزرعه في نفوس أطفالنا، وهو الخوف من الله وخشيته، ومراقبته، فهذا أعلى درجات الخوف الإيجابي؛ لأنه يثمر البعد عن المعصية، والحرص على طاعة الله وإرضائه.
وبعيداً عن هذا الخوف الجميل والمطلوب، نستعرض أهم أسباب مخاوف الأطفال والأساليب السوية للتعامل معها من جانب الوالدين.
في البداية يجمع علماء النفس على أن الخوف من دلائل الاعتدال النفسي، والعقلي، فالذي لا يخاف هو غالباً إنسان غير سوي العقل ولا مكتمل الإدراك، ولا يعقل الضرر أو الأذى اللذين يمكن أن يقعا عليه في حال اقتحامه لمواطن الخطر.
* سخرية الآخرين
ويرصد الأستاذ محمد سعيد مرسي الخبير التربوي أسباب مخاوف الأطفال المرضية مركزاً على:
تخويف الطفل لدفعه إلى عمل معين مثل: إخافته بالغولة، أو الجان، والذبح، والعسكري، وغير ذلك.
خوف الكبار من أشياء بعينها يجعل الطفل يخافها أيضاً.
ارتباط أشياء معينة بأحداث مخيفة أو مزعجة مثل: الجزار بالذبح، والشرطي بتقييد اليدين والظلام بصوت قرع الجرس العالي.
الخوف من الموت، خاصة إذا كان المتوفى شخصاً عزيزاً، كان الطفل يلقى منه الرعاية والعطف.
عدم ثقة الطفل بنفسه، خاصة إذا تعرض لسخرية شخص ما لسبب أو لآخر.
تسلط الآباء ومثاليتهم المفرطة، مما يجعل الطفل متراجعاً عن القيام بأي نشاط خشية الوقوع في الخطأ.
النزاعات الأسرية التي تفقد الطفل الشعور بالأمن.
وجود نقص أو عيب جسماني لدى الطفل مثل: العرج، أو الحول، أو القصر الشديد، خاصة إذا عيره الآخرون بهذا النقص.
استخدام الضرب القاسي كوسيلة للعقاب مع نشأة الطفل في بيئة قلقة، وسط علاقات اجتماعية وأسرية متوترة.
أما د. بول كولمان الخبير الأسري وصاحب موسوعة كيف تقولها لأطفالك؟ فيفرق بين الخوف من الظلام والخوف من الحشرات، والحيوانات المفترسة، والخوف من الأذى، أو الحوادث المحتملة.
ويرى أن مخاوف الليل عند الأطفال قد تنتج عن مشاهدة الطفل لفيلم رعب قبل نومه أو لوفاة قريب في العائلة مما يجعله يخاف من الأشباح، ويحدث الخوف الليلي أيضاً بسبب الانفصال المفاجئ للطفل عن الوالدين وقت النوم.
* الآخرون هم السبب
أما الخوف من الحيوانات والحشرات، فليس شرطاً أن يكون نتيجة خبرات واقعية بالفعل، فمجرد خوف الناس من الثعابين يجعل الطفل يخافها، حتى وإن لم يصادفها، ومجرد رؤية كلب كبير يخيف الطفل من كل الكلاب حتى لو لم يتعرض لموقف مباشر أخافه من الكلاب.
ويصنف د. بول كولمان الخوف من الأذى تحت عنوان: مخاوف الانفصال عن الأسرة، وهو ما يجعله يحجم عن الذهاب إلى المدرسة خشية وقوع حادث له أو يخشى النوم بمفرده لاعتقاده بأن الأم توفر له الحماية من الأخطار حين ينام معها، وهناك سبب نادر لمخاوف الأذى هو عدوى أحد أنواع البكتريا العقدية التي تصيب الخلق، وتزداد معها حدة المخاوف المرضية لدى الطفل، وهذا السبب من السهل اكتشافه طبياً قبل اللجوء إلى طبيب نفسي، أو إخضاع الطفل للعلاج السلوكي.
ويلقى د. حسان شمس باشا استشاري أمراض القلب والمهتم بالمجال التربوي باللوم على المحيطين بالطفل، في تعميق مخاوفه، فالسخرية من الطفل الخائف، ومداعبته بمصدر الخوف كالتلويح له بالسكين، أو صورة الشيء الذي يخاف منه، أو إطلاق لقب مضحك عليه مثل: الخواف، أو الجبان، أو المرعوب، كلها أمور تزيد حدة خوف الطفل.
كما أن الربط المستمر بين أشياء بعينها، واحتمالات وقوع الأذى يخيف الطفل من هذه الأشياء حتى لو كان لها وجهها الإيجابي، وهذا الربط تقوم به الأم دون وعي منها بأخطاره، فيصبح السكين لدى الطفل وسيلة للذبح فقط، والنار أداة للحرق، والعصا للضرب، وهكذا.
وهناك مخاوف غير محسوسة تحدث للطفل نتيجة تعرضه لممارسات تربوية أو ثقافية، تكرس الخوف والخرافة، وثقافة السحر، والجان، وغيرها.
ومن خلال أدبيات علم النفس فيما يتعلق بمخاوف الأطفال يمكن القول بأن علاج هذه المخاوف يكمن فى:
تحديد الأسباب وتلافيها قدر الإمكان، مع مراعاة ألا يؤدي هذا التلافي إلى إعاقة حركة الطفل في الحياة، فالخوف من نفير السيارات لا يُعالج بعدم الخروج إلى الشارع، مثلاً، بل بمناقشة الأمر، وعدم تهوينه، والتدرج مع الطفل في إزالة هذا الخوف.
