رَدُّ الصَّارمِ المصقُولِ إلى نَحْرِ شاهره المخذُولِ الجاهلِ العابثِ بالأصولِ (نقد لفالح الحربي)
رَدُّ الصَّارمِ المصقُولِ
إلى نَحْرِ شاهره المخذُولِ
الجاهلِ العابثِ بالأصولِ
( نقــد لفالح الـحربي )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه أما بعد :
فقد اطلعت على مقال فالح المسمى بـ ( الصَّارم المصقول لمقارعة الصيَّال على الأصول ) ! الذي مُلِئَ بالظلم والأباطيل فقرَّرتُ الردَّ عليه في بعض المسائل التي تضمنها مقاله هذا :
- فأقول :
لقد سلك فالح مسلكاً رديئاً ظالماً في عرض كلامي ومناقشته فهو يعرض نُتَفاً من كلامي ويخفي مجموع سياقه وأدلته وقرائنه ثم يُرجف بما يوافق هواه ويؤكد عليه ويدندن حوله بما ينسبه إليَّ من التنازل المطلق عن الأصول ، وتنازل رسول الله صلى اله عليه وسلم عن رسالته ! ,تلك الفرية الكبرى التي افتراها عليَّ فالح وحزبه الأثيم , بل حتى النتف التي يختطفها لا يعول على شيئاً منها , بل يهدرها إهداراً ظالماً ولو كان عنده شيء من الإنصاف لخفف من ظلمه وشره .
- قال بعد كذب وتجن مشين من بحثه الصارم المصقول ص (3-4 ) :
" فكتب إليَّ معترضاً على إجابتي - السالفة- منكراً عليَّ قولي: إن هذه الأمور التي تركها النبي صلى الله عليه وسلم ليست من الأصول والعقائد التي لا يتنازل عنها، فقال: وإذن فترك الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا العمل ليس من باب عمل فرعي وإنما هو دفع للفتنة وتأصيل للأمة لتواجه به الأخطار والمشاكل والفتن.
وقال: "وصلاة الصحابة وراء عثمان وهو يتم في صلاة كان يقصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ليس من التنازل عن سنة أو عمل فرعي ".
وقال: "وأضيف أليس المشركون أنفسهم قد اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أموراً يوم صلح الحديبية للتنازل عنها فلأجل المصالح والمفاسد التي راعاها استجاب لهم فيها وهي من أصول الأصول".
ثم قال - بعد أن استدل على مذهبه بالنهي عن سب أوثان المشركين وموافقة النبي صلى الله عليه وسلم على محو كتابة "الرحمن الرحيم" و" محمد رسول الله" من الصحيفة يوم الحديبية -: " فهل هذا التصرف وهذه الموافقة والتسامح كانت في أمور يسيرة أو كانت في أمور كبيرة وأصول عظيمة.."؟!!.
فأعرضت عنه رجاء أن يقف عند هذا الحد لأنني لا أريد أن أدخل معه في مجادلات ومكاتبات لا تجر إلا الفتن وتشويش الأذهان والجناية على الدين وأهله، وكنت أظن أن خطل هذا المذهب لا ينطلي على صغار طلبة العلم فضلاً عن كبارهم، ولكنني فوجئت بتأييد بعض من ينتسب إلى العلم لهذا المذهب حتى قال بعضهم: كلام ربيع كله حق وكلام فالح كله باطل ، وأخذ هذا المذهب ينتشر بين طلبة العلم، بل لج هؤلاء وجدوا في إغلاظ النكير على من يقول لا يتنازل عن أصول الإسلام وضللوه وبدعوه وأمروا بهجره، وبان أنهم كانوا من الضعف في فقه الدين على حال متدن -للأسف- أكثر مما كان يظن فيهم، فأدركت خطر هذا المذهب وأنه لا يجوز السكوت عليه، ، لأنه يفضي إلى الانسلاخ من الدين، فبدأت أكتب في الرد على ما وقع فيه ربيع من مخالفات لأهل السنة في الأوراق التي بعثها إلي، وذلك بعد إصراره على مذهبه، وعدم قبول نصح الناصحين، ومنها مناقشتي له شخصياً مباشرةً، ورفضه قبول الحق الواضح وإصراره على الباطل البيّن، ومن هذه المخالفات هذه القضية، وقضية أن الإيمان يصح بدون عمل، وقضية تحريم التقليد مطلقاً، وقد فرغت من ذلك في كتاب أسميته: " الغرر الجليات في الرد على المدخلي ومؤيديه بالعمومات والكليات".
ونظراً لطول الكتاب وحاجتي إلى مراجعته وتنقيحه حتى يخرج في صورة مناسبة عزمت على إخراج الفصل المتعلق بمسألة دعوى ربيع" جواز التنازل عن أصول الإسلام لأجل المصالح والمفاسد"، وقد أسميته: " الصارم المصقول لمقارعة الصيال على الأصول".
- التعليق على هذا الكلام المليء بالأباطيل :
1- انظر إليه حيث لم يلتفت إلى قولي : " إنما هو دفع للفتنة من باب المستحبات وتأصيل للأمة لتواجه الأخطار والمشاكل " .
فهل التأصيل لمواجهة الأخطار ودفع الفتن من باب المستحبات ؟! وهل تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف ما كان إلا أمراً يسيراً مجرد تنازل عن سنة عابرة ؟ وكذلك يقال في صلاة الصحابة وراء عثمان متمين ليس هو مجرد تنازل عن سنة , بل كان لمراعاة المصالح والمفاسد العظيمة وكان فيه تنازل عن واجب على الراجح ألا وهو قصر الصلاة لأنهم مسافرون ولو فرضنا أن القصر في السفر سنة لكان قولي صحيحاً فإن القصر فيه تنازل عن ركعتين ركعتين من الصلوات الرباعية ,وهذه الركعات المتنازل عنها تعد من الأصول لا من السنن , فتسامح الشارع الحكيم فأسقطها عن المسافرين مهما طال سفرهم مراعاةً لظروفهم ومراعاةً لمصالحهم ودرء للمشقة عنهم .
فهل يعتقد فالح أن هذه الركعات من الصلوات الرباعية هي من أصلها سنة وما حصل التنازل فيها إلا عن سنة ,لو قال هذا هو وغيره فما حكمهم في الإسلام ؟ .
2- وانظر إلى نقله لقولي: " وأضيف أليس المشركون ...الخ
أتدري ماذا ارتكب فيه ؟ لقد ارتكب فيه خيانتين لا تسهلان إلا على من أهانهم الله .
الأولى – كانت تعليقاً على قوله : عندما اقترح المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتنازل عنها ...الخ
حيث قلت : نعم كان المشركون ...الخ (ص11) من النصيحة الثانية .
والثانية - هي بداية تعليق آخر على قوله : عندما اقترح المشركون ...الخ
حيث قلت : " قد أجبت عن طرف منه وأضيف أليس المشركون ...الخ
فما الداعي إلى حذف هذه الجملة المهمة ؟ إنه الخيانة وسوء القصد .
فهل يحتاج صاحب الحق إلى ارتكاب مثل هذه الخيانات ؟ وليست هذه المرة هي الأولى له .
فقد ارتكب في كتابه " تنبيه الألباء " أسوأ منها وبينت له وللناس ذلك فلم يخجل هو ولا حزبه , لأن مثل هذه التصرفات والكذب هي من أصولهم الفاسدة التي لا يقوم منهجهم الفاسد إلا عليها .
3- وانظر إلى قولي : " وموافقة النبي صلى الله عليه وسلم على محو كتابة الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله من الصحيفة يوم الحديبية حيث لم يردعه الكلام الواضح السليم الذي لا ينكره مسلم لم يردعه هذا عن فريته الكبرى عليَّ وتقويلي كلاماً أراه أنا وغيري كفراً أكبر , ألا وهو قوله : " هو تنازل رسول الله عن رسالته وزاد فرية أخرى ألا وهي ما نسبه إليَّ هو وشيعته كذباً وفجوراً من أني قلت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تنازل عن الإيمان بالاسمين الرحمن الرحيم وما دلا عليه من صفة الرحمة " ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً ) (الكهف5)
4- وانظر إلى قوله : " فأعرضت عنه رجاء أن يقف عند هذا الحد إلى قوله فأدركت خطر هذا المذهب " .
انظر كيف يمدح نفسه بصفات يشهد الله ومن يعرف حقيقته من السلفيين أنه من أبعد الناس عنها وأنه من أسرع الناس إلى الشر والظلم والفتن .
5- وانظر إلى قوله : " وأخذ هذا المذهب ينتشر بين طلبة العلم ،بل لجَّ هؤلاء وجدَّوا في إغلاظ النكير على من يقول : لا يتنازل عن أصول الإسلام وضللوه وبدَّعوه وأمروا بهجره " .
