أبو المبـارك السـلفي
09-11-2008, 07:55 PM
بلوغ المرام
من أدلة الأحكام
للحافظ ابن حجر العسقلاني
كتاب الجهاد
شرح فضيلة الشيخ
عبيد بن عبدالله بن سليمان الجابري
المدرس بالجامعة الاسلامية بالمدينة النبوية سابقا
حفظه الله تعالى
وهذا الكتاب قرأناه على فضيلته في 15/8/1429 هــ .
وسأنقل لكم هنا المقدمة التي افتتح بها الشيخ هذا الكتاب ، وأنقل لكم ايضا شرحه للاحاديث التي استقيته منه اثناء الشرح، لعل الله أن ينفعني وإياكم بما تعلمنا ، ويعلمنا ما ينفعنا ، ويزيدنا علما.
البداية :
قال شيخنا الجابري حفظه الله من كل سوء:
مقدمتان قبل الشروع في هذا الكتاب لا بد منها لمدخل سنة الجهاد في سبيل الله ، وهي من الفرائض المحكمة، وهي باقية إلى أن يرث الله الارض ومن عليها.
*وفريضة محكمة : أي أنها من شعائر الاسلام التي لم يطرأ عليها النسخ وإذا علمّوها للناس لا يعلمونها مطلقة وإنما يعلمونهم إياها مقيدة.
*وليعلم كل مسلم ومسلمة أن هذه الفريضة تنقسم الى قسمين :
جهاد دفع
جهاد طلب
فجهاد الدفع : هو التصدي للصائل على أهل الاسلام في قطر أو اقطار لدفعه وكسر شوكته، وهذا النوع لا يشترط فيه إذن الامام فإن كان الامام قائم ورايته قائمة فيتصلوا بإمامهم ويستظلوا تحت ظله.
وإن كان الامام غير موجود أو موجود وضعيف أو غير ممكن لهم الاتصال به من مباغتة العدو أو انه لا يهتم بأمور الرعية ولا يهمه الا نفسه فإنهم ينظرون إلى حالهم فإن كان عندهم من العدة لرد هذا العدو وكسره فإنهم يعطون رجل منهم الراية وإنطووا تحت رايته حتى يكسرون العدو.
وإن لم تكن لهم قوة إما عدة بدون عدد أو العكس ، فيسلكون المسالك التي تحفظ بها بيضة الاسلام ، أما ببرم العقود والمواثيق مع العدو إن أمكن لحفظ بيضة المسلمين، وإن لم يمكن فيفرون بدينهم من هذا العدو الظلوم.
* ومن هذا يعلم أن مبدأ الجهاد لتحرير الأرض مبدأ باطل
ويدل على هذا ما ورد في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان مرفوعا، وفيه قال النبى صلى الله عليه وسلم: "... فبينما هو كذلك أوحى الله إلى عيسى عليه السلام إنى قد أخرجت عبادا لي لا يدان (أي لا طاقة) لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور, ويبعث الله يأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم ... إلخ" الحديث.
ووجه الدلالة بين الحديث وهذا أمر الله سبحانه بالتحرز والله سبحانه قادر على أن يبيد يأجوج ومأجوج ولكنه امره بما امره به لحكمة.
* ومن هذا يعلم أن القتال تحت الرايات العمية التي تنصبها الجماعات الظلومة ليست من الجهاد في شيء ، لإنها همجية وفوضوية ، فياليت قومي يعلمون.
فجهاد الطلب : قد أجمع أهل العلم والايمان أن أمره موكول إلى الإمام أو حكام المسلمين التي أوجب لهم السمع والطاعة الله سبحانه.
الأحاديث:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من مات ولم يغزُ ، ولم يُحَدّث نَفسَهُ بِهِ، مات على شُعبَةٍ مِن نفاق}رواه مسلم.
قال شيخنا الجابري حفظه الله :
الحديث دليل على وجوب إعتقاد فرضية الجهاد ، ..وهل هو فرض عين أو فرض كفاية؟
فهو فرض عين في أحوال أحداها : إذا دعى الامام المسلمين النفير لإعلاء كلمة الله
والثانية: إذا صال صائل على قرية أو قطر وكان يمكنهم دفع هذا الصائل كان فرض عليهم.
وكذلك المصافـّة إذا حضر القتال فلا يحل له أن يفر .
