ابوحمد الشامري
20-08-2004, 08:15 PM
كلما ذكر النقاد العيون وسحرها ذكروا في مقابل ذلك بيت ابن الجهم:
عيون المها بين الرصافة والجسر=جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
ويستدلون به على الرقة والعذوبة وتأثير البيئة على الشاعر وإن كنت أشك في تفاصيل قصة الأبيات، وهناك بيت لشوقي لايكاد يذكر، وهو أبلغ كثيراً من الأبيات التي وصفت العيون وسهامها على مر التاريخ:
قف تمهل وخذ لقلبي أماناً=من عيون المها وراء السواد
فقوله «قف» «خذ لقلبي أماناً» دليل على أنه يتكلم وبقلبه من تلك العيون كلوم أدت إلى عقدة دراما كاملة، أما ابن الجهم فربما كانت تجربته الأولى على مقاعد الدرس، لم يفهم من تفاصيل يومه الدراسي إلا الكلام الإخباري، ولا أدري لما أعجب الناس بهذا البيت وقوله «جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري، يدل على حالة غياب عن الوعي وإلادراك، أم هو من جملة الآراء النقدية المعلبة التي ورثناها ويتلقفها بعضنا بلا تفكير ويتبناها أنصاف النقاد..
ولقد أحسن شوقي لما امتطى صهوة بحر الخفيف المناسب لهذا المقام في وصف العيون غير أنه غير مناسب للغرض العام وهو مدح الملك فيصل الأول بينما امتطى ابن الجهم صهوة بحر الطويل المناسب للمدح،، وكلاهما في سواد العراق، وكلاهما يصف العيون في تلك الأرض، والتشبيه بعيون المها دليل على ارتباط تاريخي بين المها وسواد العراق من أيام النعمان عندما طلب كسرى من وزرائه أن يبحثوا له عن فتاة بصفة معينة، فقال له عدي بن زيد إنها لا توجد إلا في بنات النعمان أو بنات أخيه الأسود، وعندما أتى عدي مع الوفد مترجماً، قال النعمان لموفد كسرى أليس في مها السواد ما يكفي الملك. فسأل الموفد عدياً ما معنى «مها» فأجابه بالفارسية «كاوان» وتعني البقر، وترجمت لكسرى بهذا اللفظ، فغضب اعتقاداً منه أن ذلك إهانة لإرادته، فقال رب عبدٍ أراد ماهو أقل من ذلك وكان أمره إلى تباب، وجر ذلك الموقف مقتل النعمان الذي جر أيضاً يوم ذي قار..
ولو سألت أهل المشرق والمغرب: ما أحسن ما قيل لقالوا : بيت جرير:
إن العيون التي في طرفها حور=قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
وهذا رأي نقدي معلب أيضاً، وهو في أحسن الأحوال إن صحت قصة الأبيات رأي العذري في بلاط الخليفة مع أن القصة بكاملها بينة الصنعة والافتعال، وهناك بيتان للشاعر نفسه أجمل بما لا يقاس:
إن الذين غدوا بلبك غادروا=وشلاً بعينك لا يزال معيناً
غيض من عبراتهن وقلن لي=ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فالجمال في قوله «غيض من عبراتهن» إذ وصف العين الباكية بسبب الظرف عندما تمتلئ بالدمع ثم تمسح العذراء ذلك بأصابعها حتى قيل: إن فقهاء وعلماء وقضاة لما سمعوا هذا البيت نذروا ألا يكلموا الناس إلا به يوماً كاملاً، لأنه وصف للحظة آنية بصورة متحركة، تدب فيها الحياة، وهذا من أصعب أنواع الوصف، ومثله قول عدي بن الرقاع العاملي:
وسنان أقصده النعاس فرنّقت=في عينه سنة وليس بنائم
فالجمال في قوله «أقصده النعاس»، لأنه يصف المرحلة التي بين النوم واليقظة في العين، والقصدة القطعة من الرمح تبقى في جسد المصاب، فهو لم يمت بعد ولكنها قاتلة، وقوله «فرنقت» تفيد سكوناً آنيا من بعد حركة وستعقبه حركة، ولا ينسى أيضاً قول المثقب العبدي «وثقبن الوصاوص للعيون» عندما يصف محاولة العين النظر للحبيب من خلال ثقب ضيق ما أحوج الشعر لقراءات مثل هذه القراءة التي تسمو بالذوق العام وتعري الشعراء الذين تصدروا عن طريق الإرهاب والنقاد الذين تصدروا أيضاً عن طريق الإرهاب، لا يفسحون للجميل أن يأخذ مكانة، يزنون الأشياء بميزان معلق في يد مطففٍ لا يرقى إلى مستوى ذلك المغني الذي قال: إن التراث صناعة إنسانية، وليست شيئاً مقدساً.. فيأخذ بذلك جوازاً للعبث وتغيير الهوية، وما أصدق تلك العبارة التي قرأتها ذات يوم منقوشة على صحن من القرن الثالث الهجري: «المال للإنفاق لا للجمع، والجمال للإعجاب لا للإرهاب».