انظر إلى هذا الفجور حيث جعل التنازل عن أصول الإسلام مذهباً لنا ينتشر بين طلبة العلم ويبدع ويضلل ويؤمر بهجر من لا يرى التنازل عن أصول الإسلام ومن يعمل هذه الأعمال الداعية إلى الكفر بالإسلام ؟ ويبدع ويضلل ويأمر بهجر من لا يسلم بهذا المذهب ؟ إنه ربيع وكل من أيده مثل الشيخ النجمي والشيخ محمد بن هادي والشيخ علي بن ناصر والشيخ وصي الله والشيخ بازمول وأخوه وغيرهم من السلفيين الذين أيدوا نصيحتي في اليمن والشام والجزائر والمدينة ومكة والرياض وغيرها من البلدان .
أيُّها الأفَّاك أثبت هذه الدعوى العظيمة بالأدلة على كل قائل من كلامه ودون ذلك خرط القتاد ,وهل سمع الناس مثل هذا الإفك العظيم ؟ وهل أنصارك المحاربون الأفاكون على شبكة الأثري معروفون حتى يؤمر بهجرهم أنتم يا فالح الذين تديرون المعارك بالأكاذيب والخيانات والسلفيون لا يردون إلا ظلمكم وكذبكم وخيانتكم ,وليسوا دعاة إلى التنازل عن أصول الإسلام ولا إلى الإيمان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تنازل عن رسالته ، ولا ولا إلى أخر أكاذيبكم ومنها رميكم للسلفيين بالإرجاء على طريقة غلاة الخوارج .
6- وانظر إلى قوله :" فأدركت خطر هذا المذهب وأنه لا يجوز السكوت عليه "
حيث يضع نفسه في هذه المنـزلة وأنه يدرك ما لا يدركه العلماء الكبار لنصائح قرأوها وفهموها وأيدوها .
فاسألوا العلماء هل وجدوا في كلامي أني قلت إن رسول الله تنـازل عن رسالته ؟ .
وهل وجدوا في كلامي دعوة إلى التنازل عن " أصول الدين " أو عن أصول الإسلام , العبارتين اللتين افتراهما فالح ثم هبَّ يدافع عن الإسلام على حد قول القائل " حاميها حراميها " .
اخترع هاتين الفريتين وغيرهما لما بينت له جهله وبغيه على السلفية وأهلها وأصولها وأيدني العلماء فيما أدنته فذهب يكيل التهم الفاجرة التي منها هاتان الفريتان .
ولم يرجع عن شيء من أباطيله ووجد من فجار الحدادية من يؤيده في أباطيله فزاده ذلك بغياً وعُتواً وتمادياً في هذا البغي .
7- وقوله : " لأنه يفضي إلى الانسلاخ من الدِّين " .
- أقول : نعم ما افتريته أنت يفضي إلى الانسلاخ من الدين ,وأما ربيع فإن كتاباته ودروسه ومنها هذه النصائح التي وجهها لك فإنها إنما تدعو إلى التمسك الشامل بالدين , أصوله وفروعه , كلياته وجزئياته , ومراعاة ما يراعيه من المصالح والمفاسد والأخذ بالرخص التي يحبها الله والتي هي من آثار حكمته ورحمته ,وتشريعه في مراعاة المصالح والمفاسد في الظروف العصيبة وعند الحاجات والضرورات مما يدل على كمال الإسلام وسماحته ورحمته بأهله بخلاف منهج الحدادية القائم على الجهل والتعنت الكاذب وتصوير الإسلام بأنه آصار وأغلال.
8- وقوله : " وإصراره على مذهبه وعدم قبول نصح الناصحين " .
لم أصر على خطأ والحمد لله ,والذي قدَّم الملاحظات المعروفة كانت ملاحظاته خطأ وزلة من أفاضل ,ولو كان شيء منها صواباً لما رددته ,زد أنّ هؤلاء الملاحظين كانوا قد أيدوني تأييداً مطلقاً ,وبعضهم كان يقول : " إني قلت لفالح إن الصواب مع الشيخ ربيع 100% وأنا معه " .
ثم أنهم قدموا لفاح نصائح وهم محقون فيها ونصائح لشبكته المسمى بـ" الأثري " فما كان من فالح الجاهل وشبكته إلا التسفيه والطعن في هؤلاء الأفاضل , وفي النهاية فهم معنا ضد ظلم فالح وشبكته , فلماذا لم يشر إلى شيء من هذا ؟ .
9- وما ينسبه إلي بأني قلت : إن الإيمان يصح بدون عمل ,وقضية تحريم التقليد مطلقاً ،فمن افنراءاته الكبيرة الكثيرة , وقد دحضت أنا وغيري هذه الأكاذيب كرات ومرات ,فيصدق عليه الحديث " إذا لم تستح فاصنع ما شئت " .
10- قال فالح : في صارمه المخذول ص(4-5) : " وليعلم طالب العلم أن باب المصالح والمفاسد باب واسع ،وأنه يختلف عن باب الضرورات ،والإكراه، هذه أبواب ضيقة تقدر بقدرها ،فلا يلبسن عليه المدخلي ويخلط هذه الأبواب بعضها ببعض ،فإنَّه لما رأى أنَّه وقع في ورطة بتأصيله هذا أدخل الضرورات والإكراه في هذا الباب (1) . مع أنه لا يخفى الفرق بين هذه الأبواب ،فالضرورة والإكراه رخص فيهما الشارع بأدلة خاصة معلومة لكل طالب علم ،أما باب المصالح والمفاسد فهذا مرده لأنظار المجتهدين يوازنون فيه بين المصالح والمفاسد ،والرجل يأتي إلى كل حكم شرّع بنص يخصه من عموم فيجعله من باب المصالح والمفاسد ،مع أنني لا أظن أنه يخفى عليه أن هذا الخاص لو لم يرد فيه دليل خاص لا يستطيع أحد أن يخرجه من العموم باجتهاده ودعوى مراعاة المصالح والمفاسد في هذا الحكم العام الواجب أو المحرم " .
هذا الكلام المغمغم مشحون بالجهل والاضطراب والكلام عن أصول الإسلام بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير .
- وأقول :
أ- هذا الخلط الذي تنبَّه له الإمام فالح (!) قد وقع فيه العلماء قبل ربيع ومنهم شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم (!) وقالوا : إنَّ الدِّين كلَّه مبنيٌّ على مراعاة المصالح والمفاسد .
ثمَّ هل المُكره الذي يدفع عن نفسه الضرب والحبس والقتل بالتصريح بالكفر لم يدفع عن نفسه مفسدة ولم تحصل له مصلحة ؟! والمضطر الذي يدفع عن نفسه الموت بأكل الميتة ولحم الخنزير لم يدفع عن نفسه مفسدة ولم يجلب لنفسه مصلحة ؟! إن كابرتَ في هذه الأمور الجليَّة فالواجب الذهاب بك إلى مستشفى من مستشفيات الأمراض العقلية أو أن تُودع في السجن لحماية الدِّين من هذه الهلوسات والسفسطات .
ب- إذن أنتَ ترى أنَّ الشارع رخَّص في أبواب الضرورات والإكراه في التنازل عن الواجبات وتناول المحرمات لكنَّك تعارض في التنازل باسم المصالح وتفتح أبواباً للتنازل لكن باسم الرُّخص فكيف يحلُّ لك تجويز التنازل عن الأصول والواجبات وتناول المحرَّمات باسم الرُّخص وفي الوقت نفسه لا تُجيز عنها باسم مراعاة المصالح ؟!
ويكون الذي قال بمراعاة المصالح والمفاسد داعياً إلى التنازل عن أصول الدِّين ومفضياً قولُه إلى الانسلاخ من الدِّين ؟! . وأنتَ تقول بالتنازل مثل قوله لكنَّك لا تكون هادماً للدِّين بل من حُماته المجاهدين !!.
يا أيها الرَّجل إذا كان الدِّين كلُّه مبنياً على مراعاة المصالح والمفاسد فالرُّخص والعزائم داخلة فيها والمترخص يجلب لنفسه مصلحة ويدفع عنها مفسدة ثمَّ إنَّ مذهبك الأساس إنكار مراعاة المصالح والمفاسد ولمَّا أدركتَ بطلان تأصيلك القائم على الجهل والهوى لجأتَ إلى القول بأبواب الضرورات والإكراه وإدخالها في الرُّخص ثمَّ تتلاعب بعقول الجهلاء فتضع الفوارق والحواجز بين الرُّخص ومراعاة المصالح والمفاسد . فأتيتَ بما لم تستطعه الأوائل!!
ج- من سبقك من العلماء إلى تجريد الرُّخص من الحكم ومراعاة المصالح والمفاسد في شئون الأمة الإسلامية ودينها ,اللهم إلاَّ الجهمية الجبرية .
فهنيئاً لك بهذا المذهب وأهله فإنهم يُجرِّدون الشريعة ويُعطِّلُونها من الحِكَم والعِلَل والمصالح .
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في هذا المعنى في "الواسطية" /ص38 :
" والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم وللعباد القدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال الله تعالى : ( لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حِكَمَها ومصالحها " اهـ.
