الموضوع: بدع في شهر رجب
عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 12-08-2006, 01:20 PM
الصورة الرمزية مرهف إحساس
مرهف إحساس مرهف إحساس غير متواجد حالياً
 عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Apr 2006
الدولة: مملكة الإنسانية
المشاركات: 2,728

الإسراء والمعراج

من أعظم معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- : الإسراء به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم العروج به السماوات السبع فما فوقها ، وقد انتشر في بعض البلدان الاحتفال بذكراها في ليلة السابع والعشرين من رجب ، ولا يصح كون ليلة الإسراء في تلك الليلة ، قال ابن حجر عن ابن دحية : » وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب ، قال : وذلك كذب « [15] ، وقال ابن رجب : » وروي بإسناد لا يصح ، عن القاسم بن محمد ، أن الإسراء بالنبي - صلى الله عليه وسلم- كان في سابع وعشرين من رجب ، وأنكر ذلك إبراهيم
الحربي وغيره « [16] .
وقال ابن تيمية : » لم يقم دليل معلوم لا على شهرها ، ولا على عشرها ، ولا على عينها ، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة ، ليس فيها ما يقطع به « [17] .
على أنه لو ثبت تعيين ليلة الإسراء والمعراج لما شرع لأحد تخصيصها بشيء ؛ لأنه لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من صحابته أو التابعين لهم بإحسان أنهم جعلوا لليلة الإسراء مزية عن غيرها ، فضلاً عن أن يقيموا احتفالاً بذكراها ، بالإضافة إلى ما يتضمنه الاحتفال بها من البدع والمنكرات [18] .
الذبح في رجب وما يشبهه

مطلق الذبح لله في رجب ليس بممنوع كالذبح في غيره من الشهور ، لكن كان أهل الجاهلية يذبحون فيه ذبيحة يسمونها: العتيرة ، وقد اختلف أهل العلم في حكمها : فذهب الأكثرون إلى أن الإسلام أبطلها ، مستدلين بقوله كما عند الشيخين عن أبي هريرة (رضي الله عنه) : » لا فرع ولا عتيرة « [19] .
وذهب بعضهم كابن سيرين إلى استحبابها ، مستدلين بأحاديث عدة تدل على الجواز ، وأجيب عنها بأن حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أصح منها وأثبت ، فيكون العمل عليه دونها ، بل قال بعضهم كابن المنذر بالنسخ ؛ لتأخر إسلام أبي هريرة ، وأن الجواز كان في صدر الإسلام ثم نسخ ، وهذا هو الراجح [20] .
قال الحسن : » ليس في الإسلام عتيرة ، إنما كانت العتيرة في الجاهلية ، كان أحدهم يصوم ويعتر « [21] .
قال ابن رجب : » ويشبه الذبح في رجب : اتخاذه موسماً وعيداً ، كأكل الحلوى ونحوها ، وقد روي عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه كان يكره أن يتخذ رجب عيداً « [22] .
تخصيص رجب بصيام أو اعتكاف

قال ابن رجب : » وأما الصيام : فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أصحابه « [23] .
وقال ابن تيمية : » وأما صوم رجب بخصوصه : فأحاديثه كلها ضعيفة ، بل موضوعة ، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها ، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل ، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات ... وقد روى ابن ماجة في سننه ، عن ابن عباس ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : أنه نهى عن صوم رجب ، وفي إسناده نظر ، لكن صح أن عمر بن الخطاب كان يضرب أيدي الناس ؛ ليضعوا أيديهم في الطعام في رجب ، ويقول : لا تشبهوه برمضان ... وأما تخصيصها بالاعتكاف الثلاثة الأشهر : رجب ، وشعبان ، ورمضان فلا أعلم فيه أمراً ، بل كل من صام صوماً مشروعاً وأراد أن يعتكف من صيامه ، كان ذلك جائزاً بلا ريب ، وإن اعتكف بدون الصيام ففيه قولان مشهوران لأهل العلم « [24] .
وكونه لم يرد في فضل صيام رجب بخصوصه شيء لا يعني أنه لا صيام تطوع فيه مما وردت النصوص عامة فيه وفي غيره ، كالإثنين ، والخميس ، وثلاثة أيام من كل شهر ، وصيام يوم وإفطار آخر ، وإنما الذي يكره كما ذكر الطرطوشي [25] صومه على أحد ثلاثة أوجه :
1- إذا خصه المسلمون في كل عام حسب العوام ومن لا معرفة له بالشريعة ، مع ظهور صيامه أنه فرض كرمضان .
2- اعتقاد أن صومه سنّة ثابتة خصه الرسول بالصوم كالسنن الراتبة .
3- اعتقاد أن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على صيام سائر الشهور ، وأنه جارٍ مجرى عاشوراء ، وفضل آخر الليل على أوله في الصلاة ، فيكون من باب الفضائل لا من باب السنن والفرائض ، ولو كان كذلك لبينه النبي -صلى الله عليه وسلم- أو فعله ولو مرة في العمر ، ولما لم يفعل : بطل كونه مخصوصاً بالفضيلة .
العمرة في رجب