وأما في غير هذه الاحوال فهو فرض كفاية أو مستحب.
وإذا تقرر هذا بالضوابط المتقدمة فهو إما يغزوا أو يحدث نفسه.
عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم}رواه أحمد ، والنسائي، وصححه الحاكم.
قال شيخنا الجابري حفظه الله من كل سوء:
الجهاد : هو قتال الكفار إعلاءً لكلمة الله ، هذا هو الاصل في الجهاد ، فهو ليس من أجل الارض أو الوطنية.وكان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة والصحابة يلقون ما يلقون والرسول يصَبّرهم ولم ينبري أحد لصناديد المشركين. ثم هاجر إلى المدينة ومكث فيها سنة وأشهر فأمر الله المسلمين بالجهاد . وكان يغزوا صلى الله عليه وسلم، بالعدد والعدة وكان يدعوا الناس للإسلام قبل القتل.
وهذا الحديث يبيّن أن جهاد المشركين له ثلاث صفات:
1- النفس ، 2- النفس والمال أو بالمال، 3- اللسان
فجهاد الألسن يحتاج إلى بيان وله أحوال وله صور :- وهو الذب عن أعراض المسلمين بالحق كما كان يهجوا المشركين حسان بن ثابت رضي الله عنه .
وفيه أن ينبري رجل موفق صاحب سنة ويترصد لما يأتي به أهل الكفر من الحجج الباطلة فيدحضها.
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: {قلت : يارسول الله! على النساء جهاد؟ قال : نعم . جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة}رواه ابن ماجة. وأصله في البخاري.
قال شيخنا الجابري حفظه الله :
هذ الحديث يدل على ان قتال الكفار في جهاد الطلب أو جهاد الدفع أنه من شأن الرجال وليس من شأن النساء ، ولكن إذا خافت على عرضها ونفسها فإنها تدافع عن نفسها حتى لو كان الصائل من المسلمين.
وهذه منقبة لإم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في هذا السؤال من حبها للخير وقد أجابها النبي صلى الله عليه وسلم ، بالجهاد الذي تطيقه المرأة.
وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: {جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، قال: أحيٌ والداك؟ فقال: نعم. قال: ففيهما فجاهد}متفق عليه.
ولأحمد، وابي داود: من حديث أبي سعيدٍ نحوه، وزاد: {ارجع فأستأذنهما، فإن أذِنَا لَكَ، وإلا فَبِرّهما}.
قال شيخنا الجابري حفظه الله:
هذا الحديث بإختلاف طرقه فيه دلالة على أنه يجب إستأذان الوالدين.
ويتبين أن الذي يدعوا للجهاد مطلقاً أحد رجلين:
إما جاهل وإما صاحب هوى وكل الصنفين يفسد ولا يصلح.
وعن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، فهو في سبيل الله}متفق عليه.
قال شيخنا الجابري حفظه الله:
وهو حض على الجهاد في سبيل الله خالصاً ، فالجهاد عبادة فهو ليس مجرد نخوة ، فكل عبادة لا تكون صحيحة إلا بأمرين: (الاخلاص والمتابعة).
وعن سليمان بن بريدة ، عن أبيه قال : {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا أمر أميراً على الجيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ، وبمن معه من المسلمين خيراً، ثم قال:
"أغزوا بسم الله ، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، أغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تُمَثّلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فأدعهم الى ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك إليها ، فأقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم الى الاسلام فإن اجابوك فأقبل منهم.
ثم ادعهم الى التحوّل من دارهم الى دار المهاجرين، فإن ابوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء الا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبو فأسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. واذا حاصرت اهل حصنٍ فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ، فلا تفعل، ولكن أجعل لهم ذمتك، فإنكم ان تخفروا ذممكم أهون من أن تُخفروا ذمة الله ، واذا أرادوك أن تنزلهم على حكم الله ، فلا تفعل ، بل على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا}اخرجه مسلم.
قال شيخنا الجابري حفظه الله :
هذا الحديث من الاصول العظيمة والقواعد الجليلة في الجهاد ولا يفقهها إلا من فقهه الله في دينه وكان على السنه.
ومن هذه الاصول والقواعد:-
القاعدة الاولى:- إعداد العدة الإيمانية وهي وصيتهم بالتقوى لله ، وفي الحقيقة أنه لا جهاد إلا بتقوى الله ، ومعرفة حق الله وحق عبادة وأدى لكل ذي حقٍ حقه.
