ليلى ومجنونها
01-08-2008, 01:47 PM
أفضح نفسي وعشيرتي و آتي مالم يأتِهِ أحد من العرب ، و أسم ابنتي بميسم فضيحة !
فانصرفوا عنه ، و خالفهم لوقته فزوجها رجال من قومها و ادخلها إليه ، فما امسى إلا
وقد بنى بها ( تزوجها وافتض بكارتها ) و بلغ المجنون الخبر فأيس منها حينئذٍ و زال
عقله جملة ، فقال الحيّ لأبيه :
احجُج به الى مكة وادعُ الله عز وجل له ، ومُرهُ أن يتعلق بأستار الكعبة فيسأل الله ان
يعافيه مما به ويبغّضها اليه ، فلعل الله ان يخلصه من هذا البلاء ، فحج به ابوه ، فلما
صاروا بمنى سمع صائحا في الليل يصيح : ياليلى ، فصرخ صرخة ظنوا أن نفسه قد
تلفت ، وسقط مغشيا عليه ، فلم يزل كذلك حتى أصبح ثم افاق متغير اللون ذاهلا فأنشأ يقول :
عرضتُ على قلبي العزاء فقال لي *** من الآن فأيأس لا أعزك من صبرِ
ثم قال له أبوه : تعلق بأستار الكعبة واسأل الله أن يعافيك من حب ليلى ، فتعلق بأستار
الكعبة و قال :
(( اللهم زدني ليلى حبا و بها كلَفاً ولا تُنسني ذكرها أبداً ))
فهام حينئذٍ وفقد وعيه .
قالوا : وقد كان يهيم في البرية مع الوحش ولا يأكل الا ماينبت في البرية من بقل، ولا يشرب
الا مع الظباء إذا وردت مناهلها ، و طال شعر جسده و رأسه و ألفته الظباء والوحوش
فكانت لا تنفر منه ، وجعل يهيم حتى يبلغ حدود الشام ، فإذا ثاب اليه عقله سأل من يمر به
من أحياء العرب عن نجد فيقال له : و أين أنت من نجد ! قد شارفت الشام ! أنت في
موضع كذا ، فيقول : فأروني وجهة الطريق، فيرحمونه و يعرضون عليه أن يحملوه
أو يكسوه فيأبى ، فيدلونه على طريق نجد فيتوجه نحوه ..
قالوا : و مرّ المجنون بزوج ليلى وهو جالس يصطلي في يوم شاتٍ ، وقد أتى ابن عمّ له
في حي المجنون لحاجة ، فوقف عليه ثم أنشأ يقول :
بربك هل ضممت إليك ليلى *** قُبيل الصبحِ أو قبلت فاها
وهل رفّت عليك قرون ليلى *** رفيف الأقحوانة في نداها
فقال : اللهم إذ حلّفتني فنعم ..
قال : فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من الجمر ، فما فارقهما حتى سقط مغشياً عليه ،
وسقط الجمر مع لحم راحتيه ، وعض على شفته فقطعهما ، فقام زوج ليلى مغموماً بفعله ،
متعجباً منه فمضى ..
** تبكي وتقول أنا ليلى **
و عن أشياخ من بني مرّة قالوا :
خرج منا رجل الى ناحية الشام والحجاز و مايلي تيماء و السراة و أرض نجد في طلب
بغية فإذا هو بخيمة قد رُفعت له وقد أصابه المطر فعدل إليها و تنحنح فإذا امرأة قد كلمته .
فقالت : أنزل ، فنزل ..
قال : وراحت إبلهم وغنمهم فإذا أمر عظيم ، فقالت : سَلُوا هذا الرجل من أين أقبل ، فقلت:
من ناحية تهامة ونجد . فقالت : ادخل أيها الرجل ، فدخلت الى ناحية من الخيمة ، فأرخت
بيني و بينها ستراً ثم قالت لي : يا عبد الله ، أي بلاد نجد وطئت؟ فقلت : كلها . قالت :
فبمن نزلت هناك ؟ فقلت : بني الحريش ، فاستعبرت ثم قالت : فهل سمعت بذكر فتى
منهم يقال له : قيس بن الملوح و يلقب بالمجنون ؟
قلت : بلى والله ! وعلى أبيه نزلت ، وأتيته فنظرتُ إليه يهيم في تلك الفيافي ، ويكون مع
الوحش لا يعقل ولا يفهم إلا أن تُذكر له امرأة يقال لها ليلى ، فيبكي ويُنشد أشعاراً قالها
فيها ..