نعم لقد أبدع شوقي في احترامه للجمال الذي لم يستطع أن يقتحم أسراره وسقط ابن الجهم الذي هرول في طريق الجنس وهو يحسب أنه يحسن صنعاً في اختزاله هذا السر ضمن إطار مشوهٍ، وكأنه لم يسمع بتضحية العشاق بعروشهم تقديراً للجمال الذي يصعب تعريفه، ولا أدل على ذلك من تنازل الأمير إدوارد عن عرش بريطانيا، وموقف أمير المدينة في خلافة هشام فيما أظن عندما هدده الخليفة بعزله عن الإمارة إذا لم يترك زينب، فقال:
لا أبالي ما لقيت من الهوى=إذا بقيت لي كعكعتان وزينب
وذلك الذي تمنى أن يخرج من عالم البشر إلى عالم آخر:
ألا ليتنا ياعز من غير ريبةٍ =بعيران نرعى في الفلاة ونضرب
لا يمكن بأي حال أن نتصور أن الجنس هو الذي جعل هؤلاء يتنازلون عن أشيائهم، ولا يمكن أن نتصور غير الجمال والإبداع في تلك التي قال عنها عمر بن أبي ربيعة عندما قالت ما قالت لجارياتها في أجمل بيت قالته العرب في الدلع:
خذن عني الظل لا يتبعني=ومضت تعدو إلى قبتها
ولذلك هُزم الشجعان ذوو المكانة الرفيعة والقوة والبأس أمام عين نجلاء، قال عبدالله بن طاهر:
نحن قوم تليننا الحدق النجل=على أننا نلين الحديدا
طوع أيدي الظباء تقتادنا العيس=ونقتاد بالطعان الأسودا
نملك الصيد ثم تملكنا البيض=المصونات أعينا وخدودا
وقال عبدالله بن عجلان بن عبدالأحب:
لقد كنت ذا بأسٍ شديد وهمةٍ=إذا شئت لمساً للثريا لمستها
أتتني سهام من لحاظ فأرشقت=بقلبي ولو أسطيع رداً رددتها
فما السر الذي دعا شوقي إلى طلب الأمان؟
إن العين هي الجزء الوحيد من الدماغ الذي يطل على العالم الخارجي، ولذلك يظهر التأثير عليهما قبل سائر الأعضاء عند الكائنات الحية حتى إن الحيوانات البرية المفترسة لا تنظر إلى عينيك مباشرة إلا إذا أرادت الفتك بك، لأن النظر إلى العينين والتحديق فيهما تعرية لحقيقة الأشياء وقراءة دقيقة لما أمامك، وأذكر قصة عالمة الأحياء التي أمضت أعواماً في دراسة قرود البابون، وعندما نظرت ذات مرة إلي عيني أحد أفراد القطيع مباشرة هجم عليها القطيع ومزقها، وأمضت فترة في المستشفى ثم عرفت بعد ذلك أن السبب في تمزيقها النظر إلى عيني تلك القردة.
وما في ذلك من تعرية وتحد، قال الأستاذ جاء النقاش في تأملات في الإنسان «تستطيع العين أن تجمع كل طاقة القلب في نظرة واحدة، يمكن للعين أن تحمل المرارة في نظرة، وتحمل أسى الأيام في نظرة، ويمكن للعين أن تتكلم بدون ألفاظ ينطق بها اللسان، وأن تقول في لمحة واحدة ما يظل اللسان يرويه في ساعات أو في أيام، إن الإنسان يتركز كله ويمكن تلخيصه في العين ولذلك فأنا أحب العيون وأخاف العيون. والفلاسفة والشعراء لم يهتموا بشيء في الإنسان بقدر ما اهتموا بالعين ...».