- قال الشيخ خليل هراس -رحمه الله- في شرحه لكلام شيخ الإسلام :
( وضلَّ في القدر طائفتان كما تقدَّم :
- الطائفة الأولى : القدرية نُفاة القدر الذين هم مجوس هذه الأمة ...
- والطائفة الثانية : يُقال لها الجبرية وهؤلاء غلَوْا في إثبات القدر حتى أنكروا أن يكون للعبد فعلٌ حقيقةً بل هو في زعمهم ( لا حرية له ولا اختيار ولا فعل ) كالريشة في مهب الرياح إنَّما تُسند الأفعال إليه فيُقال صلَّى وصام ,وقتل وسرق كما يُقال : طلعت الشمس ,وجرت الريح ونزل المطر فاتَّهموا ربَّهم بالظلم وتكليف العباد بما لا قدرة لهم عليه ومجازاتهم على ما ليس من فعلهم واتَّهموه بالعبث في تكليف العباد وأبطلوا الحكمة من ( الأمر والنَّهي ) أَلاَ ساء ما يحكمون ) اهـ.
11- قال فالح : في صارمه المخذول (ص5) : " ليعلم ربيع ومن يؤيده ومن على شاكلته أنهم بذلك قد وقعوا في مخالفة الإجماع، ولن يستطيعوا أن يأتوا بسلف لهم في هذا المذهب، وبهذا يعلم طالب العلم مدى تطبيق ربيع لقاعدة أهل السنة والجماعة في وجوب الاحتكام إلى فهم السلف، ومدى حذرهم من القول بقول لا سلف لهم فيه، فالرجل لديه جرأة عجيبة على التقعيد والتأصيل والهجوم على نصوص الوحي دون الرجوع إلى فهم السلف، وقد أوقعه في ذلك مغالاته في محاربة التقليد، وترك تفصيل أهل العلم وتأصيلهم " اهـ.
- فأقول : " رمتني بدائها وانسلت " فهذا المذهب إنما اخترعه فالح صاحب الاختراعات المخالفة للسلف ,فهو المخالف للإجماع والمفتري لهذا الإثم الكُبَّار .
وفالح هو الذي اخترع إخراج أهل البدع عن أصول أئمة الجرح والتعديل .
وفالح هو الذي استصغرهم وحطَّ من منـزلتهم ولا سلف له في ذلك إلا الروافض والخوارج .
وفالح هو الذي يفتري الفرق بين باب الضرورات والإكراه وبين مراعاة المصالح والمفاسد ,فمن سلفه في تجريد الرخص من مراعاة الحِكَم والمصالح ؟! وهي إنما قامت عليها ,بل الشريعة كلها بعزائمها ورخصها قائمة عليها كما هو واضح من نصوص الكتاب والسنة وكما قرَّره فحول العلماء .
ولا بد من عودة لتوضيح بعض المسائل وبيان أنني على حق فيها وأن فالحاً وحزبه على ظلم فيها شنيع وكذب فظيع .
- المسألة الأولى : نسبته إليَّ أني قلت : إن الرسول تنازل عن رسالته ,وهذه فرية عظيمة يبوء بها من افتراها ألا وهو فالح وحزبه الذي يؤيده في كل باطل ,فالقول بأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تنازل عن رسالته رمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالكفر ,وما قالها مسلم قط ولا يرضاها مسلم قط ,ومن يقول ويرضى أعظم أنواع الكفر بالله ؟ وأبرأ إلى الله من تكفير أي مسلم ولو كان مبتدعاً ,فكيف بأفضل النبيين والمرسلين والمؤمنين وبأصحابه الأكرمين .
والذي افترى هذا القول العظيم الذي لا تطيقه السماوات والأرض والجبال إنما هو فالح وهو الذي يتحمل مسئوليته في الدنيا والآخرة ويلحق به من أيده وشايعه ونشره .
أما الكلام الذي قلته في نصيحتي لفالح فهو ما يأتي :
(( أقول: لقد تسامح رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الصلح في أمور عظيمة من أصول وفروع، فمن الأصول التي تسامح فيها عدم كتابة "بسم الله الرحمن الرحيم" والأخذ بما اقترحه سهيل بن عمرو "باسمك اللهم" مع غضب الصحابة وحلفهم بالله أنه لا يكتب إلا "بسم الله الرحمن الرحيم"
وتسامح في عدم كتابة " محمد رسول الله " ،وهي الركن الثاني من أركان الشهادتين ،أصل الإسلام وكتابة ما أصر عليه سهيل بن عمرو مندوب قريش " محمد بن عبد الله " . إلى شروط مجحفة منها أن محمداً صلى الله عليه وسلم يرد من جاءه من مكة مسلماً ،ولا ترد قريش من جاءها من المدينة ،مما زاد الصحابة حنقاً وغيظاً حتى قال عمر رضي الله عنه وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم : " ألست نبي الله حقاً ؟ فقال رسول الله بلى ،فقال عمر ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ فقال رسول الله بلى، فقال عمر : فلم نعطي الدنية في ديننا ؟.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رسول الله ولست عاصيه وهو ناصري" .
لأن النبي صلى الله عليه وسلم يدرك ما لا يدركه عمر الفاروق العبقري ولا غيره.
- ثم أقول :
ما رأيكم في هذا التسامح الذي قام على جلب المصالح ودرء المفاسد، أليس لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة .
فلعل العلماء الذين ترى سكوتهم تنازلا وربما رأيته كتماناً وخيانةً أبعد نظراً منك وأعرف بالمصالح والمفاسد، وأعرف بالقواعد والأصول، وما يترتب على المواقف والتصرفات.
وإلى الله المشتكى من تسرعات ومبادرات ليس فيها أي التفات إلى هذه الأمور العظيمة فأذاقت الدعوة السلفية الأمرين وأوقعتها في غربة وكربة )).( النصيحة الثانية ص/34 )
فهذا الكلام الذي قلته هو أمر معروف لدى المسلمين وتناقله المسلمون في كتب السنة وكتب التأريخ والسير ولا غبار عليه .
انظر ما في هذا الكلام :
1- لقد قلت تسامح رسول الله بدلاً من ( تنازل ) إكراماً لرسول الله وأخذاً لهذا اللفظ من سماحة شريعتة .
2- قلت : " تسامح في عدم كتابة بسم الله الرحمن الرحيم قاصداً بذلك التفريق بين الكتابة وبين المكتوب وهو الله الرحمن الرحيم وصف الله بالألوهية والرحمة .
3- قلت : و" تسامح في عدم كتابة محمد رسول الله قاصداً بذلك التفريق بين الكتابة والمكتوب ألا وهو ( محمد رسول الله ) صلى الله عليه وسلم الذي يعد التنازل عنه كفراً ، ولاسيما على ما يريده فالح وهو التنازل الأبدي ولا يخطر هذا إلا ببال الشيطان الرجيم فكيف بمسلم يذب عن دين الله وينافح عنه .
4- وأشرت بقولي " شروط مجحفة إلى شدة الأمر الذي كان يواجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم والظروف الصعبة التي واجهها والتي قد تكون أشد من الإكراه . وليعلم القاريء أنه ليس هدف قريش حينذاك كتابة محمد رسول الله أو عدم كتابتها وإنما هدفهم جحد رسالته صلى الله عليه وسلم والكفر بها .
وقل مثل ذلك في عدم كتابة بسم الله الرحمن الرحيم .
5- ولماذا سقت قولي " مما زاد الصحابة غيظاً " فهل يفيد هذا الكلام أن الصحابة قد تنازلوا عن شهادة محمد رسول الله ؟ أو أنهم أشد الناس تشبثاً برسالته ودينه ؟ .
6 - ولماذا سقت قول عمر " ألست بنبي الله حقاً وقول رسول الله بلى " ؟
فهل هذا الكلام فيه تأكيد للتنازل عن شهادة أن محمداً رسول الله ؟ أو هو تأكيد للتمسك بها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن عمر ومن الصحابة رضي الله عنهم ؟!
7 - ولماذا سقت قول عمر : " ألسنا على الحق وعدونا على الباطل " وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (بلى) جواباً لعمر ؟ ألا يفيد هذا ضد ما يفتريه فالح ؟
8 - وماذا يفيد إيرادي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني رسول الله ولست عاصيه وهو ناصري " ؟
هل يفيد تأكيد التنازل المفترى عليّ ؟ أو يفيد تأكيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت هو وأصحابه على الإيمان برسالته والإيمان بنصر الله لدينه ورسالته على الكفر وأهله ؟
9 - وماذا أقصد بقولي " لأن النبي صلى الله عليه وسلم : يدرك ما لا يدرك عمر الفاروق ولا غيره " ؟
ألست أرمي إلى المصالح والانتصارات لهذه الرسالة العظيمة التي ترتبت على هذا الصلح الذي كان فتحاً لهذه الرسالة ؟ .