الاستماع والانصات إلى مخاوف الأطفال، وإخبارهم بأنها طبيعية لمن هم في مثل سنهم.
عدم تخويف الأطفال إلا مما يمثل لهم خطراً حقيقياً، على أن يقترن التخويف بتعليم الطفل وسائل المواجهة.
التقليل من التنبيهات والنواهي التي يشعر الطفل معها بأن كل شيء خطر ومخيف.
التوازن في حماية الطفل حتى لا ينشأ اعتمادياً وخائفاً.
عدم إظهار الخوف أمام الطفل من أي مصدر.
معاملة الطفل طبقاً لسنه، بحيث لا تفرض عليه مسؤوليات يستطيع تحملها، ومن ثم يشعر بالعجز والخوف، وعدم القدرة على الإنجاز.
ويلاحظ أن المداخل السابقة تصلح كوقاية من الخوف، وعلاج له في الوقت نفسه.
من الخوف إلى السرور
ويضع المعالجون النفسيون أيدي الآباء والأمهات على مواطن علاج الخوف في نفوس أبنائهم فيقولون:
لا تجبروا صغاركم على نسيان مخاوفهم، أو عدم التصريح بها، ناقشوها معهم، وحللوها بشكل منطقي حتى يكتشف الطفل حجمها الحقيقي وتفقد سطوتها بالنسبة إليه.
اعتدلوا في عقاب الطفل حتى لا يتقوقع أو ينعزل ويرفض العمل والمشاركة خوفاً من الخطأ، ومن ثم العقاب.
حولوا انفعال الخوف إلى انفعال سار، فإذا كان الطفل يخاف من الظلام مثلاً، فيمكن انتهاز وقت الطعام لعرض صورة سماء مظلمة، وبها نجوم، ومناقشة روعة منظر النجوم، وكيف تلمع في السماء بشكل جميل وبديع، ويمكن أيضاً إطفاء النور، وحكي قصة طريفة للطفل في الظلام، بحيث يدرك بالتدريج أن الظلام ليس مصدراً للخوف فقط.
أشركوا المدرسة في علاج مخاوف الطفل ومناقشتها معه بحكمة، ورؤية تربوية سليمة.
ويحذر خبراء التربية من بعض الممارسات الخاطئة، وكذلك الأقوال التي تحول خوف الطفل الطبيعي إلى مرضي، فيقولون لكل أب أو مربٍ:
لا تعنف الطفل الخائف، أو تشعره بتفاهة مخاوفه.
"كن شجاعاً" أمر يجب ألا يقال إلا إذا اقترن بكيف تكون شجاعاً، وبما يمكن أن تفعله لتساعد ابنك على المواجهة، فإذا كان يخاف من النوم وحده، فيمكن النوم بجواره في أول ليلة، ثم الجلوس على طرف فراشه، ومداعبته حتى ينام في اليوم الثاني، وفي اليوم الثالث قف على باب الحجرة دقيقة، ثم غادره وعد بعد دقيقتين وهكذا، بحيث يتعلم الطفل التعامل مع مخاوفه.
"لا أحد يخاف من هذا الشيء سواك"، جملة يحذرك من قولها د. بول كولمان، مؤكداً أنها قول مستفز يجعل الطفل يشعر بالدونية والعجز، وعندما يفشل في مواجهة مخاوفه تزيد هذه المخاوف حدة.
لا تعتبر نجاح الطفل في مواجهة خوفه مرة دليلاً على إمكان نجاحه كل مرة، بل ذكره دائماً بهذا النجاح، وامتدحه، وشجعه ولا تعنفه حين يعود إلى الفشل مرة أخرى.
لا تنصح الطفل بتجنب ما يخاف منه، فقد تضطره الظروف إلى التعامل معه، وحينئذ يمكن أن يصاب بصدمة عسيرة العلاج.
لا تكافئ طفلك على خوفه، فإذا رفض الذهاب إلى المدرسة بسبب مخاوف معينة، فلا تقل له إنك سعيد بصحبته، بل قل له: أشعر بشوق شديد إليك، وأنت في مدرستك الجميلة، ولذلك تكون سعادتي أكبر حينما تعود.
إياك وتهديد الطفل بتركه وحده إذا لم ينجز ما تريده منه، فهذا التهديد يكرس إحساس الطفل بعدم الأمان والخوف من الوحدة.
"إذا كنت مريضاً فلا داعي للذهاب إلى المدرسة"، هذا القول خطأ تربوي كبير يمنح الطفل الضوء الأخضر لكي يتمارض، ويدعي الألم هرباً من المدرسة، والبديل في حالة التأكد من سلامة الطفل هو هذه العبارة الحميمة "شفاك الله وعافاك، وأعتقد أن هذا المشروب الدافئ مع صحبة زملائك الرائعين في المدرسة سيزيلان ألمك، هيا يا بطل فالفصل لن يكون جميلاً بدونك.
وهكذا يكون الفارق بين طفلين يخافان هو في تعامل الأبوين مع مخاوفهما، تعاملاً يحوِّلها إلى ذكرى تمحوها الأيام، أو إلى عقد متجذرة في النفس، لا تزول إلا بالموت.