بل إن الطبيب الماهر يمكنه أن يعرف الحالة الصحية للإنسان بمجرد النظر إلى قاع العين، قال الدكتور كوين لي مدير عام الرعاية الصحية للعيون في لندن إن الأعراض المرضية التي لا يمكن اكتشافها في مكان ما في الجسم يمكن معرفتها بمجرد النظر في العين، لأن خلفية العين تعتبر المكان الوحيد الذي يمكن من خلاله رؤية الأوعية الدموية من دون تدخل جراحي، وتلك الأوعية الدموية تمكن الطبيب المعالج من اكتشاف بدايات ظهور أي مرض يصيب الدورة الدموية مثل الجلوكوما وارتفاع ضغط الدم واضطرابات الكلى وحتى ظهور الأورام الخبيثة» كما نقل ذلك الأستاذ عبدالله باجبير. وتركيز العرب على هذا الجزء من الجسد دليل على ذوقهم الرفيع؟ لأنهم أمة شاعرة بالفطرة وعاشقة للجمال منذ الأزل، ولذلك عندما يمدح النقاد أبياتاً تشبِّه العيون الناعسة بأنها مريضة والشفاه الحمراء وبالدم فهم يجهلون طبيعة النفس العربية التي تأنف من هذا الوصف غير المتكافئ، كما أنها تأنف من الحديث عن الجنس، لأن المرأة أعلى شأناً وأكرم أرومة. وهذا جعلهم يتعاملون مع الجزء الخارجي باعتبارها رمزاً لا يخضع لثقافة إباحية، ولا لتأثر بعقائد ذات طقوس جنسية كالموثولوجيا اليونانية وتمثال «أفروديت» أو عقيدة الشيوا الهندية ولا لسادية باسم النمو الاقتصادي الذي يقدم الملايين من القرابين البشرية على مذبحة، ولا أتصور كائناً يمكن أن يدرك أسرار الجمال كما أدركها شاعرنا العظيم «أمير الشعراء شوقي »وهو على الطريقة اليابانية التي رأيتها في فلم وثائقي عن تجارب الأسلحة البيولوجية في الحرب العالمية الثانية إذ جمعوا آلاف الصينيين وحولوهم إلى مزارع جرثومية حية، ثم يكبلونهم بالسلاسل والحديد ويغرسون الإبر في اجسادهم لسحب الدماء الملوثة فيما يقوم الجنود اليابانيون بالضغط على صدورهم بأرجلهم ذات البسطال الثقيل حرصاً على عدم ضياع أي قطرة من دم في النهاية هو ملوث، والطريقة الأمريكية في تحويلها مدينتي هيروشيما ونجازاكي إلى مقابر جماعية بعد حرقها بالسلاح النووي، وليت هؤلاء عرفوا طائر القطرس الذي يشمخ أمام إرادتهم المتقزمة، ذلك الطائر العظيم الذي يعود إلى أطفاله من رحلة صيد طويلة وهو خالي الوفاض، فيكشف صدره لفراخه الجائعة ويطعمها في لحظة يتهاوى شهيداً، ليحافظ على النوع مشروعاً قومياً تتقزم أمامه الشيوعية والرأسمالية والصهيونية والماسونية وما سواها.
نعم لقد نجح شوقي في فلسفة الجمال والحياة وسقط ابتذال نظريات الإباحة والحداثة وأثرياء الحروب وسماسرة المعارك من جنرالات وضباط يملأون صدورهم بأوسمة الارتزاق ويثقلون أكتافهم بالنسور المحنطة بعدما سلبوا الأطفال حقهم في العيش والحليب والتعليم والرسم، وطمسوا بسوادهم وآلاتهم العسكرية كل بياضٍ في عين نجلاء تحلم أن تبني بيتاً صغيراً من ورق التوت ذات يوم أيها السادة: عندما نتحدث عن معايير الجمال نجدها في النهاية تختلف من كائن إلى آخر، وهذا الخليفة يسأل عزة: ماالذي رآه فيك كثير وحتى يمجدك في شعره؟ فأجابت الذي رآه فيك المسلمون فجعلوك خليفة.