قال فرفَعَتِ الستر بيني وبينها ، فإذا فلقةُ قمرِ لم ترَ عيني مثلها ، فبكت حتى ظننت –والله-
أن قلبها قد انصدع ، فقلت : أيتها المرأة اتقي الله فما قلتُ بأساً ، فمكثت طويلاً على تلك
الحال من البكاء والنحيب ثم قالت :
ألا ليت شعري والخطوب كثيرةٌ *** متى رحل قيسٍ مستـقل فراجـع
بنفـسيَ من لا يســتـقــل بـرحله *** ومن هو ان لم يحفظ الله ضائع
ثم بكت حتى سقطت مغشياً عليها ، فقلت لها : من أنتِ يا أمة الله ؟ و ما قصتكِ ؟
قالت : أنا ليلى صاحبته المشؤومة والله عليه غير المؤنسة له ، فما رأيتُ مثل حزنها و
وجدها عليه قط ..
** نهاية عاشق **
قالوا : إن عثمان بن عمارة المري أخبر أن شيخا من بني مرّة حدثه أنه خرج الى أرض
بني عامر ليلقى المجنون ، قال : فدُلٍلتُ على محلّته فأتيتها ، فاذا أبوه شيخ كبير وإخوة له
رجال واذا إبل كثير ، وخير ظاهر فسألتهم عنه فاستعبروا جميعا ، وقال الشيخ : والله لهو
كان آثر في نفسي من هؤلاء وأحبهم إلي ! وإنه هوي امرأة من قومه ، والله ماكانت تطمع
في مثله ، فلما ان فشا أمره وأمرها كره ابوها أن يزوجها منه بعد ظهور الخبر فزوجها
من غيره فذهب عقل ابني ولحقه خَبَل وهام في البراري وجداَ عليها ، فحبسناه وقيدناه ،
فجعل يعض لسانه وشفتيه حتى خفنا عليه أن يقطعها فخلينا سبيله فهو يهيم في هذه البراري
مع الوحوش يُذهبُ إليه كل يوم بطعامه فيوضع له حيث يراه ، فإذا تنحوا عنه جاء فأكل منه .
قال : فسألتهم أن يدلوني عليه ، فدلوني على فتى من الحي كان صديقا له وقالو انه لا
يأنس إلا به ، ولا يأخذ أشعاره عنه غيره . فأتيته فسألته أن يدلّني عليه ، فقال : إن كنت
تريد شعره فكل شعره إلى أمس عندي . و أنا ذاهب إليه غداَ ، فإن كان قال شيئاَ أتيتك به،
فقلت : بل أريد أن تدلني عليه لآتيه ، فقال لي : إنه إن نفرَ منك نفر مني ، فيذهب شعره ،
فأبيتُ إلا أن يدلني عليه فقال : اطلبه في هذه البراري والصحاري فإذا رأيته فادنُ منه
مستأنساً ولا تـُرِه أنك تهابه ، فإنه يتهددك و يتوعدك ان يرميك بشئ فا يروعنّك و اجلس
صارفاً بصرك عنه والحظهُ أحياناَ ، فإذا رأيته قد سكن من نِفاره فأنشده شعراً غزلاًَ ،
وإن كنت تروي من شعر قيس بن ذُريح ( وهو الشاعر المتيم صاحب لبنى بنت الحباب
الكعبية ، من شعراء العصر الأموي و من سكان المدينة توفي سنة 68 هـ ) شيئاً فأنشده
إياه فإنه معجب به ، فخرجت فطلبته يومي الى العصر فوجدته جالسا على رمل قد خط
فيه بإصبعة خطوطا ، فدنوت منه غير منقبض ، فنفر مني ، نفور الوحوش من الإنس ،
والى جانبه أحجار فتناول حجراً فأعرضت عنه ، فمكث ساعة كأنه نافر يريد القيام ،
فلما طال جلوسي سكن وأقبل يخط بإصبعه فأقبلت عليه وقلت : أحسن والله قيس بن
ذريح حيث يقول:
ألا ياغراب البين ويحك نبّنـي *** بعلمك في لُبنى و أنت خبيرُ
فإن أنت لم تُخبر بشءٍ علمته *** فلا طِرتَ إلا و الجناحُ كسيرُ
