عرض مشاركة واحدة
  #66  
قديم 15-02-2005, 02:32 PM
مشاعر مشاعر غير متواجد حالياً
 عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2005
المشاركات: 152


يتبع
7
7
7
7




فيما كنت أسخن بعض الفاصوليا على لهيب الموقد في المطبخ ، حضر صديقي سيف .


لم أكن أتوقع زيارته ،كانت الساعة السادسة مساءا ، لكنني سررت بها



" تفضل ! إنني أعد بعض الفاصوليا ... عشاء مبكر ! ستشاركني فيه "


قلت ذلك و أنا أقوده إلى المطبخ ...


حينما وصل و شم رائحة الفاصوليا قال بمرح :


" تبدو شهية ! سأتناول القليل فقط ، فلدي ضيوف على العشاء هذا المساء "


وضعت مقدارين منها في طبقين صغيرين ، مددت بأحدهما نحو صديقي و قلت :


" جرب طهو ـ أو بالأحرى تسخين يدي ! "


تناول سيف بعضها و استساغ الطعم ... ثم قال :


" لكنها لا تقارن بأطباق والدتي ! يجب أن تشاركنا العشاء الليلة يا وليد "


ابتسمت ابتسامة باهتة ، و لم أعلق ...


" هيا يا وليد ! سأعرفك على زملائي و أصدقائي في العمل "


قلت :


" كلا لا يمكنني ، لدي ارتباطات أخرى "


سيف نظر إلي باستنكار ...


" أية ارتباطات ؟؟! "


ابتسمت و قلت :


" سآخذ الأطفال إلى الملاهي ! فقد وعدتهم بذلك "


سيف كان يحرك الملعقة باتجاه فمه ، فتوقف في منتصف الطريق و قال :


" أي أطفال ؟؟ "


قلت بابتسام و أنا أقلب الفاصوليا في الطبق لتبرد قليلا :


" رغد و دانة و سامر ! سأجعلهم يستمتعون بوقتهم ! "



أعاد سيف الملعقة و ما حوت على الطبق ... و ظل صامتا بضع ثوان ...



" ما بك ؟ ألم يعجبك ؟ "


أعني بذلك الفاصوليا



سيف تنهد ثم قال :


" وليد ... ما الذي تهذي به بربك ؟؟ "


تركت الملعقة تنساب من يدي ، و قد ظهرت علامات الجدية على وجهي الكئيب و قلت :


" أتخيل أمورا تسعدني ... و تملأ فراغي ... "


هز سيف رأسه اعتراضا ، و قال :


" ستصاب بالجنون إن بقيت هكذا يا وليد ! بل إنك أصبت به حتما ... ينبغي أن تراجع طبيبا "



دفعت بالكرسي للوراء و أنا انهض فجأة و استدير موليا سيف ظهري ...
سيف وقف بدوره ، و تابع :


" لا تفعل هذا بنفسك ... أتريد أن تجن ؟؟ "



استدرت إلى سيف ، و قلت :


" ما الفرق ؟ لم يعد ذلك مهم "


" كلا يا وليد ... لا تعتقد أن الدنيا قد انتهت عند هذا الحد ... لا يزال أمامك المستقبل و الحياة "


قاطعته بحدّة و زمجرت قائلا :


" المستقبل ؟؟ نعم المستقبل ... لرجل عاطل عن العمل متخرج من السجن لا يحمل سوى شهادة الثانوية المؤرخة قبل ثمان سنين ! و يخبئ بعض النقود التي استعارها من أبيه في جيب بنطاله ليشتري بها الفاصولياء المعلبة فيسد بها جوعه ... نعم إنه المستقبل "




سيف بدأ يتحدّث بانفعال قائلا :


" تعرف أن فرص العمل في البلد ضئيلة بسبب الحرب ، لكنني سأتدبر الأمر بحيث أتيح الفرصة أمامك للعمل معي ... "


قلت بسرعة :


" معك ؟ أم عندك ؟؟ "



استاء سيف من كلمتي هذه و همّ بالانصراف .


استوقفته و قدمت إليه اعتذاري ...

لقد كان اليأس يقتلني ... و لا شيء يثير اهتمامي في هذه الدنيا ...

قال سيف :


" المزيد من الصبر ... و سترى الخير إن شاء الله "



ثم تقدّم نحوي و قال :


" و الآن ... تعال معي ... فالأشخاص الذين سيتناولون العشاء معنا سيهمك التعرف إليهم "



لكنني رفضت ، لم أشأ أن أظهر أمام رجال الأعمال و أحرج صديقي ، لكوني شخص تافه خرج من السجن قبل أسابيع ...




" كما تشاء ... لكنك ستحضر غدا ! عشاء خاص بنا نحن فقط ! "


أومأت إيجابا ، إكراما لهذا الصديق الوفي ...

قال سيف :


" يا لك من رجل ! لقد أنسيتني ما جئت لأجله ! "

" ما هو ؟؟ "

" تلقيت اتصالا من والدك اليوم ، يريد منك أن تهاتفه للضرورة "




شعرت بقلق ، فلأجل ماذا يريدني والدي ؟؟



" أتعرف ما الأمر ؟؟ "

" لا فكرة لدي ، لكن عليك الاتصال بهم فورا "



و أشار إلى الهاتف المعلق على الجدار ...