القاعدة الثانية:- الغزوا في سبيل الله ويُعلم أن الجهاد لم يشرع قتال فقط لكن لإعلاء كلمة الله.
القاعدة الثالثة:- السلوك مع العدوا وهذا السلوك يتضمن أمور:-
1- الوفاء بالعهد (لاتغدروا) وهذا كان في الجاهلية من عدم المرؤة وفي الاسلام يكون من النفاق.
2- الامانة (لاتَغُلّوا) والغلول: إختلاس شيء من الغنائم دون علم الامام فيجب على المقاتل أن يسلم كل ماغنمه إلا سلب قتيله إذا قامت عليه البينة.
3- الرحمة بالمغزوين وذلك ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالمبادرة بالمقاتلة ولكن أمرهم بدعوتهم الى الاسلام ثم التحَوّل اذا اسلموا وأرادو البقاء في بلدهم ، فيقبل منهم ولكن ليس لهم من الغنيمة إلا اذا جاهدوا ، واذا لم يقبلوا الاسلام فيأمرهم بالجزية وعلى الفاتحين أن يستعملوها في المصالح العامة ومن ما يصنعون بها (شق الطرق وقنوات المياه).
واذا أبوا فإنهم يقاتلوا ، وهذا كان في اول الاسلام داخل الجزيرة ، كان هناك خيار بين الامور الثلاثة ، وبعد ان قوية شوكة المسلمين في الجزيرة لهم خيارين : قتال أو اسلام ، الا خارج الجزيرة .
القاعدة الرابعة:- إنزالهم على حكم الامام فإن أصابوا لهم اجران، وأن أخطئوا لهم اجر، لانه قد يطلب ذمة الله ورسوله لكن ينزلهم على ذمته.
قلت:
والذي ينظر الى حال هذه الجماعات المتلبسة باسم الجهاد يرى أنها خالفت هذه القواعد العظيمة.
وبهذا القدر من احاديث الكتاب اكتفي خوفا من الاطالة على القاريء ولعلي أتمكن من الاكمال لاحقاً.
ولله الحمد والمنة
من أدلة الأحكام
للحافظ ابن حجر العسقلاني
كتاب الجهاد
شرح فضيلة الشيخ
عبيد بن عبدالله بن سليمان الجابري
المدرس بالجامعة الاسلامية بالمدينة النبوية سابقا
حفظه الله تعالى
وهذا الكتاب قرأناه على فضيلته في 15/8/1429 هــ .
وسأنقل لكم هنا المقدمة التي افتتح بها الشيخ هذا الكتاب ، وأنقل لكم ايضا شرحه للاحاديث التي استقيته منه اثناء الشرح، لعل الله أن ينفعني وإياكم بما تعلمنا ، ويعلمنا ما ينفعنا ، ويزيدنا علما.
البداية :
قال شيخنا الجابري حفظه الله من كل سوء:
مقدمتان قبل الشروع في هذا الكتاب لا بد منها لمدخل سنة الجهاد في سبيل الله ، وهي من الفرائض المحكمة، وهي باقية إلى أن يرث الله الارض ومن عليها.
*وفريضة محكمة : أي أنها من شعائر الاسلام التي لم يطرأ عليها النسخ وإذا علمّوها للناس لا يعلمونها مطلقة وإنما يعلمونهم إياها مقيدة.
*وليعلم كل مسلم ومسلمة أن هذه الفريضة تنقسم الى قسمين :
جهاد دفع
جهاد طلب
فجهاد الدفع : هو التصدي للصائل على أهل الاسلام في قطر أو اقطار لدفعه وكسر شوكته، وهذا النوع لا يشترط فيه إذن الامام فإن كان الامام قائم ورايته قائمة فيتصلوا بإمامهم ويستظلوا تحت ظله.
وإن كان الامام غير موجود أو موجود وضعيف أو غير ممكن لهم الاتصال به من مباغتة العدو أو انه لا يهتم بأمور الرعية ولا يهمه الا نفسه فإنهم ينظرون إلى حالهم فإن كان عندهم من العدة لرد هذا العدو وكسره فإنهم يعطون رجل منهم الراية وإنطووا تحت رايته حتى يكسرون العدو.