فأقبل عليّ و هو يبكي فقال: أحسن و الله ، و أنا أحسن منه قولاً حيث أقول:
كأن القلب ليلةَ قيل يُغدى *** بليلى العامرية أو يـُراحُ
قطاةٌ عزها شَرَكُ فبـاتــت *** تُجاذبه وقد عَلِقَ الجناحُ
فأمسكت عنه هنيهةً ، ثم أقبلت عليه فقلت : و أحسن و الله قيس بن ذريح حيث يقول :
و قالوا غداً أو بعـد ذاك بـلـيـلـةٍ *** فراقُ حبيبٍ لم يَبن وهو بائنُ
وماكنتُ أخشى أن تكون منيتي *** بكفّيك إلا أن مـن حـان حـائـنُ
قال : فبكى –والله- حتى ظننت أن نفسه قد فاضت ، وقد رأيت دموعه قد بلّت الرمل الذي
بين يديه ثم قال: أحسن لعمر الله ، و أنا والله أشعَـر منه حيث أقول :
و أدنيتني حتى إذا ما سبيتني *** بقولٍ يُحل العُصمَ سهلَ الأباطحِ
تناءيتِ عني حين لا ليَ حيلةٌ *** و خلّفتِ ما خلّفتِ بين الجوانحِ
ثم سنحت له ظبية فوثب يعدو خلفها حتى غاب عني وانصرفت . وعُدتُ من غدٍ فطلبته
فلم أجده ، وجاءت امرأةٌ كانت تصنع له طعامه إلى الطعام فوجدته بحاله ، فلما كان في
اليوم الثالث غدوت ، وجاء أهله معي فطلبناه يومنا فلم نجده ، وغدونا في اليوم الرابع
نستقري أثره حتى وجدناه في وادٍ كثير الحجارة خشن ، وهو ميت بين تلك الحجارة فاحتمله
أهله فغسلوه وكفنوه ودفنوه..
*** تمت***
ويقال أنه سمع بموت ليلى..فذهب عند قبرها..وبكى ثم مات ودفن بجانبها.. والله أعلم
ومن قصائده :
قصيدة ـ إن ليلى بالعراق
ألا إنَّ ليلــــى بالعــــــراق مريضـــة * * * وأنت خلي البـال تلهو وترقـد
فلو كنت يا مجنون تضنى من الهـوى * * * لبـت كما بات السليم المسهـد
يقـولون ليلـــى بالعــراق مريضــــة * * * فما لك لا تضنـى وأنت صديـق
شفى الله مرضى بالعـراق فأننـــي * * * على كل مرضى بالعراق شفيـق
فإن تك ليلـــى بالعـــراق مريضـــة * * * فإني في بـحر الحتـوف غريـق
أهيـم بأقطـــار البـــلاد وعرضهـــــا * * * ومالـي إلى ليلى الغـداة طريـق
كـــأن فـــؤادي فيه مــور بقــــــادح * * * وفيه لـهيب ساطـع وبـروق
إذا ذكــرتها النفس مـاتت صبابـــــة * * * لهـا زفـرة قتـالة وشهيــق
سقتنـي شمس يخجل البدر نورها * * * ويكسف ضوء البرق وهو بـروق
غرابية الفرعيـن بدريـة السنــــــــا * * * ومنظـرها بادي الجمـال أنيـق
وقد صرت مجنونا من الحب هائمـــا * * * كأنـي عان في القيـود وثيـق
أظــــل رزيح العقل ما أطعم الكــرى * * * وللقلـب منـي أنـة وخفـوق
برى حبها جسمي وقلبي ومهجتي * * * فلم يبـق إلاّ أعظـم وعـروق
فلا تعذلوني إن هلكت ترحـــــــــموا * * * علي ففقـد الروح ليس يعـوق
وخطوا على قبري إذا مت واكتبـــــو ا * * * قتيل لـحاظ مات وهو عشيـق
إلى الله أشكو ما ألاقي من الهــــوى * * * بليلى ففي قلبي جوى وحريـق
فانصرفوا عنه ، و خالفهم لوقته فزوجها رجال من قومها و ادخلها إليه ، فما امسى إلا
وقد بنى بها ( تزوجها وافتض بكارتها ) و بلغ المجنون الخبر فأيس منها حينئذٍ و زال