قلت :



" الخط مقطوع ! "

" حقا ؟؟ "

" كما كانت الكهرباء و المياه أيضا ! تصور أنني عشت الأيام الأولى بلا نور و لا ماء ! "


ضحك سيف ثم قال :


" معك أنت يمكنني تصور كل شيء ! هل تريد هاتفي المحمول ؟ "

" لا لا ، سأتصل بهم من هاتف عام "



سار سيف نحو الباب مغادرا ، التفت قبل الانصراف و قال :


" موعدنا غدا مساءا ! "

" كما تريد "





و عدت إلى طبقي الفاصوليا التي بردت نوعا ما ، و أفرغتهما في معدتي ...


لم يكن في المنزل أي طعام ، و كنت اشتري المعلبات و التهم منها القدر الذي يبقيني حيا ...






تعمدت عدم الاتصال بأهلي طوال الأسابيع الماضية ، و عشت مع أطيافهم داخل المنزل

حاولت البحث عن عمل و لكن الأمر كان أصعب من أن يتم في غضون بضع أسابيع أو أشهر ...





في ذلك المساء ذهبت إلى أحد المحلات التجارية لشراء بعض الحاجيات ، قبل أن أجري المكالمة الهاتفية .



حين حان دوري للمحاسبة ، أخذ المحاسب يدقق النظر إلي بشكل غريب !

نظرت إليه باستغراب ، فقال :



" ألست وليد شاكر ؟؟ "


فوجئت ، فلم يبد لي وجه المحاسب مألوفا ... قلت :


" بلى ... هل تعرفني ؟؟ "


قال :


" و هل أنساك ! متى خرجت من السجن ؟؟ "



عندما نطق بهذه الجملة أثار اهتمام مجموعة من ال**ائن فأخذوا ينظرون باتجاهي ...


شعرت بالحرج ، و تجاهلت السؤال ... فعاد المحاسب يقول :


" ألم تعرفني ؟ لقد كنت ُ زميلا للفتى الذي قتلته ! عمّار "



أخذ الجميع ينظر باتجاهي ، و شعرت بالعرق يسيل على صدغي ...


جاء صوت من مكان ما يقول :


" أ تقول أن المجرم قد خرج من السجن ؟؟ "



تلفت من حولي فرأيت الناس جميعا ينظرون إلي بعيون حمراء ، يقدح الشرر من بعضها ، و ينطلق الازدراء من بعضها الآخر ...


شعرت بجسمي يصغر ... يصغر ... يصغر ... ثم يختفي ...



خرجت من المكان بسرعة ... دون أن آخذ حاجياتي ، و ركبت سيارتي و انطلقت مسرعا تشيعني أنظار الجميع ...



لقد أصبحت ذا سمعة سيئة تشير إلي أصابع الناس بلقب مجرم ...



توقفت عند أحد الهواتف العامة ، و اتصلت بمنزل عائلتي في المدينة الأخرى ...




كانت الساعة حينئذ الحادية عشر ... و رن الهاتف عدة مرات و لم يجب أحد ...



و أنا واقف في مكاني أراقب بعض المارة ، تخيلتهم ينظرون إلي و يتحدثون سرا ...


ربما كانوا يقولون : إنه وليد المجرم !


و مرت مني سيارة شرطة تسير ببطء ...


شعرت برعشة شديدة تسري في جسدي لدى رؤيتها ، كانت النافذة مفتوحة و أطل منها الشرطي و أخذ ينظر باتجاهي


كدت أموت فزعا ... و تخيلته مقبلا نحوي ليقبض علي و يزج بي في السجن من جديد ...


شعور مرعب مفزع ...


ظلت يدي تضغط على أزرار عشوائية ، تتصل ربما بالمريخ أو المشتري ، دون أن أملك القدرة على التحكم بها ... حتى ابتعدت السيارة شيئا فشيئا و استعدت بعض الأمان ...


أعدت الاتصال بمنزل عائلتي و بعد ثلاث رنات أو أربع ، أجاب الطرف الآخر ...


" نعم ؟ "



لم أميز الصوت في البداية ، لكنه عندما كرر الكلمة أدركت أنها كانت رغد ...


" نعم ؟ من المتحدث ؟؟ "



كان فكي الأسفل لا يزال يرتجف أثر رؤية سيارة الشرطة ... و ربما سمعت رغد صوت اصطكاك أسناني بعضها ببعض ...


قربت السماعة من فمي أكثر ، و بيدي الأخرى أمسكت بفكي و طرف السماعة كمن يخشى تسرب صوته للخارج ...

ربما سمع رجال الشرطة صوتي و عادوا إلي !


قلت :


" أنا وليد "


لم أسمع أي صوت فظننت أن الطرف الآخر قد أقفل السماعة ، قلت :



" رغد ألا زلت معي ؟؟ "

" نعم "


ارتحت كثيرا لسماع صوتها


أو ربما ... تعذبت كثيرا ...




