ويقول فيه الشيخ فهد بن حميّن :
الامير محمد من خيرة أهل زمانه ... كان يحفظ القرآن جيدا ويكثر من تلاوته باستمرار
وكان رجلا صدوقا في الحديث قلّ أن تجد مثله مخلصا في عمله , ملازما للأذكار في الصباح والمساء , يعتكف العشر
الاخير من رمضان ويحج ويعتمر كل سنة , وعنده درس في بيته وكنت أقرأ عليه من حين صحبته قرأنا كتبا كثيرة
تفسير ابن جرير وصحيح البخاري وصحيح مسلم كررناه عدة مرات وغيرها , وبالجملة فهو من أحسن الناس الذين
عرفتهم ... وإن قلت انني لم أسمعه يخوض في أمور الدنيا طيلة صحبتي له فإني صادق , كان حريصا على العمل بالسنة قل ان تبلغه سنة الا حاول العمل بها .
وقال عنه الشيخ محمد الحقيل : جمعني به المسجد في حي جبرة قبل أربعين سنة وأعجبني قدرته على المواظبة الى
التبكير للمسجد وكان يمكث بالمسجد يشتغل بالدعاء والتضرع بين يدي الله تعالى ويلح بالدعاء حتى أن من يجلس
بجانبه يرق قلبه , رأيته على هذه الحال الخاشعة مرات كثيرة , أستطيع أن أقول انه من قلائل الرجال الذين رأيت
قلوبهم معلقة بالمساجد .. وانما حكيت بعــــض ما رأيت من هذا الامام العابد الزاهد وما كتبت الا وفاء لبعض حقه وإحياء
لسير الصالحين الذين قل أمثالهم في هذا العصر . وكان للأمير عدد من الزوجات ومنهن الأميرة الفاضلة منيرة بنت
عبدالرحمن الفيصل , وهي ابنة عمه وشقيقة الامام الملك عبد العزيز طيّب الله ثراه , وقد كانت رحمها الله من أصلح
النساء , بنت مساجد كثيرة بمكة والمدينة وغيرها , وكانت تصل أهل العلم وتقف معهم عند الحاجة , وقد ذكر لها ذلك
سماحة الشيخ ابن باز , وكـــــــــــــان للأمير أبناء كثر , يفوقون أربعين نفساً , أفضلهم وأكبرهم سعود بن محمد
وقد عرف بالتقى وقيام الليل وحب العلم وأهله , واشتهر بالكرم , وكل أبناء الأمير فيهم الخير ولله الحمد
وقد كانت علاقة الأمير محمد بذويه عامّــــة مبنية على العطف والرحمة وتشجيع المحسن وتوجيه المخطئ بالحسنى ,
واحترام خصوصيتهم والنصح لهم , وكان يوقظ الجميع لصلاة الفجر ويصطحب من وجبت عليه الصلاة الى المسجد ,
ويحرص على تعليم الجميع أمور دينهم , ويخصص لنساء بيته من يعلمهن من طالبات العلم , كما حرص على تعليم أبناءه
الفروسية والرماية والسباحة , وكان يخرج ببعضهم في القيظ لتعلم الرماية , ويرسلهم في المساء لتعلم ركوب الخيل .
كما كان رحمه الله وصّالاً لرحمه , وبخاصة النساءمن ذوي رحمه , وكان له خالة هي سارة بنت الامام عبدالله الفيصل لا
يقدم من سفر إلا زارها ابتداءً, وكان بنوه وأحفاده يجتمعون عنده بعد صلاة الجمعة , ويعطي الصغار بعض النقود
والهدايا ترغيبا لهم في الزيارة والصلة
والأمير معتاد الخروج للصيد وكانت رحلاته لأهداف عظيمة ليست سبهللا وضياعا
للوقت والفرائض , فأهله وأبناءه وأصحابه يستفيدون منه أحكاما شرعية في السفر والصيد, ولتعويد أبناءه الصبر
والتحمل والبعد عن الترف والبذخ , وتعلم الفروسية والرماية وكان رحمه الله من فرسان زمانه ومن أســـدّ الرماة وقد
اشترك في سبق زمن الملك عبدالعزيز فسبق الجميع , ومن أهداف الرحلة عنده تحصيل طعام مباح من أفضل الحلال
وهو الصيد , فيأكل منه ويهدي ويخزن , وكان يحافظ في رحلاته تلك على الفرائض والعبادات لايخل بشئ , حتى قيام
الليل والمكث بعد صلاة الفجر للذكر وقراءة القرآن وقراءة الكتب النافعة, فهـــــــــــذه ولاشك أهداف سامية قلّ من
يتنبه لها , ولما حددت فترة الصيد بثلاثة أشهر كان يخرجها كاملة والتزم بما حدده ولي الأمر , فقال الملك خالد له : يا
عم أنت لاتمنع من الحمى فنحن نحمي لك لا عنك ! ولكنه رحمه الله لا يرضى الا أن يلتزم بما يلزم به الناس جميعا للمصلحة العامة.