هذه السياقة والقرائن كلها تدمغ فالحاً وفريته العظمى عليّ ! إذ المعروف والمعقول عند الناس عربهم وعجمهم مسلمهم وكافرهم أن الداعي إلى شيء إنما يأتي بما يزينه ويزخرفه ويغري الناس به فهل في هذا السياقات كلها والقرائن ما يؤكد ما يفتريه فالح ؟!
10 - وقولي : " ما رأيكم في هذا التسامح الذي قام على جلب المصالح ودرء المفاسد " ؟
ففالح لا يؤمن بهذا التسامح ولا بجلب المصالح ودرء المفاسد التي هي من أعظم أصول الإسلام وقوله بحصر المصالح في السنن - إن صدق فيه -يعطل مراعاة المصالح والتسامح في كل جوانب الإسلام إلا هذا الجانب .
11 - وماذا أقصد بقولي : " فلعل العلماء الذين ترى سكوتهم تنازلاً...الخ " ؟
فإذا كنت أنفي التنازل المذموم عن العلماء فكيف أجيز تنازل محمد صلى الله عليه وسلم عن رسالته العظيمة ؟! .
الأمر الذي يريد فالح أن يغرسه في عقول الناس ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِباً ) (الكهف: من الآية5) وهناك أدلة أخرى في سياق هذا الكلام تركتها اختصاراً وكل ذلك يدين فالحاً بالكذب والافتراء الذي لا يلحق فيه .
وأخبراً فإنني من شبابي وأول حياتي العلمية أدعو الناس إلى التمسك بأصول الدين وفروعه وواجباته ومستحباته وأحذر من محرماته ومكروهاته ،وأنكر البدع صغيرها وكبيرها نصيحة لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين وعامتهم ، وأوالي على ذلك وأعادي فيه وهذا دأبي ومنهجي في مؤلفاتي ، ومقالاتي ، ودروسي وأشرطتي ،وهي منتشرة بين خاصة الناس وعامتهم وأسأل الله الثبات على ذلك إلى أن ألقاه (2) .
وإنكاري على فالح وأمثاله وأعوانه ، إنما هو من هذا الباب من باب النصيحة ومن باب إنكار المنكر ومن باب الذب عن المنهج السلفي وحملته من العلماء السابقين والمعاصرين ، وكل ذلك شواهد واضحة على بطلان ما يدعيه ويلفقه هذا الرجل واتباعه .
- المسألة الثانية : نسبته إليَّ أَنِّي قلت : يجوز التنازل عن أصول الدِّين !!
فكلمة " الدِّين " لم ترد في كلامي أبداً ,وهذا الإطلاق لم يصدر مني ,وإنما قررت ما قرره الكتاب والسنة وقرره العلماء في ظروف وأمور تراعى فيها المصالح والمفاسد ولها أدلتها وبراهينها , قررت ذلك في نصيحتي وفي بحوث أخرى تؤكدها وتبين مصداقيتها ألا وهي :
1- التسامح في الشريعة الإسلامية .
2- وهل يجوز التنازل الواجبات عند الحاجات والضرورات .
3- وملخص للتسامح في الشريعة الإسلامية .
فجاء هذا الرجل فانتزع كلمة أصول من سياقها وسباقها وقرائنها وأدلتها , تلك الأمور التي تبين أن كلامي حق , انتزعها وضم كلمة " دين " إليها إرجافاً وتهويلاً ,فمثله كمثل رجل يجيء إلى قول الله تعالى ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) (سورة الماعون) فينتـزع قوله تعالى :[ فويل للمصلين ]من هذا السياق والسباق واللحاق ,ليوهم المجرمين أن الله يتوعد المُصلِّين المؤمنين , فجعل بعمله هذا الصلاة جريمةً والمصلُّين مجرمين .
- قال الشاعر الماجن في هذا المعنى الفاجر :
دع المساجد للعُبَّاد تسكنها * * * وطف بنا حول خمَّارٍ ليسقينا
ما قال ربك ويلٌ للألى سكروا * * * وإنما قال : ويلٌ للمصلينــا !!
هكذا يفعل أهل الفتن والفساد والإفساد يقلبون الأمور فيجعلون الحق باطلاً والباطل حقاً والمبطلين محقين والمحقين مبطلين .
ولقد قطع فالح وحزبه شوطاً كبيراً في هذا المضمار ( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ٌ) ( إبراهيم 42-43 )
( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً ) (الأحزاب58)
ولا سيما هذا الظلم الكبير الذي لا تطيقه السماوات والأرض .
- ومن الأدلة التي تبطل فرية فالح وحربه لي بالباطل :
- أولاً : أنني دعوت في مطلع نصيحتي له إلى التمسك بالكتاب والسنة وأن الله قد أوجب ذلك على الناس حيث قلت :
" أخي أنت تعلم وكل متمسك بالكتاب والسنة أن الله أوجب على الناس إتباع الأنبياء وإتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، وإتباع ما جاء به من كتاب وسنة في نصوص كثيرة من القرآن والسنة، منها قوله تعالى: ( اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ )(الأعراف3)
وقال سبحانه : ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (الأنعام:153)
وقال تعالى
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (آل عمران:103)
فهذه النصوص كلها تبطل التقليد وتحرمه.
وقال تعالى في ذم المقلدين
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (البقرة:170)
وقال تعالى
وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) (الزخرف:23)
وقد استدل أئمة السنة والإسلام بهذه الآيات ونظائرها على تحريم التقليد على من يستطيع أن يفهم نصوص الكتاب والسنة سواء كان من أهل الاجتهاد أو من أهل الإتباع.
وقرروا أن التقليد إنما يجوز للعاجر عن إدراك الحق من الكتاب والسنة وأن التقليد كالميتة أصلها حرام وإنما يجوز للمضطر أكلها.
ولقد علمت أن أئمة الإسلام حرموا على الناس أن يقلدوهم، وأن منهم من يقول لا يجوز لأحد أن يأخذ بقولي حتى يعلم من أين أخذت.
ويقول الإمام الشافعي:" إذا خالف قولي قول رسول الله فاضربوا بقولي عرض الحائط".
ويقول الإمام أحمد:" لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الأوزاعي وخذ من حيث أخذوا".
وقرر علماؤنا أئمة السنة القاعدة المعروفة المنسوبة إلى الإمام مالك:" كل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقالوا : "إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل" ،كل ذلك منهم محاربة للتقليد . ( النصيحة الثانية ص/21)
ونقلت في هذا المعنى كلاماً لشيخ الإسلام ضمنه دعوة للكتاب والسنة وكلام الأئمة الأربعة في النهي عن التقليد .
ثم قلت : " أخي إن رسالات الرسل ما جاءت إلا بالتوحيد ومقتضياته وجاءت بهدم التقليد الذي هو أصل من أصول الشرك في أمم الضلال، كما دل على ذلك القرآن.
والعلماء في ديننا ما يتبعون إلا إذا استندت أقوالهم إلى نصوص الكتاب والسنة، فإذا خالفت أقوالهم النصوص وجب مخالفتها وردها، وإذا فقدت الأدلة لا يلزم أحداً إتباعهم.
والعلماء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:" يحتج لهم ولا يحتج بهم ". ( النصيحة الثانية ص/23)
أفمن يدعو للتمسك بالكتاب والسنة بهذا الأسلوب ويرى وجوب ذلك على المسلمين يكون داعياً إلى التنازل عن أصول الدين ، أم الداعي إلى التقليد الباطل هو الذي يلزم الناس بالتنازل عن أصول الدين وعن النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة الملزمة للناس بإتباع محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به .
- ثانياً : " قلت - مخاطباً لفالح ناقلاً لكلامه وراداً عليه - :
" 3- قلتم :" عندما اقترح المشركون على رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يتنازل عن شيء منها ، و هناك أمور الرسول صلى الله عليه و سلم صرَّح على أنه تركها ، مثل : (( لولا أن قومك ..)) حديث عائشة ، و كذلك لما الصحابة صلوا وراء عثمان و قد صلى خلف الرسول صلى الله عليه وسلم ركعتين ، و هو متِّمٌ ، و هكذا ؛ هذه الأمور ليست في الأصول و في الأمور الحتمية والقطعيَّة والعقائد فانتبهوا إلى هذا بارك الله فيكم ".
فقلت راداً عليه :
- أقول : " نعم كان المشركون يقترحون إبطال دعوته إلى التوحيد من أساسها، وإقامة دولة الشرك على أنقاضها، وهذا مطلب لا يستجيب له أضعف الناس عقيدة وإيماناً، فضلاً عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام " ( النصيحة الثانية ص/ 11) .
