عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26-06-2007, 02:23 AM
الجامحه! الجامحه! غير متواجد حالياً
 عضو خاص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
الدولة: بعد الاذان
المشاركات: 8,010

لماذا نتقاعد؟



الاستاذ: صالح الشهوان




في غضون السنوات العشر الأخيرة كثر الحديث عن "التقاعد" والرغبة فيه والتطلع إليه. وليسوا قليلين أولئك الذين هرولوا للتقاعد المبكر ولسان حالهم يقول: (نبي نستريح يا شيخ، أو يا شيخة!!).


والغريب في الأمر أنك لو تأملت طبيعة الأعمال التي يؤديها معظمنا لما وجدت فيها مشقة ولا مهام النهوض بها ثقيل ومتعب أو محرج.


إنها في أغلب الأحوال لا تتطلب ذلك الجهد من البحث والدرس والإبداع ولا هي مما يرغم على الانضباط خلف الأجهزة والآلات أو الدوارق وأنابيب الاختبار لساعات طوال نديرها ونراقبها ونشرف عليها في مصانع أو مزارع أو معامل.


وفي ضوء هذا التهافت العجيب على التقاعد، لا تسمع من مبرر يشفع لهذا التوق إليه غير (نستريح يا شيخ!!) فلو كانت الرغبة فيه مثلا لأن اهتماماً مؤجلاً ينبغي الالتفات إليه، أو أن في الذهن مشروعا حان وقت التفرغ له، أو أن ظروفاً قاهرة تستدعي ذلك لكان هذا من طبائع الأمور، فالشعوب الأخرى خصوصاً المتقدمة يسعى أو يتطلع أفرادها إلى أن يتمكنوا من التقاعد بل هم يخططون له لأن لديهم أعمالاً يودون تحقيقها توازي عملهم الذي كانوا يؤدونه في وظائفهم وربما أهم منها، على الأقل من وجهة نظرهم .. أما الشعوب غير المتقدمة فأفرادها يعضون بالنواجذ على فرص أعمالهم إلى آخر ثانية يسمح لهم بالبقاء فيها.


أما نحن، فلسنا من الفريقين، خصوصا في السنوات الأخيرة كما أشرت، وهذه ظاهرة خطيرة ومؤشر غير صحي لا يمكن أخذه على محمل: ( نصف القوت راحة) كما يقول مثلنا الدارج .. بل هو تعبير عن بنية نفسية معطوبة، عن إحساس متعاظم باللاجدوى، عن صولة وجولة للملل والسأم واللا إكتراث، عن فقدان للبهجة .. وبشكل عام: تعبير عن رغبة في الاستقالة من الحياة أو انسداد الشهية نحوها، ولا أعني الحياة كوجود مادي، وإنما كفاعلية وحيوية وحماس ذاتي من أجل إدارة مهجة الروح للمشاركة الجماعية.



أساتذة جامعة، تربويون، إداريون، موظفون بكل ما لدى وزارة الخدمة المدنية من أسماء الوظائف كلهم أسرى الرغبة في " التقاعد للتقاعد"، منهم من فعلها وتقاعد مبكراً وجلس يعاقر التثاؤب ويطحن الوقت الفضفاض بالثرثرة أو بالسرحان. ومنهم من يغازل طلعة التقاعد ويصبو إليها. هذه ظاهرة لا ينفع معها إلباسها طواقي الإخفاء بالتبريرات الانطباعية والتنظيرات المكتبية، كالقول: إن نوعية العمل في أجهزتنا العامة روتينية، أو أن الحوافز مفقودة أو إن نظام المراتب والترقيات مثبط للهمم وما إلى ذلك من الكليشيهات، قد تكون مجرد أعراض لمرض عضال، أو قمة جبل الثلج الغاطس في ماء المحيط الاجتماعي.


وإذا شئنا أن نضيف إلى تلك الأعراض أعراضاً غيرها فقد يكون للحديث المتصاعد حول امتيازات القطاع الخاص وما يغمر الأسماع من طوفان الحكايات التي تدور الرؤوس، سواء ما يتعلق منها بحجم الأموال الهائلة أو الصفقات المذهلة والمرتبات الخيالية أو الفرص السحرية والتسهيلات العجيبة التي يقفز بها البعض من "مديونير" إلى "مليونير" قد يكون لكل ذلك أثره الكابح والمكرس لردة فعل حادة تجاه عمل ممل نكرره من الصباح إلى ما بعد الظهيرة بدريهمات لا تعادل جزءا من انتداب يوم واحد للبعض من القطاع الخاص أو ممن ناله حظ التسهيلات!!


ويزيد الطين بله البقاء على المقعد ذاته محنطاً تحت شفير مزاج مديرك الذي هو الآخر تحت شفير مزاج رئيسه.. والأكثرية نسياً منسيا: لا أسفار ولا دورات ولا بعثات ولا امتيازات ولا حفلات ولا يحزنون!!


الرغبة الملحة في ذوات الكثيرين والكثيرات للخلاص من العمل بالتقاعد المبكر، أو الحنين الدفين إليه مع الصبر على تجرع الوقت غصصا حتى التقاعد القانوني، ليس مؤشر ترف ولا هو بسبب ميل المواطن السعودي للكسل. إنها ظاهرة لجراح غائرة تتعلق بفقدان معنى العمل وفشله في إشباع رغباتنا في تقديرنا لذواتنا .. ويبدو أننا جميعا نحاذر الاعتراف بذلك أو الإقرار به أو أننا لم ننتبه بعد وتلك مصيبة أعظم .. أما كيف نضع هذا تحت أدوات التشخيص ونبادر إلى المعالجة؟ فتلك واحدة من مهام علماء الاجتماع عندنا، إن كان لدينا منهم من يهمه الأمر .. أو ليجعلها حوارنا الوطني محورا من محاوره لعل وعسى!!

__________________
\
\تـحـاك وإرفـع معـنوية ســــكـاتي
مخـارج حروف اللغــه تعـبد حــكاك .!
\
\

والله لـو إن الله يحــقق منــاتي
إنــي لكــل أمنــيه لا تمــنااّاّاّك.!

\
\



رد مع اقتباس