أما علاقة الامير محمد بولاة الأمر فهي علاقة نسب وصهر فهو ابن عمهم فيلتقي مع الملك عبد العزيز في جده القريب
فيصل بن تركي , كما أنه صهــــر الملك فهو زوج أخته منيرة , إلا أن علاقته بولاة الأمر أكبر من هذا , فهو يتقرب الى
الله عز وجل بطاعتهم بالمعروف كما قال الله ( يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ...)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( .... ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الامير فقد عصاني ) رواه مسلم .
فهو يفعل ذلك تديـــّناً واحتساباً لا تزلــــفاً أو طلبا لشئ من الدنيا .
و كان الأمير يناصح ولاة الأمر ويحبهم ويزورهم للسلام وبخاصة في المناسبات , ويشفع لديهم لنفع الاسلام والمسلمين ,
وكان يكثر لهم الدعـــــاء بالصلاح والهداية والتوفيق, وقد كانت له رحمه الله مكانة عظيمة لدى الملك عبدالعزيز رحمه
الله حتى إنه يوصي أبناءه بصلة الأمير محمد وزوجه الأميرة منيرة ويقول : هما خيرة آل سعـــــــــــــــود ,
وفي سنة من السنوات خرج الملك كما هي عادته للحجاز في رمضان وخرج في وداعه كبار العائلة المالكة , وافتقد
الملك الامير محمد وعلم أنه معتكـــــــف بالمسجد ,
فقال : هو حقيق أن نذهب اليه ونودعه , فذهب وقت العصر فاذا الامير فرغ من تلاوته فأخذته غفوة ليرتاح , فإذا هو
يشعر بريح طيب جميل يقبل بين عينيه ففتحهما فإذا الملك عبدالعزيز قد جاء يودعه لما علم أنه لا يستطيع الخروج
لاعتكافه رحمهم الله جميعا, ولاريب أن هذا الفعل من الملك يدل على حسن سيرته وسريرته وتعامله مع ذويه وأهله
وبخاصة الصالحين منهم,كما يدل ذلك على المكانة العظيمة للأمير عند الملك عبدالعزيز , لا سيما أن الامير محمد كان له
اسهام مع الملك في توحيد المملكة وشارك في بعض الغزوات .
توفي الأمير محمد رحمه الله عام 1404هـ إثر مرض ألمّ به عن عمر يناهز إحدى وتسعين سنة وأم الناس بالصلاة عليه
الامام العلاّمة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله, وقد رُثي الفقيد بمراثي منها مرثية لأحد أحفاده يقول ( من
الشعر الشعبي ) :
يابوي ما توفيك زرق الدمــــوعي... ولا مشاعر خاطري واحتـــدامه
الى قوله:
من غربها الغربي لحد الطلوعــــي... من فـــيه مثلك طاعة الله غرامه
وقال آخر :
آل السعود نجوم في الدجى سطعت... تهدي لكل دروب الخير والسبل
إذ قام سيدهم والله مقـــــصـــــده...... بنصرة الحق لم يخش من الدول
وخصّ بالذكر منهم زاهداً علمـــاً...... شيخاً كريماً سليل السادة الأول
أبا السعود أمير الزهد فــي زمن..... كقابض الجمر فيه كل معتـــدل