وأيضاً فمن يقول هذا الكلام يكون داعياً إلى التنازل عن أصول الإسلام بهذا الإطلاق الذي يدعيه فالح ويلصقه بي ثم لا قيود بأحوال وظروف ولا مراعاة الضرورات والحاجات ولا مراعاة المصالح والمفاسد بل دعوة إلى التنازل عن أصول الدين من أجل التخلص من هذه الأصول ونبذها الأمر الذي يريد فالح أن يفهمه الناس . لقد انتزع فالح كلمة واحدة من وسط أدلتها وقرائنها وسياقها وسباقها مكراً وكيداً وخيانة ليوهم الناس أن ربيعاً يدعو المسلمين إلى ما يُشبه الردة فإن الدعوة مطلقة من كل ما ذكر لا معنى لها إلا دعوة المسلمين إلى الردة و ياَ لَهُ من بهت !!
إن كلمة أصول التي وردت في كلامي يسبقها ويقترن بها ويلحقها ما يبطل هذه الفرية العظيمة التي تنوء بها الجبال ومن يقرأ هذا الفصل الذي يشغل ست صحائف والذي اختطف منه فالح هذه الكلمة ضارباً عرض الحائط بما سقته من كلام العلماء وما ذكرته من مراعاة المصالح والمفاسد والنتائج العظيمة التي ترتبت على صلح الحديبية وما الذي حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبول شروط قريش المجحفة الظالمة وتسامحه في عدم كتابة بسم الله الرحمن الرحيم وعدم كتابة محمد رسول الله وكتابة ما اقترحه مندوب قريش وما أشرت إليه من نتائج عظيمة ترتبت على هذا التسامح من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك فداحة ما ارتكبه فالح من خيانة وكتمان شنيع لأمر يسلم به كل ذي فقه ودين وخلق متين يؤمن بما تضمنته من حكم ومصالح شريعةُ رب العالمين وكيف طبقها الرسول الأمين .
وهاكم سياق كلامي وما حواه من أدلة وما بينت من تسامح الإسلام وما فيه من مراعاة المصالح والمفاسد التي بُني عليها الإسلام وكيف تحدثت عن هذه المصالح التي يحاربها فالح واستشهدت بكلام الإمام ابن القيم والحافظ ابن حجر وكلامهما عن المصالح العظيمة التي ترتبت على صلح الحديبية الذي قام على مراعاة المصالح والمفاسد الأمر الذي يدين هذا الرجل بالظلم والافتراء على طريقة فجار أهل البدع وغلاتهم المحاربين للسنة وأهلها حيث يرمونهم بالبوائق التي برأهم الله منها .
قلت في النصيحة الثانية ( ص/12) : ( 4- قلتم :" و هناك أمور الرسول صلى الله عليه و سلم صرَّح على أنه تركها ، مثل : (( لولا أن قومك ..)) حديث عائشة ، وكذلك لما الصحابة صلوا وراء عثمان و قد صلى خلف الرسول صلى الله عليه و سلم ركعتين ،و هو متِّمٌ و هكذا ؛هذه الأمور ليست في الأصول و في الأمور الحتمية والقطعيَّة والعقائد فانتبهوا إلى هذا بارك الله فيكم ".
- فقلت معلقاً : أقول : "إن ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء الكعبة من ترك مصلحة مرجوحة لدرء مفسدة كبيرة، درؤها هو الراجح والمقدم.
هذه المفسدة هي خشية أن ترتد قريش وغيرهم من العرب لمكانة الكعبة في نفوسهم ، ونفوس آباءهم وأجدادهم، إذ هي مصدر فخرهم واعتزازهم.
فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم لدرء هذه المفسدة.
فعمل الرسول هذا تقعيد لقاعدة عظيمة، وتأصيل متين لأمته ليواجهوا به الأحداث والمشاكل الدينية والسياسية والاجتماعية وغيرها.
وإذن فترك الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا العمل ليس من باب ترك عمل فرعي، وإنما هو دفع للفتنة وتأصيل للأمة لتواجه به الأخطار والمشاكل والفتن.
ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ،وسد الذرائع المفضية إلى الأضرار والمفاسد من الأصول العظيمة التي لا يقوم الإسلام وحياة المسلمين إلا عليها.
خذ مثلاً قول الله تعالى : ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام 108)
فإن سب أوثان المشركين حق وقربة إلى الله وإهانة للأنداد، لكن لما كان يؤدي إلى مفسدة كبرى هي سب الله وجب تركه ، فليس هذا العمل من باب الفروع، وإنما هو من باب الأصول والعقائد.
وصلاة الصحابة وراء عثمان وهو يتم في صلاة كان يقصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ليس من التنازل عن سنة أو عمل فرعي، وإنما هو من باب درء المفاسد الكبرى، فلو تركوا الصلاة خلف إمام المسلمين لأدى ذلك إلى الخلاف والتنازع وافتراق الأمة وسفك الدماء.
وقولك : " عندما اقترح المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتنازل عن شيء منها...".
قد أجبت عن طرف منه (3) .
- وأضيف : أليس المشركون أنفسهم قد اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمورا (4) يوم صلـح الحديبـيـة للتنازل عنها فـلأجل المصـالح والمفاسد (5) التي راعاها استجاب لهم فيها وهي من أصول الأصول (6) .
لأن من وراء ذلك مصالح عظيمة، منها النصر العزيز والفتح المبين واقتلاع جذور الشرك والكفر، وهو صلى الله عليه وسلم بهذا الصلح العظيم كان يشرع قواعد الصلح والسلم ، وقواعد المعاهدات بين الدولة الإسلامية وبين أعدائها.
قال تعالى إشادة بهذا الصلح : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) (الفتح 1-4)
لأن المؤمنين كانوا قد نزل بهم من الغم والكرب بسبب الصلح، الذي ظاهره ضيم وظلم، وباطنه العزة والنصر ،الأمر الذي هو فوق مدارك البشر، والذي اطلع الله عليه رسوله الكريم ،وكان صلى الله عليه وسلم يتلقى الشروط الظالمة المتغطرسة بصدر رحب ونفس مطمئنة ،وهو في غاية الثقة بإعلاء كلمة الله ونصر ربه.
روى البخاري في صحيحه في كتاب الشروط (حديث2731-2732) من حديث المسور بن مخرمة ومروان في قصة عزوة الحديبية أنه لما جاء مندوب قريش سهيل بن عمرو وقال هات اكتب بيننا وبينكم كتاباً فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكاتب فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
" بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال سهيل أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي ولكن اكتب " باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال النبي :" اكتب باسمك اللهم"، ثم قال:" هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله" فقال سهيل :" والله لو كنا نعلم انك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب " محمد بن عبد الله" فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله ".
فهل هذا التصرف وهذه الموافقة والتسامح كانت في أمور يسيرة ،أو كانت في أمور كبيرة ،وأصول عظيمة ،لكن لأجل أن وراءها ما لا يدركه العقل من نصر الإسلام وظهوره على الكفر والشرك .
- تعليق :
1 – هل ذكرت هذه المصالح العظيمة والنصر العزيز والفتح المبين واقتلاع جذور الشرك والكفر هل ذكرت هذه الأمور لأجل رسالة أَثْبَتُ من السماوات والأرض أو لرسالة قد تنازل عنها رسول الله وأصحابه ؟!
قاتل الله أهل الفجور والكذب العظيم .
2 – لماذا سقتُ هذه الآيات العظيمة التي تضمنت الفتح المبين والهداية إلى الصراط المستقيم ،وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين وازديادهم إيماناً مع إيمانهم هل كل هذا من أجل رسالة تخلوا وتنازلوا عنها ؟!
3 – هل هذا العز والنصر الذي أقرره لرسالة قد حكمتُ بأن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم تنازل عنها وأَدْعُو إلى ذلك كما يفتري عليَّ هذا الأفاك ؟!
4 – ما هي كلمة الله التي أُشيد بإعلائها إن كان رسول الله قد تنازل عن رسالته ومعه أصحابه ؟! ألا بعداً للقوم الظالمين !
5 – لماذا سُقْتُ هذا النص من صحيح البخاري وفيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والله إني لرسول الله وإن كذبتموني ) ؟!
هل سقته لِأُؤكِدَ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتٌ على رسالته هو وأصحابه أو لأُثبتَ تنازله عن رسالته كما يفتري ذلك المفترون ؟!.
6 – تأمل قولي حول هذا التسامح في أمور عظيمة ؛ألا وهو قولي " لكن لأجل أن وراها ما لا يُدركُه العقل من نصر الإسلام وظهوره على الكفر والشرك " .
ماذا يحمل من إيمان عميق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبقائها ودوامها ونصرها وظهورها على كفر الكافرين وشرك المشركين ولا سيما على من اشترطوا عليه تلك الشروط الكافرة الجائرة ألاَ تعساً للمفترين على الأبرياء من المؤمنين .
كيف أسوق هذا النص وأنا أدعو إلى التنازل عن الأصول وأشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد تنازل عن رسالته ؟
ألا تدل هذه الأمور على أن فالحاً من ألد الخصوم للحق وأهله ومن أشدهم افتراءً وبهتاً .
ومما قلت : إن فوائد هذا الصلح لعظيمة جداً ذكرها الإمام ابن القيم في زاد المعاد نختار منها ما يناسب هذا المقام .
