كان وراء البحر العظيم آلهة عظيمة.. يقال لها أمريكا -3-
المشهد الثالث
(دروس من جامع قندهار... ثم كيدون)
انصرف الشيخ من صلاته، وأسند ظهره إلى أحد أعمدته، ثم سأل: أين محمد آصف؟
- نعم يا شيخ
قال الشيخ: هل أحضرت "مجالس الملا عبد العليم"؟
- نعم يا شيخ... هذه "مجالس الملا عبد العليم"، أملاها على الفقير إلى عفو ربه "أخو من طاع الله"، سنة 1423 هـ، وكتبها في منتدى العرب على أجزاء... ثم جمعها في كتاب.
قال الشيخ: فاقرأ لنا ما قال الملا عن أسامة ومخالفيه.
قال آصف: نعم يا شيخ؛ قال المصنف رحمه الله؛ قال الملا عبدالعليم؛ وقد كان من خبر أسامة، أن عاداه عبّاد أمريكا في العالم، على سب آلهتهم وضربها وفقئ عينيها وكسر أنفها، وقالوا اقتلوه وانصروا آلهتكم، فتحالفوا كلهم عليه، حلف لم يسمع بمثله، واجتمعت أمم لم تجتمع في التاريخ من قبل...
وكذلك... غضب عليه عمالها على البلاد الإسلامية، تبع لغضب آلهتهم، وذلك أن أمريكا كانت تولي على كل بلد إسلامي رجل منهم، يكفيها شر قومه، ويؤدي إليها خراجهم، فكان غالب سكان الأرض على فريقين؛
- فدخل في خندق أسامة من دخل فيه من المؤمنين الصادقين.
- ودخل في حلف أمريكا من دخل فيه من مواليها وأحابيشها.
وبقيت طائفة ثالثة؛ لا لون لها ولا طعم ولا ريح، فضلوا عدم الإنحياز لفئة، وظنوها وسطية، نعوذ بالله من الجهل والخذلان.
قال الملا عبد العليم؛ وكان من جملة من خالفه أيضا، نفر من قومه، عابوا عليه كسر الصنم قبل طلب العلم، وتعلم التوحيد، وما علموا أن أسامة أصبح مجدد التوحيد في عصره، لماّ وحّد المعبود بحق في ألوهيته...
وآخرون من قومه عابوا عليه كسر الصنم، قبل إعداد العدة وتربية الناس، وزعم هؤلاء أنهم كانوا يعدون العدة فعلا لكسر ذلك الصنم، وزعموا أنه لولا استعجال أسامة وأنصاره، لأقر الله عين المسلمين بزوال أمريكا بلا حرب، في فترة قصيرة نسبياً، لا تتجاوز العشرة آلاف سنة بتقويم أم القرى؛ ستة آلاف منها للتربية وأربعة لإعداد العدة!
وكان من خطتهم أن يصافحوا الصنم ويسالموه تقيةً، حتى يتركهم يدعون الناس الذين عنده إلى الإسلام، حتى إذا أسلموا كلهم...كسروا الصنم، وفاتهم أن يعلّموا من يدخل في الإسلام؛ أن الإسلام يحرم عبادة الأصنام.
قال الملا عبدالعليم؛ فاجتمع هؤلاء وهؤلاء وأولئك - العبّاد والعمّال والمخالفين.
قال الملا؛ ولا نعلمهم اجتمعوا قبلها، بل كانوا أعداءً متنابذين، فقالوا؛ "قد حضر ما ترون، وليس لنا إلا الرأي والمشورة، ونبذ خلافاتنا القديمة إلى حين، فقد دخل حب هذا الرجل في قلوب الناس، وكثر مؤيدوه، ولا نظنهم إلا مسعروا حرب وجالبوا شر ووبال على لأمة بسفههم وحمقهم وقلة صبرهم، والناس لا تسمع ما نقول، لاختلاف قولنا فيه، فقولوا فيه قولاً واحداً نجمع كلنا عليه؟".
فقال بعضهم؛ "نقول خارجي"، فرد عليه أحدهم - وكان عنده أثارة من علم -؛ "إن كنت تقصد خارجي العقيدة، فليس كذلك لأنه لا يكفر بالكبيرة، وإن قصدت خارجي الفعل، فلا نعلمه خرج على إمام، وإنما بايع إمام البلد التي أقام فيه وقاتل معه وحارب بإذنه، وما زال يأتمر بأمره ويرعى حقه، فبيعتنا لا تلزمه، وإمامنا ليس إماماً له، وولي أمرنا ليس ولي أمره، حتى الجنسية سحبوها منه، تكرما، وإقالة للبيعة".
فقال بعضهم؛ "إذاً نقول تكفيري"، فقال رجل يعرفه؛ " لا أعلمه يكفر عموم المسلمين، بل علمت يقينا ممن تدرب عنده أنه يخالف التكفيريين ويطردهم من معسكراته وجبهاته".
