"أنا تافه" و "أنا بخيل" ، صدّقوني ، وخذوها منّي ، أحدّثكم عن أشيائي الخصوصية عن تفاصيلي الصغيرة الساذجة ، عن سفراتي وطلعاتي وغدواتي وروحاتي ومغامراتي ، عن أخي سعد وابتسامته البليدة ، وعن كل الأشياء التي لا تخصكم ولا تهمّكم وأصرّ دائما - يا أصدقائي - على أقاحمكم فيها ، وعلى كل هذا ، فأنا بخيل جدا ً تجاهكم ، على الرغم من تطفّلي عليكم إلا أنني أيضا ً ، لا أتطفل عليكم كثيرا ً، أطلّ عليكم من سنة لأخرى من موسم لموسم ، وكأننكم - يا أعزائي - تتشوقون لسماعي غنائي وبكائي وريائي وهرائي .. نعم ، إلى هذا الحد أنا مسكين ومثير للشفة ، تافه وبخيل وأتوّقع أن الناس يقرؤون لي ! على كلٍ وهذا خبرٌ سارٌ لكم ، أنتم غير مجبورين على هذا كلّه ، ما أسهل زر "باك" ، وانتم في معزلٍ عن كل هذا الذي أودّ ان أقول ! -- أما قبل ، فأنا أذكر جيدا ً أنني في صيف السنة الفارطة ، كتبتك لكم من تركيا عن تركيا ، وتركتكم وتركتها ، وكلّما تقدّم بي الزمن عن آخر لقاء ، كلّ ما أدركت أكثر أنني فقدت كثيرا ً من الأشياء والأعضاء هناك ، ابتدءا ً ، من نفسي التي نسيتها معلّقة على شمّاعة غرفتي ، إلى قلبي الذي فقدته على طاولة إحدى المقاهي ، بالقرب من كوب من القهوة التركية ، ومن حسن حظّي ، أنني تسنّى لي أن أعودّ ، ثانيةً ، لألتقط كل هذا الذي فقدت ، وأغمس جفناي وعيناي ، في كل هذا الحسن مرّة أخرى ، أن أعود كي أمارس الحزن السعيد ، والتطفّل الخجول ، على البشر والحجر والشجر والمطر .. ، الجيّد في الزيارات ما بعد الأولى ، هو أنك تعرف كثيرا ً ، كيف يجب ان تكون وماذا تفعل ولم تفعل وكيف تستغل كلّ شي تستطيعه لصالحك و ولذاتك ولضميرك .. في هذه المرّة وهذا المكان ، لا يشغلني أبدا ً أتاتورك ونظرته الخبيثة ، ولا أردوغان وحماسه ، هذه المرّة لا وقت ولا مكان للقراءات ، والفكر وعصر الدماغ في لغز فلسفي ، هنا دافع الإنسان الساذج مثلي ، كيف يتلقط من كل هذا الحسن بأكبر قدرٍ يمكنه ؟ كل شيء سهل ويسير، يمر كمياه جدول يخر من أعلى قمّة تركيّة ، سوى ، طمعي وجشعي في ألتقاط والاحتفاظ بالأشياء الجميلة ، وبالمناسبة ، فإن هذه العادة متعبة جدا ً ، أن تكون صاحب ذائقة طفولية ، وترهق نفسك بتجميع الجمال والحسن ، وكأنه حلوى مجّانية توزع عشوائيا... أمرٌ مرهق حقا ً .. هنا ، يجب أن تعيش متناغما ً كلّك ، مع الطبيعة حولك ، أن تكون أنت والشجر والحجر وزخّات المطر والكوب والكرسي والطاولة شيئا ً واحدة ، أن تكون رشّة المطر ، كبلعة ريقك ، وخفق أوراق الأشجار ، كإغماضة عينك وفتحها مرة أخرى ، آتي إلى هذا المكان ، وكأنه اللقاء الأول ، لا تزال المآذن الشامخات الباسقات تثير شيئا ً في داخلي ، لا تزال و"مرمرة" لا يزال يخطّني على شاطئه ، الناس والوجوه والقسَمَات والأعين والشوارع والأزقّة كلها لا تزال جزءا ً منيّ ، ولا أزال لا أملّها وأحاول أن اتقمّصها و تتقمصني قدر ما أستطيع .. في هذا المكان هواياتي وميولي تتبدل ، يصبح "عدم التفكير" هواية مفضّلة لدي ، و وأن أهيم في الشوارع العريضة المكتظّة خيار جميل بالنسبة لي ، كثيرٌ من الأشياء تتبدل معانيها وتصبح شيئا ً آخر أو تفقد معناها ، التجارب والأشياء هذه المرةّ متلوّنة .. مختلفة .. القهوة والبوظة والمستكا ، حديث آخر ، عند أول رشفة تختلط الأزمنة ، نكهة الماضية وعبق الزمن كلها تجعل الأمر لديك غامض ، والكلام في هذا يخرجك عن تفكيرك ومنطقك وحدّة ذهنك ... يقال عند أهل الجدل والنظر من القدماء ، "أن الدعوى إذا لم يقم عليها بيّنات .. أصحابها أدعياء" وسأكون مدّعي ، وسيكون كلامي هذا كلّه استفزاز فارغ ، إذا لم يكن لدي بينّة وبرهان ، أقيم عليها صحّة دعواي ، ومشاهداتي ومن حسن حظّي أن أحد مرافقّي يمتلك الآلة احترافية في التقاط الأدلة والبراهين ، وحتى تتأكدوا وتعاينوا ما عينت ، أترككم مع هذا : أجلس هنا دائما ً : أطل على هذا المكان دائما ً : هذا الولد يجلس معي دائما ً .. يأكل البوظة .. في مكان آخر .. صورة أخرى : يتبع ..
__________________ طاف أصقاع العالم ، لكنه لم يصل إلى نفسه !