عقله جملة ، فقال الحيّ لأبيه :
احجُج به الى مكة وادعُ الله عز وجل له ، ومُرهُ أن يتعلق بأستار الكعبة فيسأل الله ان
يعافيه مما به ويبغّضها اليه ، فلعل الله ان يخلصه من هذا البلاء ، فحج به ابوه ، فلما
صاروا بمنى سمع صائحا في الليل يصيح : ياليلى ، فصرخ صرخة ظنوا أن نفسه قد
تلفت ، وسقط مغشيا عليه ، فلم يزل كذلك حتى أصبح ثم افاق متغير اللون ذاهلا فأنشأ يقول :
عرضتُ على قلبي العزاء فقال لي *** من الآن فأيأس لا أعزك من صبرِ
ثم قال له أبوه : تعلق بأستار الكعبة واسأل الله أن يعافيك من حب ليلى ، فتعلق بأستار
الكعبة و قال :
(( اللهم زدني ليلى حبا و بها كلَفاً ولا تُنسني ذكرها أبداً ))
فهام حينئذٍ وفقد وعيه .
قالوا : وقد كان يهيم في البرية مع الوحش ولا يأكل الا ماينبت في البرية من بقل، ولا يشرب
الا مع الظباء إذا وردت مناهلها ، و طال شعر جسده و رأسه و ألفته الظباء والوحوش
فكانت لا تنفر منه ، وجعل يهيم حتى يبلغ حدود الشام ، فإذا ثاب اليه عقله سأل من يمر به
من أحياء العرب عن نجد فيقال له : و أين أنت من نجد ! قد شارفت الشام ! أنت في
موضع كذا ، فيقول : فأروني وجهة الطريق، فيرحمونه و يعرضون عليه أن يحملوه
أو يكسوه فيأبى ، فيدلونه على طريق نجد فيتوجه نحوه ..
قالوا : و مرّ المجنون بزوج ليلى وهو جالس يصطلي في يوم شاتٍ ، وقد أتى ابن عمّ له
في حي المجنون لحاجة ، فوقف عليه ثم أنشأ يقول :
بربك هل ضممت إليك ليلى *** قُبيل الصبحِ أو قبلت فاها
وهل رفّت عليك قرون ليلى *** رفيف الأقحوانة في نداها
فقال : اللهم إذ حلّفتني فنعم ..
قال : فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من الجمر ، فما فارقهما حتى سقط مغشياً عليه ،
وسقط الجمر مع لحم راحتيه ، وعض على شفته فقطعهما ، فقام زوج ليلى مغموماً بفعله ،
متعجباً منه فمضى ..
** تبكي وتقول أنا ليلى **
و عن أشياخ من بني مرّة قالوا :
خرج منا رجل الى ناحية الشام والحجاز و مايلي تيماء و السراة و أرض نجد في طلب
بغية فإذا هو بخيمة قد رُفعت له وقد أصابه المطر فعدل إليها و تنحنح فإذا امرأة قد كلمته .
فقالت : أنزل ، فنزل ..
قال : وراحت إبلهم وغنمهم فإذا أمر عظيم ، فقالت : سَلُوا هذا الرجل من أين أقبل ، فقلت:
من ناحية تهامة ونجد . فقالت : ادخل أيها الرجل ، فدخلت الى ناحية من الخيمة ، فأرخت
بيني و بينها ستراً ثم قالت لي : يا عبد الله ، أي بلاد نجد وطئت؟ فقلت : كلها . قالت :
فبمن نزلت هناك ؟ فقلت : بني الحريش ، فاستعبرت ثم قالت : فهل سمعت بذكر فتى
منهم يقال له : قيس بن الملوح و يلقب بالمجنون ؟
قلت : بلى والله ! وعلى أبيه نزلت ، وأتيته فنظرتُ إليه يهيم في تلك الفيافي ، ويكون مع
الوحش لا يعقل ولا يفهم إلا أن تُذكر له امرأة يقال لها ليلى ، فيبكي ويُنشد أشعاراً قالها
فيها ..