فقال سفيههم؛ "فنقول تاجر مخدرات"، فسكت القوم ونظروا إليه نظرة عرف مغزاها، وصدرت من أحدهم صوت ضحكة حاول كتمها، فاستحيى الرجل ونكس رأسه، وكانت فلتة، فقد نسي أنه لا يخفى على الحاضرين ما قد يخفى على الناس، أنه وإخوانه وأبناءهم أكبر تجار المخدرات في البلاد.
فقال أحدهم؛ "نقول عنه إرهابي، سفاك للدماء"، فرد عليه الأول؛ "هذه التهمة تصلح للغربيين، أما المسلمين فهي عندهم صفة مدح لا ذم، وسفك دماء الكفار مطلب شرعي أمر الله به في كتابه، {حتى يثخن في الأرض}، {حتى إذا أثخنتموهم...}".
فقال أعقلهم؛ "فنقول افتأت على الأمة، فأيقظ الفتنة النائمة وجر الأمة إلى حرب غير متكافئة، وستدفع الأمة ضريبة جهله وتهوره من دماء أبنائها"، فقال الأول؛ "لم تمر الأمة منذ عشرة عقود بحال هي أفضل مما نحن عليه الآن، وكانت المذابح والمجازر في الأمة قبل مولد أسامة، ولكني أظن أن هذا القول - على فساده - هو ما يمكن أن يروج على الناس، لأن الناس ألفت الراحة والدعة، واستعداء أمريكا سيغير عليهم ما اعتادوه من الحياة المترفة، فيسلموا لهذا القول ويصادف هوى في أنفسهم، فيذعنوا له بالرضا والقبول".
فقالوا؛ "هو القول إذا، فقولوا به وتلطفوا فيه، وانشروه".
فصدرت بيانات سقيمة، يرى باطنها من ظاهرها، مجها الناس ولم يفهموا منها شيئا، فزعموا التراجع، وأصدروا أخرى، تلطفوا بها، دبجوها وأحسنوا حشوها بتحذيرات لأمريكا وتهديدات جوفاء لا معنى لها، لم تلتفت لها أمريكا، ولكن فرح بها بعض العامة، وظنوها نصرة للمجاهدين.
ولكن الله تعالى يقول؛ {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق}، فتجدهم يمكرون الليل والنهار، ويملؤن أسماع الدنيا وأبصارها في كل وسائل الإعلام لصحف والإذاعة والتلفاز والقنوات الفضائية، لبضعة أشهر، حتى إذا ظنوا أنهم قد جمعوا الناس عليهم، ونفروهم عن أسامة، ظهر تسجيل لأسامة - لا يتجاوز الخمس دقائق - فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، انفضت الناس عنهم، وأنصتت تستمع إلى الأسد.
انتهى كلام صاحب المجالس.
قال الشيخ: رحم الله الملا عبد العليم فقد كان خبيرا بمذهب القوم، ولم يكن بالقوم بأس، لا بغضا للمجاهدين ولا حبا في الكافرين، إلا أنهم كرهوا أن تتغير عليهم الدنيا، فإن النفس إذا ألفت شيء تنفر من تغييره، ولذلك كانت حجة المشركين على الأنبياء {إنا وجدنا آباءنا على أمة}، يرفضون مجرد التفكير في تغيير نمط حياتهم، التي ارتضوها وألفوها.
ومن ذلك أن معظم الذي أنكروا على أسامة إنشاب القتال، كانوا ألفوا القعود، واطمأنوا للأمن والاستقرار، وكرهوا القتال، وقد طابت معايشهم وجرت أرزاقهم عميمة وفيرة؛ مساكن مريحة وزوجات وأولاد ومراكب فارهة وغيرها من وسائل الدعة والراحة، فدافعهم الأساسي هو خوفهم أن تتغير عليهم هذه الحياة، ولكي لا يكون ذلك على حساب دينهم، جعلوا الدين يدعوا إلى ذلك، وصنعوا لهم من بعض الآيات والأحاديث؛ ديناً سهلا ً، لا يوجب على من تمسك به أي تضحيات، ولا يمس دنياه بشيء.
قال أحد الطلبة: وعلى ماذا يدور ذلك الدين؟
قال الشيخ: "ما آتاكم ولي الأمر فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا"! وهم وإن لم يقولوا هذا بألسنتهم، إلا أنهم جعلوه دينا ألزموا به الناس، فإذا أمر ولي الأمر بالمكوس؛ صارت حلالاً واجباً، وإن كانوا يرون حرمتها شرعا، وإذا نهى ولي الأمر عن الجهاد؛ صار حراماً ممنوعاً، وإن كانو يرون وجوبه شرعا، وابتدعوا شيئا اسمه "المصلحة تقتضي..."، شيء عجيب لا يصمد أمامه نص من كتاب ولا سنة... نسأل الله السلامة والعافية.
والكلام في هذا يطول، ولكن نكتفي بهذا القدر... والله تعالى أعلم وأحكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.