قال ابن القيم في كتابه زاد المعاد (3/304-306) عن فوائد صلح الحديبية :
" منها: جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم.
ومنها: احتمال قلة أدب رسول الكفار، وجهله وجفوته ولا يقابل على ذلك لما فيه من المصلحة العامة.
ومنها: أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شر منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما".اهـ
وقال في موضع آخر (3/309-310) : " في الإشارة إلى بعض الحكم التي تضمنتها هذه الهدنة : وهي أكبر وأجل من أن يحيط بها إلا الله الذي أحكم أسبابها فوقعت الغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمده.
فمنها : أنها كانت مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز الله به رسوله وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً، فكانت هذه الهدنة باباً له، ومفتاحاً، ومؤذناً بين يديه، وهذه عادة الله في الأمور العظام التي يقتضيها قدراً وشرعاً، أن يوطئ لها بين يديها مقدمات وتوطئات تؤذن بها وتدل عليها.
ومنها : أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضاً، واختلط المسلمون بالكفار، وبادؤوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان مختفياً بالإسلام، ودخل في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل، ولهذا سماه الله فتحاً مبيناً، قال ابن قتيبة: قضينا لك قضاء عظيماً، وقال مجاهد : هو ما قضى الله له بالحديبية " اهـ.
- قال الحافظ في الفتح (5/352) فيه : " فيه جواز بعض المسامحة في أمر الدِّين واحتمال الضيم فيه ما لم يكن قادحاً في أصله إذا تعيَّن ذلك طريقاً للسلامة في الحال والصلاح في المآل،سواء كان ذلك في حال ضعف المسلمين أو قوتهم (7) ".
- أقول : لقد تسامح رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الصلح في أمور عظيمة من أصول وفروع ،فمن الأصول التي تسامح فيها عدم كتابة "بسم الله الرحمن الرحيم" والأخذ بما اقترحه سهيل بن عمرو " باسمك اللهم" مع غضب الصحابة وحلفهم بالله أنه لا يكتب إلا " بسم الله الرحمن الرحيم".
وتسامح في عدم كتابة " محمد رسول الله"، وهي الركن الثاني من أركان الشهادتين، أصل الإسلام، وكتابة ما أصر عليه سهيل بن عمرو مندوب قريش " محمد بن عبد الله ".
إلى شروط مجحفة منها أن محمداً صلى الله عليه وسلم يرد من جاءه من مكة مسلماً، ولا ترد قريش من جاءها من المدينة، مما زاد الصحابة حنقاً وغيظاً حتى قال عمر رضي الله عنه وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:" ألست نبي الله حقاً؟ فقال رسول الله بلى، فقال عمر ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ فقال رسول الله بلى، فقال عمر: فلم نعطي الدنية في ديننا ؟.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رسول الله ولست عاصيه وهو ناصري".
لأن النبي صلى الله عليه وسلم يدرك ما لا يدركه عمر الفاروق العبقري ولا غيره.
- ثم أقول :
ما رأيكم في هذا التسامح الذي قام على جلب المصالح ودرء المفاسد ؟ أليس لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ؟!
فلعلَّ العلماء الذين ترى سكوتهم تنازلاً وربما رأيته كتماناً وخيانة أبعد نظراً منك وأعرف بالمصالح والمفاسد، وأعرف بالقواعد والأصول، وما يترتب على المواقف والتصرفات.
وإلى الله المشتكى من تسرعات ومبادرات ليس فيها أي التفات إلى هذه الأمور العظيمة فأذاقت الدعوة السلفية الأمرين وأوقعتها في غربة وكربة " .
وأحمدُ اللهَ الذي وفَّقني لاتِّباع الحق والتمسك بالكتاب والسنة ورد ما خالفهما في الأصول والفروع والدَّعوة إلى ذلك بكل الوسائل التي أستطيعها وإِنِّي لأدور - والحمد لله- مع هذا الحق حيث دار .
فأشتدُّ حيث تُطلب الشدة وأتسامح حيث يتسامح وأراعي المصالح والمفاسد وآخذ بالرخص التي يحبها الله ورسوله ويغضب الله ورسوله على من لا يأخذ بها وأراعي المصالح والمفاسد على طريقة الكتاب والسنة في أبواب الدين وعلى طريقة العلماء العاملين وأخالف الجهلة المتنطعين الذين لا يعترفون بسماحة هذا الدِّين بل أعتقد أنَّ من هؤلاء المتنطعين من هو مراء كاذب مثل فالح الجاهل وأمثاله الذين يضعون الشدة في غير موضعها.
ويترخصون ويميعون حيث يحارب الإسلام هذا التميع والترخص الباطل .
- المسألة الثالثة : بيان أن من مصائب فالح وجناياته على المنهج السلفي وأهله أنه لا يعترف بمراعاة المصالح والمفاسد في الإسلام ولا يلتزمها وقد أنكر عليه في ذلك فما يزيد إلا عناداً وتمادياً في جهله وظلمه وتشويه المنهج السلفي بعناده وتصرفاته.
وأخيراً صار يحصر مراعاة المصالح والمفاسد في المستحبات والمكروهات ، أما الواجبات والمحرمات فلا : قال في الصارم المصقول (ص/4) " الأول أن كلامي الذي اعترض عليه ربيع إنما هو في باب مراعاة المصالح والمفاسد وأن ذلك لا يترك فيه واجب ولا يفعل فيه محرم ، وإنما قد يتنازل فيه عن مستحب أو يفعل فيه مكروه،فأصول الإسلام وفرائضه وواجباته لا تترك مراعاة للمصالح والمفاسد"
وزاد الطين بلة بأن فرق بين المصالح والمفاسد وبين أبواب الرخص والضرورات فيا ويل العلم والإسلام من المتطفلين على العلم وما أظن أن فالحاً يبلغ نصف عالم ولا ربعه .
وما يدري المسكين أن الرخص وغيرها داخلة في مراعاة المصالح والمفاسد التي بني عليها الإسلام كله .
فهذا من أوضح الأدلة على جهله بالبدهيات . وأنه ممن يهدم أصول الإسلام بجهله المُطبِق وبتأصيلاته الفاسدة .
ولبيان أهمية وضرورة مراعاة المصالح والمفاسد في الإسلام وأن شرائع الإسلام قائمة عليها أسوق هنا ما تيسر من كلام علماء الإسلام :
- الشريعة كلُّها مبناها على المصالح :
1- قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - في منهاج السنة النبوية 6/118 :
" والجهاد لا يقوم به إلا ولاة الأمور فإن لم يغز معهم لزم أن أهل الخير الأبرار لا يجاهدون فتفتر عزمات أهل الدِّين عن الجهاد فإما أن يتعطل وإما أن ينفرد به الفجار فيلزم من ذلك استيلاء الكفار أو ظهور الفجار لأن الدين لمن قاتل عليه
وهذا الرأي من أفسد الآراء وهو رأي أهل البدع من الرافضة والمعتزلة وغيرهم حتى قيل لبعض شيوخ الرافضة إذا جاء الكفار إلى بلادنا فقتلوا النفوس وسبوا الحريم وأخذوا الأموال هل نقاتلهم فقال لا المذهب أنا لا نغزو إلا مع المعصوم فقال ذلك المستفتى مع عاميته والله إن هذا لمذهب نجس فإن هذا المذهب يفضي إلى فساد الدين والدنيا .
وصاحب هذا القول تورع فيما يظنه ظلما فوقع في أضعاف ما تورع عنه بهذا الورع الفاسد وأين ظلم بعض ولاة الأمور من استيلاء الكفار بل من استيلاء من هو أظلم منه فالأقل ظلما ينبغي أن يعاون على الأكثر ظلما فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين " اهـ
أ- انظر إلى تعميم شيخ الإسلام في قوله : " فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها " .
حيث لم يستثن الرخص ولا حصر المصالح والمفاسد في المستحبات والمكروهات .
ب- قارن بين فتوى هذا الشيخ الرافضي وبين تأييد فالح لأمريكا ضد المسلمين في أفغانستان .
2- قال الإمام ابن القيم -رحمه الله - في مفتاح دار السعادة (ج2/ص22) :
"وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان وان تزاحمت قدم أهمها وأجلها وأن فاتت أدناهما وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان وإن تزاحمت عطل أعظمها فسادا باحتمال أدناهما ، وعلى هذا وضع أحكم الحاكمين شرائع دينه دالة عليه شاهدة له بكمال علمه وحكمته ولطفه بعباده وإحسانه إليهم وهذه الجملة لا يستريب فيها من له ذوق من الشريعة وارتضاع من ثديها وورود من صفو حوضها وكلما كان تضلعه منها أعظم كان شهوده لمحاسنها ومصالحها أكمل ولا يمكن أحداً من الفقهاء أن يتكلم في مآخذ الأحكام وعللها والأوصاف المؤثرة فيها حقا وفرقا إلا على هذه الطريقة وأما طريقة إنكار الحكم والتعليل ونفي الأوصاف المقتضية لحسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه وتأثيرها واقتضائها للحب والبغض الذي هو مصدر الأمر والنهي بطريقة جدلية كلامية لا يتصور بناء الأحكام عليها ولا يمكن فقيها أن يستعملها في باب واحد من أبواب الفقه كيف والقرآن وسنة رسول الله مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح وتعليل الخلق بهما والتنبيه على وجوه الحكم التي لأجلها شرع تلك الإحكام ولأجلها خلق تلك الأعيان ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة .. ".