وإن لم تكن لهم قوة إما عدة بدون عدد أو العكس ، فيسلكون المسالك التي تحفظ بها بيضة الاسلام ، أما ببرم العقود والمواثيق مع العدو إن أمكن لحفظ بيضة المسلمين، وإن لم يمكن فيفرون بدينهم من هذا العدو الظلوم.
* ومن هذا يعلم أن مبدأ الجهاد لتحرير الأرض مبدأ باطل
ويدل على هذا ما ورد في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان مرفوعا، وفيه قال النبى صلى الله عليه وسلم: "... فبينما هو كذلك أوحى الله إلى عيسى عليه السلام إنى قد أخرجت عبادا لي لا يدان (أي لا طاقة) لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور, ويبعث الله يأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم ... إلخ" الحديث.
ووجه الدلالة بين الحديث وهذا أمر الله سبحانه بالتحرز والله سبحانه قادر على أن يبيد يأجوج ومأجوج ولكنه امره بما امره به لحكمة.
* ومن هذا يعلم أن القتال تحت الرايات العمية التي تنصبها الجماعات الظلومة ليست من الجهاد في شيء ، لإنها همجية وفوضوية ، فياليت قومي يعلمون.
فجهاد الطلب : قد أجمع أهل العلم والايمان أن أمره موكول إلى الإمام أو حكام المسلمين التي أوجب لهم السمع والطاعة الله سبحانه.
الأحاديث:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من مات ولم يغزُ ، ولم يُحَدّث نَفسَهُ بِهِ، مات على شُعبَةٍ مِن نفاق}رواه مسلم.
قال شيخنا الجابري حفظه الله :
الحديث دليل على وجوب إعتقاد فرضية الجهاد ، ..وهل هو فرض عين أو فرض كفاية؟
فهو فرض عين في أحوال أحداها : إذا دعى الامام المسلمين النفير لإعلاء كلمة الله
والثانية: إذا صال صائل على قرية أو قطر وكان يمكنهم دفع هذا الصائل كان فرض عليهم.
وكذلك المصافـّة إذا حضر القتال فلا يحل له أن يفر .
وأما في غير هذه الاحوال فهو فرض كفاية أو مستحب.
وإذا تقرر هذا بالضوابط المتقدمة فهو إما يغزوا أو يحدث نفسه.
عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم}رواه أحمد ، والنسائي، وصححه الحاكم.
قال شيخنا الجابري حفظه الله من كل سوء:
الجهاد : هو قتال الكفار إعلاءً لكلمة الله ، هذا هو الاصل في الجهاد ، فهو ليس من أجل الارض أو الوطنية.وكان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة والصحابة يلقون ما يلقون والرسول يصَبّرهم ولم ينبري أحد لصناديد المشركين. ثم هاجر إلى المدينة ومكث فيها سنة وأشهر فأمر الله المسلمين بالجهاد . وكان يغزوا صلى الله عليه وسلم، بالعدد والعدة وكان يدعوا الناس للإسلام قبل القتل.
وهذا الحديث يبيّن أن جهاد المشركين له ثلاث صفات:
1- النفس ، 2- النفس والمال أو بالمال، 3- اللسان
فجهاد الألسن يحتاج إلى بيان وله أحوال وله صور :- وهو الذب عن أعراض المسلمين بالحق كما كان يهجوا المشركين حسان بن ثابت رضي الله عنه .
وفيه أن ينبري رجل موفق صاحب سنة ويترصد لما يأتي به أهل الكفر من الحجج الباطلة فيدحضها.
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: {قلت : يارسول الله! على النساء جهاد؟ قال : نعم . جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة}رواه ابن ماجة. وأصله في البخاري.
قال شيخنا الجابري حفظه الله :
هذ الحديث يدل على ان قتال الكفار في جهاد الطلب أو جهاد الدفع أنه من شأن الرجال وليس من شأن النساء ، ولكن إذا خافت على عرضها ونفسها فإنها تدافع عن نفسها حتى لو كان الصائل من المسلمين.
وهذه منقبة لإم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في هذا السؤال من حبها للخير وقد أجابها النبي صلى الله عليه وسلم ، بالجهاد الذي تطيقه المرأة.
وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: {جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، قال: أحيٌ والداك؟ فقال: نعم. قال: ففيهما فجاهد}متفق عليه.