قال فرفَعَتِ الستر بيني وبينها ، فإذا فلقةُ قمرِ لم ترَ عيني مثلها ، فبكت حتى ظننت –والله-
أن قلبها قد انصدع ، فقلت : أيتها المرأة اتقي الله فما قلتُ بأساً ، فمكثت طويلاً على تلك
الحال من البكاء والنحيب ثم قالت :
ألا ليت شعري والخطوب كثيرةٌ *** متى رحل قيسٍ مستـقل فراجـع
بنفـسيَ من لا يســتـقــل بـرحله *** ومن هو ان لم يحفظ الله ضائع
ثم بكت حتى سقطت مغشياً عليها ، فقلت لها : من أنتِ يا أمة الله ؟ و ما قصتكِ ؟
قالت : أنا ليلى صاحبته المشؤومة والله عليه غير المؤنسة له ، فما رأيتُ مثل حزنها و
وجدها عليه قط ..
** نهاية عاشق **
قالوا : إن عثمان بن عمارة المري أخبر أن شيخا من بني مرّة حدثه أنه خرج الى أرض
بني عامر ليلقى المجنون ، قال : فدُلٍلتُ على محلّته فأتيتها ، فاذا أبوه شيخ كبير وإخوة له
رجال واذا إبل كثير ، وخير ظاهر فسألتهم عنه فاستعبروا جميعا ، وقال الشيخ : والله لهو
كان آثر في نفسي من هؤلاء وأحبهم إلي ! وإنه هوي امرأة من قومه ، والله ماكانت تطمع
في مثله ، فلما ان فشا أمره وأمرها كره ابوها أن يزوجها منه بعد ظهور الخبر فزوجها
من غيره فذهب عقل ابني ولحقه خَبَل وهام في البراري وجداَ عليها ، فحبسناه وقيدناه ،
فجعل يعض لسانه وشفتيه حتى خفنا عليه أن يقطعها فخلينا سبيله فهو يهيم في هذه البراري
مع الوحوش يُذهبُ إليه كل يوم بطعامه فيوضع له حيث يراه ، فإذا تنحوا عنه جاء فأكل منه .
قال : فسألتهم أن يدلوني عليه ، فدلوني على فتى من الحي كان صديقا له وقالو انه لا
يأنس إلا به ، ولا يأخذ أشعاره عنه غيره . فأتيته فسألته أن يدلّني عليه ، فقال : إن كنت
تريد شعره فكل شعره إلى أمس عندي . و أنا ذاهب إليه غداَ ، فإن كان قال شيئاَ أتيتك به،
فقلت : بل أريد أن تدلني عليه لآتيه ، فقال لي : إنه إن نفرَ منك نفر مني ، فيذهب شعره ،
فأبيتُ إلا أن يدلني عليه فقال : اطلبه في هذه البراري والصحاري فإذا رأيته فادنُ منه
مستأنساً ولا تـُرِه أنك تهابه ، فإنه يتهددك و يتوعدك ان يرميك بشئ فا يروعنّك و اجلس
صارفاً بصرك عنه والحظهُ أحياناَ ، فإذا رأيته قد سكن من نِفاره فأنشده شعراً غزلاًَ ،
وإن كنت تروي من شعر قيس بن ذُريح ( وهو الشاعر المتيم صاحب لبنى بنت الحباب
الكعبية ، من شعراء العصر الأموي و من سكان المدينة توفي سنة 68 هـ ) شيئاً فأنشده
إياه فإنه معجب به ، فخرجت فطلبته يومي الى العصر فوجدته جالسا على رمل قد خط
فيه بإصبعة خطوطا ، فدنوت منه غير منقبض ، فنفر مني ، نفور الوحوش من الإنس ،
والى جانبه أحجار فتناول حجراً فأعرضت عنه ، فمكث ساعة كأنه نافر يريد القيام ،
فلما طال جلوسي سكن وأقبل يخط بإصبعه فأقبلت عليه وقلت : أحسن والله قيس بن
ذريح حيث يقول:
ألا ياغراب البين ويحك نبّنـي *** بعلمك في لُبنى و أنت خبيرُ