ليكون بذلك جوابها درساً قاسياً لأعلى سلطة فيما يجب. أن يقال.
ابو حمد الشامري
عيون المها بين الرصافة والجسر=جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
ويستدلون به على الرقة والعذوبة وتأثير البيئة على الشاعر وإن كنت أشك في تفاصيل قصة الأبيات، وهناك بيت لشوقي لايكاد يذكر، وهو أبلغ كثيراً من الأبيات التي وصفت العيون وسهامها على مر التاريخ:
قف تمهل وخذ لقلبي أماناً=من عيون المها وراء السواد
فقوله «قف» «خذ لقلبي أماناً» دليل على أنه يتكلم وبقلبه من تلك العيون كلوم أدت إلى عقدة دراما كاملة، أما ابن الجهم فربما كانت تجربته الأولى على مقاعد الدرس، لم يفهم من تفاصيل يومه الدراسي إلا الكلام الإخباري، ولا أدري لما أعجب الناس بهذا البيت وقوله «جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري، يدل على حالة غياب عن الوعي وإلادراك، أم هو من جملة الآراء النقدية المعلبة التي ورثناها ويتلقفها بعضنا بلا تفكير ويتبناها أنصاف النقاد..
ولقد أحسن شوقي لما امتطى صهوة بحر الخفيف المناسب لهذا المقام في وصف العيون غير أنه غير مناسب للغرض العام وهو مدح الملك فيصل الأول بينما امتطى ابن الجهم صهوة بحر الطويل المناسب للمدح،، وكلاهما في سواد العراق، وكلاهما يصف العيون في تلك الأرض، والتشبيه بعيون المها دليل على ارتباط تاريخي بين المها وسواد العراق من أيام النعمان عندما طلب كسرى من وزرائه أن يبحثوا له عن فتاة بصفة معينة، فقال له عدي بن زيد إنها لا توجد إلا في بنات النعمان أو بنات أخيه الأسود، وعندما أتى عدي مع الوفد مترجماً، قال النعمان لموفد كسرى أليس في مها السواد ما يكفي الملك. فسأل الموفد عدياً ما معنى «مها» فأجابه بالفارسية «كاوان» وتعني البقر، وترجمت لكسرى بهذا اللفظ، فغضب اعتقاداً منه أن ذلك إهانة لإرادته، فقال رب عبدٍ أراد ماهو أقل من ذلك وكان أمره إلى تباب، وجر ذلك الموقف مقتل النعمان الذي جر أيضاً يوم ذي قار..
ولو سألت أهل المشرق والمغرب: ما أحسن ما قيل لقالوا : بيت جرير:
إن العيون التي في طرفها حور=قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
وهذا رأي نقدي معلب أيضاً، وهو في أحسن الأحوال إن صحت قصة الأبيات رأي العذري في بلاط الخليفة مع أن القصة بكاملها بينة الصنعة والافتعال، وهناك بيتان للشاعر نفسه أجمل بما لا يقاس:
إن الذين غدوا بلبك غادروا=وشلاً بعينك لا يزال معيناً
غيض من عبراتهن وقلن لي=ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فالجمال في قوله «غيض من عبراتهن» إذ وصف العين الباكية بسبب الظرف عندما تمتلئ بالدمع ثم تمسح العذراء ذلك بأصابعها حتى قيل: إن فقهاء وعلماء وقضاة لما سمعوا هذا البيت نذروا ألا يكلموا الناس إلا به يوماً كاملاً، لأنه وصف للحظة آنية بصورة متحركة، تدب فيها الحياة، وهذا من أصعب أنواع الوصف، ومثله قول عدي بن الرقاع العاملي:
وسنان أقصده النعاس فرنّقت=في عينه سنة وليس بنائم
فالجمال في قوله «أقصده النعاس»، لأنه يصف المرحلة التي بين النوم واليقظة في العين، والقصدة القطعة من الرمح تبقى في جسد المصاب، فهو لم يمت بعد ولكنها قاتلة، وقوله «فرنقت» تفيد سكوناً آنيا من بعد حركة وستعقبه حركة، ولا ينسى أيضاً قول المثقب العبدي «وثقبن الوصاوص للعيون» عندما يصف محاولة العين النظر للحبيب من خلال ثقب ضيق ما أحوج الشعر لقراءات مثل هذه القراءة التي تسمو بالذوق العام وتعري الشعراء الذين تصدروا عن طريق الإرهاب والنقاد الذين تصدروا أيضاً عن طريق الإرهاب، لا يفسحون للجميل أن يأخذ مكانة، يزنون الأشياء بميزان معلق في يد مطففٍ لا يرقى إلى مستوى ذلك المغني الذي قال: إن التراث صناعة إنسانية، وليست شيئاً مقدساً.. فيأخذ بذلك جوازاً للعبث وتغيير الهوية، وما أصدق تلك العبارة التي قرأتها ذات يوم منقوشة على صحن من القرن الثالث الهجري: «المال للإنفاق لا للجمع، والجمال للإعجاب لا للإرهاب».
