ابوحمد الشامري
06-12-2004, 11:43 PM
الذي لم يقرأ موضوعي السابق الرجاء الاطلاع هنا في هذا الرابط لان هذا الموضوع مرتبط بما قبله:
في زمان الغفلة (http://www.alajman.net/vb/showthread.php?s=&threadid=12819&highlight=%C7%E1%DB%DD%E1%C9)
قبل كل شيء ينبغي أن نعلم أن حياة العالم العربي الاسلامي كانت تسير على نمط مألوف معروف لا يكاد يستنكره أحد : في العقيدة العامة التي تسود الناس وفي الدراسة في جميع معاهد العلم العريقة وفي التأليف والكتابة وفي حياة الناس التي تعيش بها عامتهم وخصاتهم من تجارة وصناعة. كل ذلك كان نمطاً مألوفاً متوارثاً فجاء هؤلاء الخمسة ليحدثوا يومئذ مالم يكن مألوفاً وشقوا طريقاً غير طريق الإلف. وبيان ذلك يحتاج الى تفصيل ولكني سأشير اليه في خلال ذكرهم إشارة تعين على تصور موضع الخلاف.
1- ( البغدادي ) ولد عبد القادر بن عمر البغدادي ببغداد ( 1030هـ- 1093هـ –1620م-1683م) وفي الثامنة عشرة من عمره سنة 1048هـ قاصداً مصر فلقى بها العلماء وتلقى عنهم وصحبهم واتسع اطلاعه على ذخائر الكتب القديمة التي لم يكن يعني بها علماء زمانه، وفي سنة1080هـ رحل الى دار الخلافة بالقسطنطينية لما فيها من ذخائر الكتب العربية التي حازتها ولقى بها عالما جليلا حاز مكتبة عربية من اجل المكاتب وهو الوزير الاعظم ابو العباس أحمد بن أبي عبدالله محمد المعروف بكوبرلي ولا تزال مكتبته باقية بها الى يومنا هذا فأقام مع صاحبه سبع سنوات إلى أن عاد إلى مصر سنة1092هـ ثم وافاه أجله في أوائل سنة 1093هـ.
كان طريق البغدادي واضحاً لم يكن في أيدي طلبة العلم سوى ما ألفوه من كتب الفقه والنحو والبلاغة وحواشيها، فأدا اطلاعه الى معرفة الضعف الغالب على أهل زمانه وهجرهم شعر الشعراء الفحول وأخبارهم وتاريخهم. فعمد الى ما في كتب النحو التي يعرفونها من شواهد الشعر العربي القديم جاهلية وإسلامية فألف ثلاثة كتب تدور كلها على شرح شواهد الشعر وضمنها روائع الشعر واخبار الشعراء ونوادر التاريخ فكان ذلك مقدمة لبعث التراث الادبي وإحيائه ووضعه بين أيدي الناس تبين ذلك واضحاً في كتبه الثلاثة : ( خزانة الادب ، ولب لُباب لسان العرب ) وهو شرح شواهد الكافية للرضي في النحو عدة مجلدات، وشرح شواهد الشافية للرضي أيضا وهو مجلد واحد وشرح أبيات مغني اللبيب لابن هشام في عدة مجلدات.
2- ( المرتضى الزبيدي ) ولد محمد بن عبدالرزاق الحسيني ببلدة بلجرام بالهند ( 1145هـ-1205هـ / 1732م – 1790م ) درس العربية وسائر العلوم على علماء الهند، ثم رحل الى الحجاز سنة 1163هـ حتى سنة 1166هـ ثم فارقها الى مصر ولقى من بها من العلماء ونفض ما في مكتباتها من الكتب العتيقة وبقى بها الى ان توفي سنة 1205هـ. ولم يكن طلبة العلم يعرفون من كتب اللغة الا قليلاً. كالمصباح المنير ومختار الصحاح ثم القاموس المحيط للفيروزبادي على قلة ، وكان الزبيدي محيطاً بعلوم كثيرة فكثر عليه طلبة العلم وأدرك ضعف ما بأيديهم من كتب اللغة فألف معجمه الكبير ( تاج العروس ) وهو شرح لقاموس الفيروزبادي جمع فيه ما تفرق في الكتب وأشار فيه إلى كثير من دواوين الشعر المحفوظة في المكاتب. وألف لهم أيضاً شرحاً على كتاب متداول وهو كتاب ( إحياء علوم الدين ) للغزالي فذاع صيته وطارت شهرته في الآفاق ووفدت عليه الوفود من بلاد الاسلام كلها ، وكاتبه العلماء والملوك من الترك والحجاز والهند واليمن والشام والعراق والمغرب والجزائر والسودان. فكان تاليفه وكانت دروسه بعثاً للتراث اللغوي والديني وإحياء لما خفي منه على الناس.