فإن أنت لم تُخبر بشءٍ علمته *** فلا طِرتَ إلا و الجناحُ كسيرُ
فأقبل عليّ و هو يبكي فقال: أحسن و الله ، و أنا أحسن منه قولاً حيث أقول:
كأن القلب ليلةَ قيل يُغدى *** بليلى العامرية أو يـُراحُ
قطاةٌ عزها شَرَكُ فبـاتــت *** تُجاذبه وقد عَلِقَ الجناحُ
فأمسكت عنه هنيهةً ، ثم أقبلت عليه فقلت : و أحسن و الله قيس بن ذريح حيث يقول :
و قالوا غداً أو بعـد ذاك بـلـيـلـةٍ *** فراقُ حبيبٍ لم يَبن وهو بائنُ
وماكنتُ أخشى أن تكون منيتي *** بكفّيك إلا أن مـن حـان حـائـنُ
قال : فبكى –والله- حتى ظننت أن نفسه قد فاضت ، وقد رأيت دموعه قد بلّت الرمل الذي
بين يديه ثم قال: أحسن لعمر الله ، و أنا والله أشعَـر منه حيث أقول :
و أدنيتني حتى إذا ما سبيتني *** بقولٍ يُحل العُصمَ سهلَ الأباطحِ
تناءيتِ عني حين لا ليَ حيلةٌ *** و خلّفتِ ما خلّفتِ بين الجوانحِ
ثم سنحت له ظبية فوثب يعدو خلفها حتى غاب عني وانصرفت . وعُدتُ من غدٍ فطلبته
فلم أجده ، وجاءت امرأةٌ كانت تصنع له طعامه إلى الطعام فوجدته بحاله ، فلما كان في
اليوم الثالث غدوت ، وجاء أهله معي فطلبناه يومنا فلم نجده ، وغدونا في اليوم الرابع
نستقري أثره حتى وجدناه في وادٍ كثير الحجارة خشن ، وهو ميت بين تلك الحجارة فاحتمله
أهله فغسلوه وكفنوه ودفنوه..
*** تمت***
ويقال أنه سمع بموت ليلى..فذهب عند قبرها..وبكى ثم مات ودفن بجانبها.. والله أعلم
ومن قصائده :
قصيدة ـ إن ليلى بالعراق
ألا إنَّ ليلــــى بالعــــــراق مريضـــة * * * وأنت خلي البـال تلهو وترقـد
فلو كنت يا مجنون تضنى من الهـوى * * * لبـت كما بات السليم المسهـد
يقـولون ليلـــى بالعــراق مريضــــة * * * فما لك لا تضنـى وأنت صديـق
شفى الله مرضى بالعـراق فأننـــي * * * على كل مرضى بالعراق شفيـق
فإن تك ليلـــى بالعـــراق مريضـــة * * * فإني في بـحر الحتـوف غريـق
أهيـم بأقطـــار البـــلاد وعرضهـــــا * * * ومالـي إلى ليلى الغـداة طريـق
كـــأن فـــؤادي فيه مــور بقــــــادح * * * وفيه لـهيب ساطـع وبـروق
إذا ذكــرتها النفس مـاتت صبابـــــة * * * لهـا زفـرة قتـالة وشهيــق
سقتنـي شمس يخجل البدر نورها * * * ويكسف ضوء البرق وهو بـروق
غرابية الفرعيـن بدريـة السنــــــــا * * * ومنظـرها بادي الجمـال أنيـق
وقد صرت مجنونا من الحب هائمـــا * * * كأنـي عان في القيـود وثيـق
أظــــل رزيح العقل ما أطعم الكــرى * * * وللقلـب منـي أنـة وخفـوق
برى حبها جسمي وقلبي ومهجتي * * * فلم يبـق إلاّ أعظـم وعـروق
فلا تعذلوني إن هلكت ترحـــــــــموا * * * علي ففقـد الروح ليس يعـوق
وخطوا على قبري إذا مت واكتبـــــو ا * * * قتيل لـحاظ مات وهو عشيـق
إلى الله أشكو ما ألاقي من الهــــوى * * * بليلى ففي قلبي جوى وحريـق