السياسي
25-11-2004, 02:16 PM
لا تخلو حياتنا من أزمات نعيشها وخصوصاً في هذا العصر الذي أصبحت الأزمة ـ الخاصة والعامة ـ هي أبرز سماته فقلما تجد شخصاً إلا وتجد عنده أحاديث خاصة عن أزمات ومشاكل يعيشها أو يعيش أثارها. وهذه طبيعة الحياة، فهي بُنيت على الكدر والمشقة والعسر والضيق والإنسان بطبعه خلق في كبد، فإن أردت الحياة كاملة خالية من المكدرات والمنغصات فقد جهلت حقيقة الحياة وطبيعتها وجهلت الحكمة من جعلها دار ابتلاء ومحن. ولا يعني أن الحياة بُنيت على كدر أن نعيش على كدر وهم وأزمات؛ فهذا مفهوم خاطئ وإنما المطلوب أن نفهم طبيعة الحياة ونفهم كذلك حقيقة الأزمة التي نعيشها حتى نكون قادرين في تجاوز الأزمة والتعامل معها تعاملاً صحيحاً.
سبب حدوث الأزمات:
الأزمة هي حالة إنسانية تظهر بدرجات مختلفة من الشدة لدى الأشخاص والأمم. وهي تحدث عندما يواجه الشخص عقبات تحول بينه وبين طموحاته وأهدافه. فالأزمة ليست خاصة بأمة معينة؛ بل الأزمة منشأ بيئي فما كان في الماضي أزمة قد لا يكون الآن كذلك، وما يكون في مكان ما يشكل أزمة قد لا يكون في مكان آخر كذلك.
والأزمة تحدث ـ غالباً ـ بسبب ضعفنا وعجزنا وخورنا، فنحن من الأسباب الأولية في حدوث أزماتنا وغيرنا هو مستثمر لها. فالآخر يحدث الأزمة ويسببها لأن لدينا القابلية في تقبل الأزمات والتعايش معها. فالمسامات التي ينفذ منها الآخر إلى جسدنا كثيرة ومفتوحة المنافذ، فحقيقة الأمر أننا نحن المسؤولون عن أزمتنا وليس غيرنا. فما كان الآخر ليتسلط علينا لولا أننا تركناه يتسلط علينا جماعات وأفرادا والأزمات تحدث إذا ابتعدت الأمة عن منهجها وطريقها القويم، عندها تدخل الأمة في دهاليز من الظلمة، وتتخبط في مفاوز الضياع والتفكك. وتحدث الأزمة إذا ولت الأمة قيادتها الفكرية لمن ليس لها أهل، والأهلية تكون بما ذكر الله عز وجل (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)(القصص: من الآية26) وفقد عنصر القوة أو الأمانة التي شرطها الله لمن تولى ولاية هو سبب في سقوط الأمة في أزمات متتالية، فالضعيف العاجز يمنع الأمة من السير قدماً، والخائن الفاسق يقود الأمة إلى الهاوية والانحراف. وتحدث الأزمة كذلك عندما تعيش الأمة في حالة سبات عميق، فعندما تتوقف حركة الأمة وتتجه إلى السكون والدعة وحب الخلود والراحة عندها تتولد الأزمات وتنشأ الشدائد.
فوائد الأزمة:
إن أي أزمة تحمل في طياتها شراً وخيراً، إلا إن الناس لا يرون إلا الصورة السلبية القاتمة ويغفلون عن عما تحدثه من خير، وهذه النظرة تعطينا تصوراً خاطئاً للأزمة وبالتالي يكون تحليلها ووضع الحلول لها بعيداً عن الصواب.
وللنظر الكلي للأزمة، أعني النظر للجانب السلبي والجانب الإيجابي فيها ، يتطلب الأمر نظراً ثاقباً، وتأملا ً جاداً تجاه مواقفنا نحو القضايا والأحداث، وفي طريقة تفكيرنا فيما يتعلق بالمتغيرات. فنحن في الغالب نريد الثبات والاستقرار في كل شؤون حياتنا، وعندما يحدث تغير ما فإننا نشعر بالخوف والقلق ولذلك يتجه النظر إلى الجانب السلبي والأضرار المترتبة على ما يحدث، ونغفل عن الفوائد المترتبة على هذا التغيير.
كثرة الأزمات وتواليها تحدث فينا هزة عنيفة تجعلنا نطلب التغيير للأفضل وقد يتطلب الأمر أن نُغيّر موقفنا السلبية ورؤيتنا التشاؤمية تجاه بعض القضايا. والمحرج في الأمر أن تغيير الموقف حدث نتيجة أزمة لا نتيجة وتفكير منطقي وتأمل عقلي، وهذا في حد ذاته يعتبر أزمة حقيقية حيث أن التغيير حدث نتيجة تأثيرات خارجية وليس نتيجة تفكير ودراسة ورغبة ذاتية.