3- ( ابن عبدالوهاب ) ولد محمد بن عبدالوهاب بن سليمان التميمي النجدي ( 1115هـ – 1206هـ / 1703-1792م ) ببلدة العيينة بنجد ورحل الى الحجاز والشام والبصرة وفتح عيينة على ما يعم نجداً والبلاد التي زارها من البدع التي حدثت وما غمر العامة والخاصة من الاعمال والعقائد الحادثة والتي تخالف ما كان عليه سلف الأمة من صفاء عقيدة التوحيد وهي ركن الاسلام الاكبر فلما عاد الى نجد لم يقنع بتاليف الكتب وراى خير الطرق هو ان يتجه الى عامة الناس في نجد ليردهم عن البدع المستحدثة ويسلك بهم طريق السلف في العمل والعقيدة ولم يزل دائبا في دعوته يدعو ويعلم ويكتب حتى استجاب لدعوته أمير الدرعية بنجد الامير محمد بن سعود في سنة 1175هـ فمن يومئذ صارت دعوته قوة متحركة فاتحة في قلب جزيرة العرب، واحدث ظهور هذه القوة رجة شديدة الدوي في جنبات العالم الاسلامي وتلفت الناس يمينا وشمالاً ، في الهند ومصر والعراق والشام وتركيا والمغرب والسودان . ولشدة وقع هذا الدوي وعنفه انقسم الناس في امره بين مؤيد له لصواب ما اتى به ومعارض له لمناقضته الإلف الذي ألفوه .. وكاد العالم الاسلامي كله يتحرك ويندمج بعضه في بعض بكل تراثه الضخم وبكل مواريث حضارته العظيمة ولكن كان قدر الله أغلب وحصرت اليقظة الاسلامية كلها بلا معين بين أركان الجزيرة العربية الفقيرة يومئذ وسدت المنافذ ومزقت الاوصال وصار الاندماج حلما من الاحلام ويراود الامة العربية الاسلامية الى يومنا هذا .
ذلك لان مغول العصر الحديث وتتره كانوا اكثر يقظة وأوضح هدفا وأسرع حركة وأغنى غنى وأقدر على النهب والسلب والفتك والتدمير وفي أيدهم دستور حضارتهم الذي وضعه الخبيث مكيافيلي ينير لهم طريق العمل.
4- ( الشوكاني ) ولد محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الشوكاني ببلدة شوكان من بلاد خولان باليمن ونشأ بصنعاء مقر حكم المذهب الزيدي وهو ينتسبون الى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب رضي الله عنه ، وهم يعدّون من فرق الشيعة. تفقه الشوكاني على مذهب الامام زيد وبرع في علمه حتى آل إليه القضاء والإفتاء ولكنه عندئذ خلع ربقة التقليد وانتصب للاجتهاد فزيف ما لا يقوم عليه دليل من الكتاب والسنة، فثار عليه جماعة من المقلدين في ديار الشيعة فجادلهم وصاولهم والتزم بعقيدة السلف وحرم التقليد وذهب في بيانه مذهب الحافظ ابن عبد البر حيث قال: ( التقليد غير الاتباع لان الاتباع هو أن تتبع قول القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه. والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه ولا تعرف وجه القول ولا معناه وتأبى من سواه وإن تبين لك خطؤه فتتبعه مهابة خلافه وأنت قد بان لك فساد قوله فهذا يحرم القول به في دين الله.
فكان قيام الشوكاني في محيط الشيعة الزيدية صبحاً جديداً يوشك أن يهز قواعد التعصب الذي درج عليه أصحاب المذاهب من اهل السنة فضلا عن أتبا ع الفرق المختلفة وعلى رأسها الفرقة الغالية من الشيعة المعروفة بإسم ( الاثنا عشرية ) المكفرة للصحابة وللامة كلها بإختيارها أبا بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم دون علي رضي الله عنه.