" وليد كيف حالك ؟ "

" أنا بخير ، ماذا عنكم ؟ "

" بخير . كنت أنتظرك ، أقصد كنا ننتظر اتصالك "


قلت بقلق :



" ما الأمر ؟؟ "


رغد قالت :


" لقد نام الجميع ، والدي يريد التحدث معك ، يجب أن تحضر "


أقلقني حديثها أكثر ، سألت :


" ما الخطب ؟؟ "

" إنه موضوع زواج دانه ! لن أخبرك بالتفاصيل و إلا وبختني ! يجب أن تحضر قبل مساء الأربعاء المقبل "





كان أمرا فاجأني ، و هو أكبر من أن أناقشه مع رغد و رغد بالذات على الهاتف في مثل هذا الوقت ... و المكان ...



لذا اختصرت المكالمة بنية الاتصال نهار اليوم التالي لمعرفة التفاصيل ...





" حسنا ، سأتصل غدا ... إلى اللقاء "

" وليد ... "





حينما سمعت اسمي على لسانها ارتجف فكي أكثر مما كان عند رؤية سيارة الشرطة ....


خرجت الكلمة التالية مبعثرة الحروف ...


" نـ ... ـعم ... صـ ... ـغيـ ... ـرتي ؟؟ "

" عد بسرعة ! "




و التي عادت بسرعة هي ذكريات الماضي ...

و الذي طردها بسرعة هو أنا

لم أكن أريد لشيء قد مات أن يعود للحياة ...


قلت :


" سأرى ، وداعا "



و بسرعة أيضا أغلقت السماعة ...


كم شعرت بقربها ... و بعدها ...






حينما عدت إلى المنزل ، وقفت مطولا أمام غرفة رغد أحدق ببابها ... حتى هذه اللحظة لم أجرؤ على فتحها هي بالذات من بين جميع غرف المنزل الموحش ...





دخلت إلى غرفتي الغارقة في الظلام ، و تمددت على سريري بهدوء ...


( عد بسرعة ... عد بسرعة ... عد بسرعة ... )



ظلت تدور برأسي حتى حفرت فيه خندقا عميقا !







سمعت طرقا على الباب ... طرقا خفيفا ... جلست بسرعة و ركزت نظري ناحية الباب ... كان الظلام شديدا ...


شيئا فشيئا بدأ الباب ينفتح ... و تتسلل خيوط الضوء للداخل

و عند الفتحة المتزايدة الحجم ، ظهرت رغد !

رغد وقفت تنظر إلي و وجهها عابس ... و الدموع منحدرة على خديها الناعمين ...


هتفت ...


" رغد ! "


بدأت تسير نحوي بخطى صغيرة حزينة ... مددت ذراعي و ناديتها :


" رغد تعالي ... "

لكنها توقفت ... و قالت :

" وليد ... عد بسرعة "



ثم استدارت عائدة من حيث أتت


جن جنوني و أنا أراها تغادر


قفزت عن سريري و ركضت باتجاهها و أنا أهتف :


" رغد انتظري ...

رغد لقد عدت ...

رغد لا تذهبي "




لكنني عندما وصلت إلى الباب كانت قد اختفت ...

أسرعت إلى غرفتها أطرق بابها بعنف ...

كدت أ**ره ، أو أ**ر عظامي ... لكنه ظل موصدا ...

كما هي أبواب الدنيا كلها أمام وجهي ...





أفقت من النوم مذعورا ، فوجدت الغرفة تسبح في الظلام و الباب مغلق ...

لم يكن غير كابوس من الكوابيس التي تطاردني منذ سنين ...



و رغم انها تعذبني ، ألا أنها تمنحني الفرصة لرؤية صغيرتي التي حرمت منها منذ سنين ... و لم يعد لها وجدود ...





في اليوم التالي ، اتصلت بوالدي و عرفت منه تفاصيل الموضوع ... و لكم أن تتصوروا اللهفة التي كان هو و أمي و دانة أيضا ... يخاطبوني بها




أختي الصغيرة ... التي كبرت بعيدا عن أنظاري و رعايتي و اهتمامي ، أصبحت عروسا



" وليد يجب أن تحضر و تجلب لي هدية أيضا ! "




و الآن ... و بعد مرور شهر واحد من هروبي منهم ، و عزلتي في المنزل، صار علي أن أعود إليهم من جديد ... أجر أذيال الخيبة و الفشل ...







في المساء ، ذهبت لسيف و أخبرته بما جد من أمري ، و أخبرني بأنه استطاع تدبير وظيفة لي في الشركة التي يعمل فيها و يملك جزءا منها



و بدأ أول أبواب الدنيا ينفتح أمامي أخيرا ...




" يجب أن تعود بأسرع ما يمكن لتباشر العمل "









يتـــــــــبع





أرجو أن تنال رضاكم..

سأكمل غــدا انشأالله ..

أبتعدوا قليلاً عن الشاشة..

حتى لاترهقوا أعينكم..

شكراً لقرائتكم..

وتشجيعكم لي..


مشاعر

رد مع اقتباس