أ- انظر إلى كلام الإمام ابن القيم حيث يقرر بعلم أن شرائع الإسلام كلها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة والراجحة ..الخ
وقارن بينه وبين فالح ومن وافقه في إنكار مراعاة المصالح والمفاسد في معظم وأعظم جوانب الإسلام وحصرها جهلاً وكذباً على الله في المستحبات والمكروهات وهذا الحصر إنما لجأ إليه فالح إلجاءً .
ب- فالح لا يقول بهذا الكمال والعلم والحكمة واللطف والإحسان بل يحارب من يقول بهذه المزايا العظيمة لهذه الشريعة الغراء .
جـ- فالح ليس له أدنى ذوق من الشريعة ولا يدرك ما فيها من حكم وتعليل بل هو سالك في هذا الميدان مسلك الجهمية الجبرية ، ونعوذ بالله من هذا الجهل والضلال .
د- فالح وحزبه الجهلة لا يدركون أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مملوآن من تعليل الأحكام بالعلل والمصالح ...الخ
ولا يفهمون ولا يعلمون هذه الأدلة التي تزيد على ألف موضع ، وأظن أنهم ليس عندهم قابلية لهذه العلوم بل يناصبون أهلها العداء والخصومة ، إلا أن يرزقهم الله التواضع والأدب ويوفقهم لإعلان التوبة من إعلان حربهم لهذه الأمور ولأهل السنة فذلك بيد الله مقلب القلوب .
3- وقال أيضاً في إعلام الموقعين -رحمه الله - ( ج3/ص14) :
" فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل " اهـ.
تأمل كلام هذا الإمام الفقيه الذي أدرك بفقهه وعلمه أن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم والمصالح في المعاش والمعاد وأنها عدل كلها ومصالح كلها وحكمة كلها .... إلى آخر كلامه .
وأسأل فالحاً وحزبه هل يؤمنون بهذا الشمول في المصالح والكمال في الشريعة كلها ؟ فإن قالوا : لا ، فهم جهمية جبرية ، وإن قالوا : نعم ، فقد هدموا مذهبهم وظهر أمر الله وهو كارهون أو راضون .
4- وقال الشاطبي - رحمه الله - وهو يتحدث عن قصد الشارع إلى المسببات وأخذ المكلف بالأسباب :
" وأيضا فإنما محصول هذا أن يبتغى ما يهيء الله له بهذا السبب فهو راجع إلى الاعتماد على الله واللجأ إليه في أن يرزقه مُسبَباً يقوم به أمره ويصلح به حاله وهذا لا نكير فيه شرعا وذلك أن المعلوم من الشريعة أنَّها شرعت لمصالح العباد فالتكليف كله إما لدرء مفسدة وإما لجلب مصلحة أو لهما معا فالداخل تحته مقتض لما وضعت له فلا مخالفة في ذلك لقصد الشارع والمحظور إنما هو أن يقصد خلاف ما قصده مع أن هذا القصد لا ينبني عليه عمل غير مقصود للشارع ولا يلزم منه عقد مخالف فالفعل موافق والقصد موافق فالمجموع موافق " الموافقات (1/318) تحقيق مشهور حسن .
5- وقال -رحمه الله- :
" المسألة السابعة : إذا ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية وذلك على وجه لا يختل لها به نظام لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات فإنها لو كانت موضوعة بحيث يمكن أن يختل نظامها أو تنحل أحكامها لم يكن التشريع موضوعا لها إذ ليس كونها مصالح إذا ذاك بأولى من كونها مفاسد لكن الشارع قاصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديا وكليا وعاما في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال وكذلك وجدنا الأمر فيها والحمد لله وأيضا فسيأتي بيان أن الأمور الثلاثة كلية في الشريعة لا تختص على الجملة وإن تنـزلت إلى الجزئيات فعلى وجه كلي وإن خصت بعضا فعلى نظر الكلي كما أنها إن كانت كلية فليدخل تحتها الجزئيات فالنظر الكلي فيها منـزل للجزئيات وتنـزله للجزئيات لا يخرم كونه كليا وهذا المعنى إذا ثبت دل على كمال النظام في التشريع وكمال النظام فيه يأبى أن ينخرم ما وضع له وهو المصالح " الموافقات (2/62) .
أ- انظر إلى قول الإمام الشاطبي -رحمه الله - : " فالتكليف كله إما لدرء مفسدة وإما لجلب مصلحة أو لهما معاً ...الخ .
وأسأل فالحاً الذي كان ينكر مراعاة المصالح والمفاسد ثم اضطر إلى القول بحصرها في المستحبات والمكروهات ،هل يؤمن بهذا الشمول الكلي في مراعاة المصالح والمفاسد في كل التكاليف التشريعات أو سيستمر على جهله المطبق وعناده المهلك المضحك .
ب- وانظر مرة أخرى إلى قوله : " فلابد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبدياً وكلياً وعاماً في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال وكذلك وجدنا الأمر فيها والحمد لله " .
وأسأل فالحاً هل يعرف هذا أو سمع به هو وحزبه ؟!!
6- وقال -رحمه الله- بعد أن ساق عدداً من النصوص مبيناً مقاصدها :
" فهذا النظر يعضده الاستقراء أيضا , وقد مر منه أمثلة , وأيضا فقد قام الدليل على اعتبار المصالح شرعا وأن الأوامر والنواهي مشتملة عليها فلو تركنا اعتبارها على الإطلاق لكنا قد خالفنا الشارع من حيث قصدنا موافقته " الموافقات (3/415) .
7- وقال -رحمه الله- وهو يتحدث عن العامي هل له أن يتخير من الفتاوى إذا اختلفت عليه ما يوافق رغبته :
" والثاني ما تقدم من الأصل الشرعي وهو أن فائدة وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه وتخييره بين القولين نقض لذلك الأصل وهو غير جائز فإن الشريعة قد ثبت أنها تشتمل على مصلحة جزئية في كل مسألة وعلى مصلحة كلية في الجملة أما الجزئية فما يعرب عنها دليل كل حكم وحكمته وأما الكلية فهي أن يكون المكلف داخلا تحت قانون مُعيَّن من تكاليف الشرع في جميع تصرفاته اعتقادا وقولا وعملا فلا يكون متبعا لهواه كالبهيمة المسيبة حتى يرتاض بلجام الشرع ومتى خيَّرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم لم يبق لهم مرجع إلا إتباع الشهوات في الاختيار وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة فلا يصح القول بالتخيير على حال "
الموافقات (5/77-78) .
8- وقال -رحمه الله- وهو يتحدث عن الاستحسان :
" وكثير ما يتفق هذا في الأصل الضروري مع الحاجي ,والحاجي مع التكميلي فيكون إجراء القياس مطلقا في الضروري يؤدي إلى حرج ومشقة في بعض موارده فيستثنى موضع الحرج وكذلك في الحاجي مع التكميلي أو الضروري مع التكميلي وهو ظاهر .
وله في الشرع أمثلة كثيرة كالقرض مثلا فإنه ربا في الأصل لأنه الدرهم بالدرهم إلى أجل ولكنه أُبيح لما فيه من المرفقة والتوسعة على المحتاجين بحيث لو بقي على أصل المنع لكان في ذلك ضيق على المكلَّفين .ومثله بيع العَرِيَّة بخرصها تمراً فإنه بيع الرطب باليابس لكنه أُبيح لما فيه من الرِّفق ورفع الحرج بالنسبة إلى المعرِي والمُعرَى ولو امتنع مطلقا لكان وسيلة لمنع الإعراء .كما أن ربا النسيئة لو امتنع في القرض لامتنع أصل الرِّفق من هذا الوجه .
ومثله الجمع بين المغرب والعشاء للمطر وجمع المسافر وقصر الصلاة والفطر في السفر الطويل وصلاة الخوف وسائر الترخصات التي على هذا السبيل فإن حقيقتها ترجع إلى اعتبار المآل في تحصيل المصالح أو درء المفاسد على الخصوص حيث كان الدليل العام يقتضى منع ذلك لأنَّا لو بقينا مع أصل الدليل العام لأدَّى إلى رفع ما اقتضاه ذلك الدَّليل من المصلحة فكان من الواجب رعيُ ذلك المآل إلى أقصاه . ومثله الإطلاع على العورات في التداوي والقراض والمساقاة وإن كان الدَّليل العام يقتضي المنع وأشياء من هذا القبيل كثيرة " اهـ ( الموافقات 5/194-195) .
