قد تختلف الاراء ويشتد النقاش بين الاطراف المتجادلة بشان قضية ما، وليس من الضروري ان يصلوا جميعا الى رأي واحد متفق عليه والذي يعني بالضرورة اقتناع احد الاطراف بصحة ما لدى الطرف الاخر و بخطأ ما يقتنعه هو، وهذه النتيجة (الا وهي اقتناع احد الطرفين بحجة الاخر) نادرا ما تتحقق في حال كان الطرفان متكافئان من ناحية التحصيل العلمي والثقافي ومستوى الحديث و ايصال ما لديهم من افكار ، اذ غالبا ما تحول مكابرة الخاسر دون اعترافه باقتناعه ولو اضمر هذا الاقتناع، بينما في بعض المناقشات يسهل الاقناع لو كان الفارق الثقافي بين الطرفين شاسعا ولا ادل على ذلك من اقتناع الاطفال بأراء ابائهم في غالب الوقت واقتناع التلميذ بوجهة نظر استاذه، ولن اتطرق في هذا الموضوع الى النقاش بين الاب وابنه او بين الاستاذ وتلميذه اذ يحكم هذا النقاش في العادة عدة امور اولها السلطة التي يتمتع بها كل من الاب والاستاذ والفارق العمري بينهم وبين مناقشيهم من الاطفال او المراهقين او الشباب ،اما النقاش المحتدم بين الاطراف التي لا يتمتع اي منها بسلطة على الطرف الاخر، اي ان كل طرف مُلك نفسه وكل منهم قادر على ابداء رأيه بكل حرية ، فهم متحررون من هذه الناحية ولكن هناك عدة فوارق تشكل في الغالب عقبة وعائقا امام التوصل الى نقطة تلاقي بين المتجادلين ، و هناك نوع اخر من المناقشات وهي المناقشات العقيمة التي يكون احد اطرافها جاهلا او احمقا فهذه النقاشات لا نهاية لها والنتيجة فيها محسومة للجاهل -في نظر الحمقى طبعا- ، واخراً النقاشات الدائرة بين الاطراف المتكافئة علما وثقافة واسلوبا ، فهذه العوامل الثلاثة المشتركة تجمع هذين الطرفين لتناول قضية مُختلف عليها بينهما ، فيبسط كل من الطرفين رأيه وحججه و براهينه عن القضية ويكوّن المستمع الراشد العاقل على اثرها رأيه ويحدد توجهه وقد لا يحصل هذا الامر لو عجز الطرفان عن عرض بضاعتهما بالطريقة المناسبة فيظل المستمع في حيرة من امره، علاوة على ان العواطف لدى المستمع قد تشكل توجهه مسبقا فيكون الانحياز تجاه الطرف القريب ولو كان الحق مع الطرف الابعد ، كما ان مكابرة الطرف الخاسر و امتناعه عن الاعتراف بالحق قد تضلل المستمع وتبعده عن الحقيقة وتجعله في حيرة من امره تجاه القضية مَثَار النقاش.
لذا فالاعتراف بالحق فضيلة كما يقال، ونحن وللاسف في عالمنا العربي نتميز بالمكابرة و انكار الحق ، وقد عزز ثقافة المكابرة لدينا عدة اسباب: اولها اننا نرى في الاعتراف بالحق :اهانة لنا ، ثانيها ان الجمهور العربي لم يرتق لمستوى تقييم الحوارات النقاشية، فما زال البعض يرى انها مباراة بين فريقين ومن فاز له الفخر ومن خسر فله العار والخزي و سيُشار اليه بالبنان مع ضحكات تهكمية شاخرة شامتة، فكانت النتيجة ان لا احد يعترف بالحق حفاظا على ماء الوجه اي بمفهوم الجمهور السطحي (النتيجة تعادل) ، واتفق العرب على الا يتفقوا!