نعم لقد أبدع شوقي في احترامه للجمال الذي لم يستطع أن يقتحم أسراره وسقط ابن الجهم الذي هرول في طريق الجنس وهو يحسب أنه يحسن صنعاً في اختزاله هذا السر ضمن إطار مشوهٍ، وكأنه لم يسمع بتضحية العشاق بعروشهم تقديراً للجمال الذي يصعب تعريفه، ولا أدل على ذلك من تنازل الأمير إدوارد عن عرش بريطانيا، وموقف أمير المدينة في خلافة هشام فيما أظن عندما هدده الخليفة بعزله عن الإمارة إذا لم يترك زينب، فقال:
لا أبالي ما لقيت من الهوى=إذا بقيت لي كعكعتان وزينب
وذلك الذي تمنى أن يخرج من عالم البشر إلى عالم آخر:
ألا ليتنا ياعز من غير ريبةٍ =بعيران نرعى في الفلاة ونضرب
لا يمكن بأي حال أن نتصور أن الجنس هو الذي جعل هؤلاء يتنازلون عن أشيائهم، ولا يمكن أن نتصور غير الجمال والإبداع في تلك التي قال عنها عمر بن أبي ربيعة عندما قالت ما قالت لجارياتها في أجمل بيت قالته العرب في الدلع:
خذن عني الظل لا يتبعني=ومضت تعدو إلى قبتها
ولذلك هُزم الشجعان ذوو المكانة الرفيعة والقوة والبأس أمام عين نجلاء، قال عبدالله بن طاهر:
نحن قوم تليننا الحدق النجل=على أننا نلين الحديدا
طوع أيدي الظباء تقتادنا العيس=ونقتاد بالطعان الأسودا
نملك الصيد ثم تملكنا البيض=المصونات أعينا وخدودا
وقال عبدالله بن عجلان بن عبدالأحب:
لقد كنت ذا بأسٍ شديد وهمةٍ=إذا شئت لمساً للثريا لمستها
أتتني سهام من لحاظ فأرشقت=بقلبي ولو أسطيع رداً رددتها
فما السر الذي دعا شوقي إلى طلب الأمان؟
إن العين هي الجزء الوحيد من الدماغ الذي يطل على العالم الخارجي، ولذلك يظهر التأثير عليهما قبل سائر الأعضاء عند الكائنات الحية حتى إن الحيوانات البرية المفترسة لا تنظر إلى عينيك مباشرة إلا إذا أرادت الفتك بك، لأن النظر إلى العينين والتحديق فيهما تعرية لحقيقة الأشياء وقراءة دقيقة لما أمامك، وأذكر قصة عالمة الأحياء التي أمضت أعواماً في دراسة قرود البابون، وعندما نظرت ذات مرة إلي عيني أحد أفراد القطيع مباشرة هجم عليها القطيع ومزقها، وأمضت فترة في المستشفى ثم عرفت بعد ذلك أن السبب في تمزيقها النظر إلى عيني تلك القردة.
وما في ذلك من تعرية وتحد، قال الأستاذ جاء النقاش في تأملات في الإنسان «تستطيع العين أن تجمع كل طاقة القلب في نظرة واحدة، يمكن للعين أن تحمل المرارة في نظرة، وتحمل أسى الأيام في نظرة، ويمكن للعين أن تتكلم بدون ألفاظ ينطق بها اللسان، وأن تقول في لمحة واحدة ما يظل اللسان يرويه في ساعات أو في أيام، إن الإنسان يتركز كله ويمكن تلخيصه في العين ولذلك فأنا أحب العيون وأخاف العيون. والفلاسفة والشعراء لم يهتموا بشيء في الإنسان بقدر ما اهتموا بالعين ...».