أو جزت القول في هؤلاء الاربعة العظام لان استجابتهم للتحدي المبهم كانت مقيدة في كتب خلفوها وأعمال كان لها دوي لا تزال آثاره باقية الى اليوم لان بشائر البعث والاحياء في كتبهم وأعمالهم أظهر من ان تخفى على أحد ن ولا يكاد يجادل فيها الا من وقع في شرك الرفض لماضيه كله أو من يغمض عينيه ويعمد الى الاستخفاف بها بلا تدبر بل بالتهور واللجاجة ، وإذا كنا بالامس منذ قرون قلائل صرعى غفلة وفي وَسَنٍ غالب وعلى الابواب عدو مدرب كان أكثر يقظة وأسرع حركة وأغنى غنى وأقدر على السلب والنهب والتدمير والفتك كما وصفت فنحن اليوم أيضا صرعى غفلة أبشع من غفلتنا الاولى لا نكاد نحس كما أحس أسلافنا والعدو لا على الابواب بل هو متغلغل منتشر يسرح في صميم هذا العالم العربي الاسلامي المترامي الاطراف، وقد تفوق على ألافه تفوقا لا يكاد يصدق في اليقظة المفترسة وفي وضوح الهدف وفي سرعة الحركة وفي الغنى الباذخ وهو أقدر ضارية على النهب والسلب والتدمير والفتك ولا يزال بين يديه بل ملء قلبه وعقله دستور مكيافيلي وقد اتسع وتطور به ونما واستفحل خبثه وتوحشت ضراوته وتشعب شره تشعبا لا يكاد يصدق.
لذلك وجدت أن الرجل الخامس الذي اخترت أن أذكره في الخمسة العظام يحتاج خبره وتفصيل لم أحتج لمثله وانا أكتب عن أصحابه الاربعة العظام فقد جاءوا جميعا يومئذ ليُحدثوا شيئا لم يكن مألوفاً ولكي يشقوا بأنفسهم طريقا غير طريق الإلف، ولكنه انفرد عنهم بأن طريقه في عمله كان أخفى من طريقهم ولأن تقييد عمله بالكتابة كان أشق ولأن عمله كان تحت وبصر العدو وسمعه لم يغفل عنه طرقة عين ، فلما انقضّ علينا وظفر بنا ، سار بنا مساراً يزيد عمله علينا خفاء بل يفضي الى ماهو اعظم من الخفاء أي الى الطمس الكامل لجميع السبل المؤدية الى استبانة ما كان من عمله، كيف كان ؟ وستأتي القصة كلها واضحة عن شاء الله تعالى.
يتبع
( الرجل الخامس )
ابوحمد الشامري
في زمان الغفلة (http://www.alajman.net/vb/showthread.php?s=&threadid=12819&highlight=%C7%E1%DB%DD%E1%C9)
قبل كل شيء ينبغي أن نعلم أن حياة العالم العربي الاسلامي كانت تسير على نمط مألوف معروف لا يكاد يستنكره أحد : في العقيدة العامة التي تسود الناس وفي الدراسة في جميع معاهد العلم العريقة وفي التأليف والكتابة وفي حياة الناس التي تعيش بها عامتهم وخصاتهم من تجارة وصناعة. كل ذلك كان نمطاً مألوفاً متوارثاً فجاء هؤلاء الخمسة ليحدثوا يومئذ مالم يكن مألوفاً وشقوا طريقاً غير طريق الإلف. وبيان ذلك يحتاج الى تفصيل ولكني سأشير اليه في خلال ذكرهم إشارة تعين على تصور موضع الخلاف.
1- ( البغدادي ) ولد عبد القادر بن عمر البغدادي ببغداد ( 1030هـ- 1093هـ –1620م-1683م) وفي الثامنة عشرة من عمره سنة 1048هـ قاصداً مصر فلقى بها العلماء وتلقى عنهم وصحبهم واتسع اطلاعه على ذخائر الكتب القديمة التي لم يكن يعني بها علماء زمانه، وفي سنة1080هـ رحل الى دار الخلافة بالقسطنطينية لما فيها من ذخائر الكتب العربية التي حازتها ولقى بها عالما جليلا حاز مكتبة عربية من اجل المكاتب وهو الوزير الاعظم ابو العباس أحمد بن أبي عبدالله محمد المعروف بكوبرلي ولا تزال مكتبته باقية بها الى يومنا هذا فأقام مع صاحبه سبع سنوات إلى أن عاد إلى مصر سنة1092هـ ثم وافاه أجله في أوائل سنة 1093هـ.