يحرص بعض الناس على الاعتمار في رجب ، اعتقاداً منهم أن للعمرة فيه مزيد مزية ، وهذا لا أصل له ، فقد روى البخاري عن ابن عمر (رضي الله عنهما) ، قال : » إن رسول الله اعتمر أربع عمرات إحداهن في رجب ، قالت (أي عائشة) : يرحم الله أبا عبد الرحمن ، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهِدُه ، وما اعتمر في رجب قط « [26] .
قال ابن العطار : » ومما بلغني عن أهل مكة (زادها الله تشريفاً) اعتيادهم كثرة الاعتمار في رجب ، وهذا مما لا أعلم له أصلاً « [27] .
وقد نص العلامة » ابن باز « [28] على أن أفضل زمان تؤدى فيه العمرة : شهر رمضان ؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : » عمرة في رمضان تعدل حجة « ، ثم بعد ذلك : العمرة في ذي القعدة ؛ لأن عُمَرَه كلها وقعت في ذي القعدة ، وقد قال الله (سبحانه وتعالى) :

] لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[ [الأحزاب : 21] .

الزكاة في رجب

اعتاد بعض أهل البلدان تخصيص رجب بإخراج الزكاة ، قال ابن رجب عن ذلك : » ولا أصل لذلك في السُنّة ، ولا عُرِف عن أحد من السلف ... وبكل حال : فإنما تجب الزكاة إذا تم الحول على النصاب ، فكل أحدٍ له حول يخصه بحسب وقت ملكه للنصاب ، فإذا تم حوله وجب عليه إخراج زكاته في أي شهر كان « ، ثم ذكر جواز تعجيل إخراج الزكاة لاغتنام زمان فاضل كرمضان ، أو لاغتنام الصدقة على من لا يوجد مثله في الحاجة عند تمام الحول .. ونحو ذلك [29] .
وقال ابن العطار : » وما يفعله الناس في هذه الأزمان من إخراج زكاة أموالهم في رجب دون غيره من الأزمان لا أصل له ، بل حكم الشرع أنه يجب إخراج زكاة الأموال عند حولان حولها بشرطه سواء كان رجباً أو غيره « [30] .

لا حوادث عظيمة في رجب

قال ابن رجب : » وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة ، ولم يصح شيء من ذلك ، فروي أن النبي ولد في أول ليلة منه ، وأنه بعث في السابع والعشرين منه ، وقيل في الخامس والعشرين ، ولا يصح شيء من ذلك ... « [31] .
وقفة مع بعض الدعاة

يمارس بعض الدعاة اليوم أنواعاً من البدع الموسمية كبدع رجب مع اقتناعهم بعدم مشروعيتها ؛ بحجة الخوف من عدم اشتغال الناس بغير عبادةٍ ، إن هم تركوا ما هم عليه من بدعة .
ومع أن البدعة أخطر الذنوب بعد الشرك ، إلا أن هذا توجهٌ في الدعوة وطريقة التغيير خطير مخالف لهدي النبي ، والواجب : أن يدعى الناس إلى السنة المحضة التي لا تكون استقامة بدونها ، قال الثوري : » كان الفقهاء يقولون : لا يستقيم قول إلا بعمل ، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية ، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة « [32] .
وكان الواجب على هؤلاء أن يتعلموا السنة ، ويعلموها ، ويدعون أنفسهم ومن حولهم إلى تطبيقها ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : » من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد «.
ولله در أبي العالية حين قال لبعض أصحابه : » تعلموا الإسلام ، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه ، وعليكم بالصراط المستقيم ، فإن الصراط المستقيم : الإسلام ، ولا تنحرفوا عن الصراط المستقيم يميناً وشمالاً ، وعليكم بسنة نبيكم ، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين أهـلها العداوة والبغضاء « [33] .

وأخيراً !

فإن الدعاة اليوم والأمة معهم مطالَبون بتجريد المتابعة للنبي -صلى الله عليه وسلم- في كل شأن ، تماماً مثل ما هم مطالبون بتجريد الإخلاص لله (عز وجل) ، إن هم أرادوا لأنفسهم نجاةً ، ولدينهم نصراً وإعزازاً ، قال الله (عز وجل) :

] فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً[ [الكهف : 110] وقال (سبحانه) : ] وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [ [الحج : 40] .

وفق الله الجميع للخير ، وهو الهادي إلى سبيل الرشاد .

__________________

رد مع اقتباس