تأمل هذه الأمثلة الكثيرة للرخص وكيف ربط هذا العالم بين الرخص وبين مراعاة المصالح والمفاسد الأمر الذي ينكره فالح بجهله المطبق .
تأمل مرة أخرى قوله بعد ذكر بعض الرخص في المعاملات : " ومثله الجمع بين المغرب والعشاء للمطر وجمع المسافر وقصر الصلاة والفطر في السفر الطويل وصلاة الخوف وسائر الترخصات التي على هذا السبيل " .
وكيف ربط بين هذه الترخصات وبين المصالح والمفاسد .
وأسأل فالحاً وحزبه هل يؤمنون بهذا الربط المحكم بين الرخص وبين المصالح والمفاسد ؟ إننا ننتظر الإجابة نحن وجميع المسلمين .
9 - قال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/225) وهو يتحدث عن المصالح والمفاسد ويسوق الأدلة من القرآن والسنة على كلياتها وجزئياتها :
" وقد تكون أسبابها خيورا ,فينهى عنها ؛لأدائها إلى الشرور ,لا لكونها خيورا . كما أن من أسباب المصالح ما يكون شرا ؛ فيؤمر به ,لا لكونه شرا ,بل لأدائه إلى المصالح والخيور ,وأمثلة ذلك كثيرة . وقد نص صلَّى الله عليه وسلَّم على النهي عن غصب قضيب من أراك ,وقال: ( إيّاكم ومحقرات الذنوب ) .
والكتاب والسنة يشتملان على الأمر بالمصالح كلها دقها وجلها إلاَّ مصالح المباح فإنَّها مأذونة غير مأمور بها ,وعلى النهي عن المفاسد كلها دقها وجلها فمنه ما يدل بصيغة الأمر والنهي ومنه ما يدل بالوعد والوعيد ,إذ لا يعد بالثواب إلا على فعل مأمور به تحصيلا لمصلحته , ولا يوعد بالعقاب إلا على فعل منهي عنه درءاً لمفسدته " ا هـ .
10- وقال الشوكاني - رحمه الله - في ( إرشاد الفحول ج1/ص314 ) :
( وفائدة نسخها ... قيل الحكمة ان هذا الخلق طبع على الملالة من الشيء فوضع في كل عصر شريعة جديدة لينشطوا في أدائها وقيل بيان شرف نبينا صلى الله عليه وسلم فانه نسخ بشريعته شرائعهم وشريعته لا ناسخ لها وقيل الحكمه حفظ مصالح العباد فاذا كانت المصلحة لهم في تبديل حكم بحكم وشريعة بشريعة كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة ...) اهـ .
11- وقال بدر الدين الزركشي -رحمه الله - في البحر المحيط في أصول الفقه ( 4/111-112) :
" فإن قلت إذا كانت كل شريعة انبنت على مصالح الخلق إذ ذاك فبماذا اختصت شريعتنا حتى صارت أفضل الشرائع وأتمها قلت بخصائص عديدة منها نسبتها إلى رسولها وهو أفضل الرسل ومنها نسبتها إلى كتابها وهو أفضل الكتب ومنها استجماعها لمهمات المصالح وتتماتها ولعل الشرائع قبلها إنما انبنت على المهمات وهذه جمعت المهمات والتتمات ولهذا قال عليه السلام بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا إلى قوله فكنت أنا تلك اللبنة يريد عليه السلام أن الله عز وجل أجرى على يده وصف الكمال ونكتة التمام ويلزم من حصول نكتة الكمال حصول ما قبلها من الأصل دون العكس " اهـ.
12- قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله - في كتابه "القواعد الفقهية" ص88
"وإن تزاحم مصلحتان بأن لا يمكن فعلهما معاً بل إن فعل إحداهما فاتت الأخرى قدَّم أرجحهما" : فإن كان أحدهما مسنوناً والآخر واجباً ,فإنَّه يُقدِّم الواجب ,ولهذا لا يصح النفل المطلق ممَّن عليه فوائت وإذا أقيمت الصلاة ,أو ضاق الوقت لم تصح النافلة ,وكذلك من عليه قضاء رمضان لا يصح أن يصوم غيره حتى يقضيه ,وكذلك من عليه حجة الإسلام لم يصح تنفله بالحج ,ولا أن يحج عن غيره .
وإن كانا واجبين قدَّم أوجبهما وآكدهما . فيقدم الواجب بأصل الشرع على الواجب بالنَّذر ويقدِّم حقَّ الله تعالى الواجب على طاعة من تجب طاعته من والد وزوج وأمير ونحوهم ,ويقدِّم حقَّ الزوج على حقِّ الوالدين ,ويُقدِّم فرض العين على فرض الكفاية .
وإن كانا مستحبين قدَّم أفضلهما ,فتقدم الرواتب على غيرها , ويقدم من العبادات ما فيه نفع متعدي على ما نفعه قاصر ) اهـ.
- أقول : وفي هذا الكلام أنَّ الواجبات والمستحبات وحقوق الله وحقوق العباد الواجبة يُراعى فيها المصالح والمفاسد وهذا عند أهل العلم والنُّهى .
13- ثم قال العلامة السعدي - رحمه الله - في قواعده (ص89-91) :
( ومن أسباب التفضيل : أن يكون العمل المفضول مشتملاً على مصلحة لا تكون في الفاضل كحصول تأليف به ,ونفعٍ متعدي لا يحصل بالفاضل ,وفي المفضول دفع مفسدة يُظنُّ حصولها في الفاضل .
ومن أسباب التفضيل : أن يكون العمل المفضول أزيد مصلحة للقلب من الفاضل كما قال الإمام أحمد رضي الله عنه لمن سأله عن بعض الأعمال فقال : " أنظر لما هو أصلح لقلبك فافعله " وأسباب التفضيل كثيرة جدا ,وفيما أشرتُ إليه كفايةٌ تُنبِّه على ما وراءها .
" وإن تزاحم مفسدتان فافعل أهونهما " : أي أخفَّهما ,فإن تزاحم مكروه ومحرَّمٌ بأن يكون لا بُدَّ من فعل أحدهما فعل المكروه لدفع الحرام ارتكاباً لأهون الشرَّين : مثل أن يشتبه مالٌ مشتبهٌ بمال حرام ,ولم يكن له بُدٌّ من أحدهما .
وإن تزاحم محرَّمان فعل أهونهما . فتقدم ثياب الحرير على الثياب المغصوبة ويقدم في المخمصة الميتة التي تحل بالذكاة كميتة الشاة ونحوها على الميتة التي لا تُحلُّها الذكاة كالكلب ونحوه .
وإن تزاحم مكروهان فعل أخفَّهما ,فالذي فيه حرامٌ يسير أخفُّ من المال الذي قد كَثُر فيه الحرام .وتقوى الكراهة وتضعف بحسب قلَّة الحرام وكثرته ) اهـ.
- أقول : وفي هذا الكلام أنَّه تُراعى في المحرمات والمكروهات المصالح والمفاسد بخلاف ما يقوله الجهلاء مثل فالح الذي يحصر مراعاة المصالح والمفاسد في المستحبات والمكروهات فقط .
وقد تقدَّم نقد هذا الكلام مفصَّلاً .
14- وقال العلامة السعدي في تفسيره -رحمه الله - (1/40) :
"[هدى للمتقين]: والهدى ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة وقال هدى وحذف المعمول فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية ولا للشيء الفلاني لإرادة العموم وأنه هدى لجميع مصالح الدارين فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية ومبين للحق من الباطل والصحيح من الضعيف ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم في دنياهم وأخراهم .. " اهـ .
وأخيراً فأنت ترى أن العلماء يقررون أن الشريعة مبنية على مراعاة المصالح والمفاسد في كل جوانبها في الضروريات والحاجيات والكماليات وفي أوامرها ونواهيها فهل من رادع للهمج عن التوثب على الشريعة الإسلامية السمحة القائمة على الرحمة والحكمة ومراعاة المصالح والمفاسد في الكليات والجزئيات في الأصول والفروع ,يتوثب هؤلاء الهمج على شريعة الإسلام فيشوهونها ويشوهون أصولها ويصورونها على أنها آصار وأغلال لا رحمة فيها ولا مراعاة للمصالح والمفاسد وأنها لا ترفع الحرج والشدائد عن الأمة فإن تكرموا على الإسلام والأمة قالوا –تقية- : يجوز مراعاة المصالح في المستحبات (!) ,وياويل من يتجاوز هذا السور الحديدي الذي وضعوه فإن جاوزه قالوا -متظاهرين بالغَيْرة- هذا تنـازل عن أصول الدِّين !! .
وآخر دعوانا أَنِ الحمد لله ربِّ العالمين .
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
كتبه :
رَبيع بنُ هاديّ بن عُمَير المَدخَليّ
ناقل هذا الموضوع هواخوكم ابومحله المذريعان المدني
وفق الله الجميع