كان طريق البغدادي واضحاً لم يكن في أيدي طلبة العلم سوى ما ألفوه من كتب الفقه والنحو والبلاغة وحواشيها، فأدا اطلاعه الى معرفة الضعف الغالب على أهل زمانه وهجرهم شعر الشعراء الفحول وأخبارهم وتاريخهم. فعمد الى ما في كتب النحو التي يعرفونها من شواهد الشعر العربي القديم جاهلية وإسلامية فألف ثلاثة كتب تدور كلها على شرح شواهد الشعر وضمنها روائع الشعر واخبار الشعراء ونوادر التاريخ فكان ذلك مقدمة لبعث التراث الادبي وإحيائه ووضعه بين أيدي الناس تبين ذلك واضحاً في كتبه الثلاثة : ( خزانة الادب ، ولب لُباب لسان العرب ) وهو شرح شواهد الكافية للرضي في النحو عدة مجلدات، وشرح شواهد الشافية للرضي أيضا وهو مجلد واحد وشرح أبيات مغني اللبيب لابن هشام في عدة مجلدات.
2- ( المرتضى الزبيدي ) ولد محمد بن عبدالرزاق الحسيني ببلدة بلجرام بالهند ( 1145هـ-1205هـ / 1732م – 1790م ) درس العربية وسائر العلوم على علماء الهند، ثم رحل الى الحجاز سنة 1163هـ حتى سنة 1166هـ ثم فارقها الى مصر ولقى من بها من العلماء ونفض ما في مكتباتها من الكتب العتيقة وبقى بها الى ان توفي سنة 1205هـ. ولم يكن طلبة العلم يعرفون من كتب اللغة الا قليلاً. كالمصباح المنير ومختار الصحاح ثم القاموس المحيط للفيروزبادي على قلة ، وكان الزبيدي محيطاً بعلوم كثيرة فكثر عليه طلبة العلم وأدرك ضعف ما بأيديهم من كتب اللغة فألف معجمه الكبير ( تاج العروس ) وهو شرح لقاموس الفيروزبادي جمع فيه ما تفرق في الكتب وأشار فيه إلى كثير من دواوين الشعر المحفوظة في المكاتب. وألف لهم أيضاً شرحاً على كتاب متداول وهو كتاب ( إحياء علوم الدين ) للغزالي فذاع صيته وطارت شهرته في الآفاق ووفدت عليه الوفود من بلاد الاسلام كلها ، وكاتبه العلماء والملوك من الترك والحجاز والهند واليمن والشام والعراق والمغرب والجزائر والسودان. فكان تاليفه وكانت دروسه بعثاً للتراث اللغوي والديني وإحياء لما خفي منه على الناس.
3- ( ابن عبدالوهاب ) ولد محمد بن عبدالوهاب بن سليمان التميمي النجدي ( 1115هـ – 1206هـ / 1703-1792م ) ببلدة العيينة بنجد ورحل الى الحجاز والشام والبصرة وفتح عيينة على ما يعم نجداً والبلاد التي زارها من البدع التي حدثت وما غمر العامة والخاصة من الاعمال والعقائد الحادثة والتي تخالف ما كان عليه سلف الأمة من صفاء عقيدة التوحيد وهي ركن الاسلام الاكبر فلما عاد الى نجد لم يقنع بتاليف الكتب وراى خير الطرق هو ان يتجه الى عامة الناس في نجد ليردهم عن البدع المستحدثة ويسلك بهم طريق السلف في العمل والعقيدة ولم يزل دائبا في دعوته يدعو ويعلم ويكتب حتى استجاب لدعوته أمير الدرعية بنجد الامير محمد بن سعود في سنة 1175هـ فمن يومئذ صارت دعوته قوة متحركة فاتحة في قلب جزيرة العرب، واحدث ظهور هذه القوة رجة شديدة الدوي في جنبات العالم الاسلامي وتلفت الناس يمينا وشمالاً ، في الهند ومصر والعراق والشام وتركيا والمغرب والسودان . ولشدة وقع هذا الدوي وعنفه انقسم الناس في امره بين مؤيد له لصواب ما اتى به ومعارض له لمناقضته الإلف الذي ألفوه .. وكاد العالم الاسلامي كله يتحرك ويندمج بعضه في بعض بكل تراثه الضخم وبكل مواريث حضارته العظيمة ولكن كان قدر الله أغلب وحصرت اليقظة الاسلامية كلها بلا معين بين أركان الجزيرة العربية الفقيرة يومئذ وسدت المنافذ ومزقت الاوصال وصار الاندماج حلما من الاحلام ويراود الامة العربية الاسلامية الى يومنا هذا .