بل إن الطبيب الماهر يمكنه أن يعرف الحالة الصحية للإنسان بمجرد النظر إلى قاع العين، قال الدكتور كوين لي مدير عام الرعاية الصحية للعيون في لندن إن الأعراض المرضية التي لا يمكن اكتشافها في مكان ما في الجسم يمكن معرفتها بمجرد النظر في العين، لأن خلفية العين تعتبر المكان الوحيد الذي يمكن من خلاله رؤية الأوعية الدموية من دون تدخل جراحي، وتلك الأوعية الدموية تمكن الطبيب المعالج من اكتشاف بدايات ظهور أي مرض يصيب الدورة الدموية مثل الجلوكوما وارتفاع ضغط الدم واضطرابات الكلى وحتى ظهور الأورام الخبيثة» كما نقل ذلك الأستاذ عبدالله باجبير. وتركيز العرب على هذا الجزء من الجسد دليل على ذوقهم الرفيع؟ لأنهم أمة شاعرة بالفطرة وعاشقة للجمال منذ الأزل، ولذلك عندما يمدح النقاد أبياتاً تشبِّه العيون الناعسة بأنها مريضة والشفاه الحمراء وبالدم فهم يجهلون طبيعة النفس العربية التي تأنف من هذا الوصف غير المتكافئ، كما أنها تأنف من الحديث عن الجنس، لأن المرأة أعلى شأناً وأكرم أرومة. وهذا جعلهم يتعاملون مع الجزء الخارجي باعتبارها رمزاً لا يخضع لثقافة إباحية، ولا لتأثر بعقائد ذات طقوس جنسية كالموثولوجيا اليونانية وتمثال «أفروديت» أو عقيدة الشيوا الهندية ولا لسادية باسم النمو الاقتصادي الذي يقدم الملايين من القرابين البشرية على مذبحة، ولا أتصور كائناً يمكن أن يدرك أسرار الجمال كما أدركها شاعرنا العظيم «أمير الشعراء شوقي »وهو على الطريقة اليابانية التي رأيتها في فلم وثائقي عن تجارب الأسلحة البيولوجية في الحرب العالمية الثانية إذ جمعوا آلاف الصينيين وحولوهم إلى مزارع جرثومية حية، ثم يكبلونهم بالسلاسل والحديد ويغرسون الإبر في اجسادهم لسحب الدماء الملوثة فيما يقوم الجنود اليابانيون بالضغط على صدورهم بأرجلهم ذات البسطال الثقيل حرصاً على عدم ضياع أي قطرة من دم في النهاية هو ملوث، والطريقة الأمريكية في تحويلها مدينتي هيروشيما ونجازاكي إلى مقابر جماعية بعد حرقها بالسلاح النووي، وليت هؤلاء عرفوا طائر القطرس الذي يشمخ أمام إرادتهم المتقزمة، ذلك الطائر العظيم الذي يعود إلى أطفاله من رحلة صيد طويلة وهو خالي الوفاض، فيكشف صدره لفراخه الجائعة ويطعمها في لحظة يتهاوى شهيداً، ليحافظ على النوع مشروعاً قومياً تتقزم أمامه الشيوعية والرأسمالية والصهيونية والماسونية وما سواها.
نعم لقد نجح شوقي في فلسفة الجمال والحياة وسقط ابتذال نظريات الإباحة والحداثة وأثرياء الحروب وسماسرة المعارك من جنرالات وضباط يملأون صدورهم بأوسمة الارتزاق ويثقلون أكتافهم بالنسور المحنطة بعدما سلبوا الأطفال حقهم في العيش والحليب والتعليم والرسم، وطمسوا بسوادهم وآلاتهم العسكرية كل بياضٍ في عين نجلاء تحلم أن تبني بيتاً صغيراً من ورق التوت ذات يوم أيها السادة: عندما نتحدث عن معايير الجمال نجدها في النهاية تختلف من كائن إلى آخر، وهذا الخليفة يسأل عزة: ماالذي رآه فيك كثير وحتى يمجدك في شعره؟ فأجابت الذي رآه فيك المسلمون فجعلوك خليفة.
ليكون بذلك جوابها درساً قاسياً لأعلى سلطة فيما يجب. أن يقال.
ابو حمد الشامري