ولأحمد، وابي داود: من حديث أبي سعيدٍ نحوه، وزاد: {ارجع فأستأذنهما، فإن أذِنَا لَكَ، وإلا فَبِرّهما}.
قال شيخنا الجابري حفظه الله:
هذا الحديث بإختلاف طرقه فيه دلالة على أنه يجب إستأذان الوالدين.
ويتبين أن الذي يدعوا للجهاد مطلقاً أحد رجلين:
إما جاهل وإما صاحب هوى وكل الصنفين يفسد ولا يصلح.
وعن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، فهو في سبيل الله}متفق عليه.
قال شيخنا الجابري حفظه الله:
وهو حض على الجهاد في سبيل الله خالصاً ، فالجهاد عبادة فهو ليس مجرد نخوة ، فكل عبادة لا تكون صحيحة إلا بأمرين: (الاخلاص والمتابعة).
وعن سليمان بن بريدة ، عن أبيه قال : {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا أمر أميراً على الجيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ، وبمن معه من المسلمين خيراً، ثم قال:
"أغزوا بسم الله ، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، أغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تُمَثّلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فأدعهم الى ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك إليها ، فأقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم الى الاسلام فإن اجابوك فأقبل منهم.
ثم ادعهم الى التحوّل من دارهم الى دار المهاجرين، فإن ابوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء الا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبو فأسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. واذا حاصرت اهل حصنٍ فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ، فلا تفعل، ولكن أجعل لهم ذمتك، فإنكم ان تخفروا ذممكم أهون من أن تُخفروا ذمة الله ، واذا أرادوك أن تنزلهم على حكم الله ، فلا تفعل ، بل على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا}اخرجه مسلم.
قال شيخنا الجابري حفظه الله :
هذا الحديث من الاصول العظيمة والقواعد الجليلة في الجهاد ولا يفقهها إلا من فقهه الله في دينه وكان على السنه.
ومن هذه الاصول والقواعد:-
القاعدة الاولى:- إعداد العدة الإيمانية وهي وصيتهم بالتقوى لله ، وفي الحقيقة أنه لا جهاد إلا بتقوى الله ، ومعرفة حق الله وحق عبادة وأدى لكل ذي حقٍ حقه.
القاعدة الثانية:- الغزوا في سبيل الله ويُعلم أن الجهاد لم يشرع قتال فقط لكن لإعلاء كلمة الله.
القاعدة الثالثة:- السلوك مع العدوا وهذا السلوك يتضمن أمور:-
1- الوفاء بالعهد (لاتغدروا) وهذا كان في الجاهلية من عدم المرؤة وفي الاسلام يكون من النفاق.
2- الامانة (لاتَغُلّوا) والغلول: إختلاس شيء من الغنائم دون علم الامام فيجب على المقاتل أن يسلم كل ماغنمه إلا سلب قتيله إذا قامت عليه البينة.
3- الرحمة بالمغزوين وذلك ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالمبادرة بالمقاتلة ولكن أمرهم بدعوتهم الى الاسلام ثم التحَوّل اذا اسلموا وأرادو البقاء في بلدهم ، فيقبل منهم ولكن ليس لهم من الغنيمة إلا اذا جاهدوا ، واذا لم يقبلوا الاسلام فيأمرهم بالجزية وعلى الفاتحين أن يستعملوها في المصالح العامة ومن ما يصنعون بها (شق الطرق وقنوات المياه).
واذا أبوا فإنهم يقاتلوا ، وهذا كان في اول الاسلام داخل الجزيرة ، كان هناك خيار بين الامور الثلاثة ، وبعد ان قوية شوكة المسلمين في الجزيرة لهم خيارين : قتال أو اسلام ، الا خارج الجزيرة .
القاعدة الرابعة:- إنزالهم على حكم الامام فإن أصابوا لهم اجران، وأن أخطئوا لهم اجر، لانه قد يطلب ذمة الله ورسوله لكن ينزلهم على ذمته.
قلت:
والذي ينظر الى حال هذه الجماعات المتلبسة باسم الجهاد يرى أنها خالفت هذه القواعد العظيمة.
وبهذا القدر من احاديث الكتاب اكتفي خوفا من الاطالة على القاريء ولعلي أتمكن من الاكمال لاحقاً.
ولله الحمد والمنة