ذلك لان مغول العصر الحديث وتتره كانوا اكثر يقظة وأوضح هدفا وأسرع حركة وأغنى غنى وأقدر على النهب والسلب والفتك والتدمير وفي أيدهم دستور حضارتهم الذي وضعه الخبيث مكيافيلي ينير لهم طريق العمل.
4- ( الشوكاني ) ولد محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الشوكاني ببلدة شوكان من بلاد خولان باليمن ونشأ بصنعاء مقر حكم المذهب الزيدي وهو ينتسبون الى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب رضي الله عنه ، وهم يعدّون من فرق الشيعة. تفقه الشوكاني على مذهب الامام زيد وبرع في علمه حتى آل إليه القضاء والإفتاء ولكنه عندئذ خلع ربقة التقليد وانتصب للاجتهاد فزيف ما لا يقوم عليه دليل من الكتاب والسنة، فثار عليه جماعة من المقلدين في ديار الشيعة فجادلهم وصاولهم والتزم بعقيدة السلف وحرم التقليد وذهب في بيانه مذهب الحافظ ابن عبد البر حيث قال: ( التقليد غير الاتباع لان الاتباع هو أن تتبع قول القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه. والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه ولا تعرف وجه القول ولا معناه وتأبى من سواه وإن تبين لك خطؤه فتتبعه مهابة خلافه وأنت قد بان لك فساد قوله فهذا يحرم القول به في دين الله.
فكان قيام الشوكاني في محيط الشيعة الزيدية صبحاً جديداً يوشك أن يهز قواعد التعصب الذي درج عليه أصحاب المذاهب من اهل السنة فضلا عن أتبا ع الفرق المختلفة وعلى رأسها الفرقة الغالية من الشيعة المعروفة بإسم ( الاثنا عشرية ) المكفرة للصحابة وللامة كلها بإختيارها أبا بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم دون علي رضي الله عنه.
أو جزت القول في هؤلاء الاربعة العظام لان استجابتهم للتحدي المبهم كانت مقيدة في كتب خلفوها وأعمال كان لها دوي لا تزال آثاره باقية الى اليوم لان بشائر البعث والاحياء في كتبهم وأعمالهم أظهر من ان تخفى على أحد ن ولا يكاد يجادل فيها الا من وقع في شرك الرفض لماضيه كله أو من يغمض عينيه ويعمد الى الاستخفاف بها بلا تدبر بل بالتهور واللجاجة ، وإذا كنا بالامس منذ قرون قلائل صرعى غفلة وفي وَسَنٍ غالب وعلى الابواب عدو مدرب كان أكثر يقظة وأسرع حركة وأغنى غنى وأقدر على السلب والنهب والتدمير والفتك كما وصفت فنحن اليوم أيضا صرعى غفلة أبشع من غفلتنا الاولى لا نكاد نحس كما أحس أسلافنا والعدو لا على الابواب بل هو متغلغل منتشر يسرح في صميم هذا العالم العربي الاسلامي المترامي الاطراف، وقد تفوق على ألافه تفوقا لا يكاد يصدق في اليقظة المفترسة وفي وضوح الهدف وفي سرعة الحركة وفي الغنى الباذخ وهو أقدر ضارية على النهب والسلب والتدمير والفتك ولا يزال بين يديه بل ملء قلبه وعقله دستور مكيافيلي وقد اتسع وتطور به ونما واستفحل خبثه وتوحشت ضراوته وتشعب شره تشعبا لا يكاد يصدق.
لذلك وجدت أن الرجل الخامس الذي اخترت أن أذكره في الخمسة العظام يحتاج خبره وتفصيل لم أحتج لمثله وانا أكتب عن أصحابه الاربعة العظام فقد جاءوا جميعا يومئذ ليُحدثوا شيئا لم يكن مألوفاً ولكي يشقوا بأنفسهم طريقا غير طريق الإلف، ولكنه انفرد عنهم بأن طريقه في عمله كان أخفى من طريقهم ولأن تقييد عمله بالكتابة كان أشق ولأن عمله كان تحت وبصر العدو وسمعه لم يغفل عنه طرقة عين ، فلما انقضّ علينا وظفر بنا ، سار بنا مساراً يزيد عمله علينا خفاء بل يفضي الى ماهو اعظم من الخفاء أي الى الطمس الكامل لجميع السبل المؤدية الى استبانة ما كان من عمله، كيف كان ؟ وستأتي القصة كلها واضحة عن شاء الله تعالى.
يتبع
( الرجل الخامس )
ابوحمد الشامري