في الأزمات ينكشف الغطاء فتتميز أصناف الناس وتظهر معادنهم، ويظهر المؤمن والمنافق، فمن كان مؤمناً ثبت على إيمانه ومن كان منافقاً ظهر نفاقه وكفره، وهذا الأمر ما كان ليظهر لولا حدوث الفتن والأزمات كما قال تعالى:" مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ " (آل عمران:179) فمعرفة الغيب أمر متعذر، ويستحيل أن نطّلع على الغيب فنميز المؤمن من المنافق، ولكن بالشدائد والأزمات تتميز الصفوف وينكشف الغطاء.
فالشدائد تميز بين الناس في إيمانهم وأخلاقهم وصفاتهم فالشجاع تظهر شجاعته في حال الخوف، والكريم يظهر كرمه وسخاءه في حال شح الناس وتقاتلهم على الدنيا. وفي الشدائد تنكشف للإنسان حقيقة نفسه قبل أن تنكشف للآخرين فالغرور والعُجب تحجب حقيقة النفس عن الإنسان فلا يدرك حقيقة نفسه التي بين جوانحه إلا في مواطن الشدة.
والأزمات العامة التي نعيشها وتمر بها الأمة يفترض كنتيجة عقلية أنها تقرب الأمة وتوحد صفها وتجمع كلمتها، وتحدث نوعاً من التعاطف والتآلف بين الأفراد؛ لأن الكل يعيش الآلام التي يشعر بها الآخر. وهذا مكسب إيجابي من حدوث الأزمات وهو توحد الصف.
التعامل مع الأزمة:
أولاً:الرضا بالقضاء والقدر والتسليم لأمر الله تعالى وعدم التسخط والجزع فإن ذلك يغضب الله عز وجل ولا يقدم حلاً؛ بل يزيد الأمر سواء فأنت بجزعك وسخطك تفقد قدرتك على التفكير السليم والرؤية الواضحة. فقوة الإيمان بالله والتوكل عليه، والتوجه إليه تعالى بصدق من أنجع السبل في دفع ورفع المصائب فليس هناك ضائقة أمام الله تعالى، فالله هو كاشف الضر ورافع الهم ومزيل النقم، فيعتمد المؤمن أولاً على الله عز وجل في دفع المكروهات وجلب المحبوبات، فالشدائد تزيد المؤمن صلابة في دينه وقوة في إيمانه فهؤلاء الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ لما ضرب عليهم الكفار الحصار العسكري العظيم في غزوة الأحزاب المذكور في قوله تعالى:" إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً" (الأحزاب: 11،10) فكان مواجهة هذه المقاطعة السياسية والاقتصادية والغزو العسكري ما بينه الله تعالى في كتابه " وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً" (الأحزاب:22) فدفعوا كيد الأعداء بالإيمان بالله تعالى أولاً ثم بأخذ أسباب النصر الأخرى بحفر الخندق والتحصن ضد العدو فكانت النتيجة انتصاراً على العدو ورد الله الذين كفروا لم ينالوا خيرا.
ثانياً: تعاملنا مع الأزمات يجب أن يكون فرصة لنا لاكتشاف مواطن الضعف، وتقييم صادق لمؤهلاتنا وقدراتنا. فنحن قد تعودنا أن نستر ضعفنا ونخفي عيوبنا ولا نريد أن يراها أحد، ونكذب على أنفسنا بأننا نعيش في حالة مستقرة، والذين يخفون أزماتهم ولا يبحثون عن حل لها ويظهرون أن كل شيء على ما يرام هم في الحقيقة يعقّدون الأزمة وهم أكثر الناس بُعداً عن إرادة الخروج من المأزق الذي يعيشونه.
ثالثاً: في وقت الأزمات تفقد الأمة ثقتها في ذاتها وإمكانياتها وتعيش في حالة صراع قوي بين قيمها وواقعها ويحدث هناك اضطراب في التفكير وعشوائية في اتخاذ القرارات. لذلك أكبر تحدي نواجه أمام الأزمات هو كيفية التخلص من المشاعر الظلامية، وخصوصاً الشعور بعدم القدرة على المواجهة والتحدي. فالشد العاطفي والنظرة السلبية تؤدي إلى تضليل الفكر فيحدث سوء فهم وسوء تفسير للأزمة، لذلك يجب أن نكون في وقت الأزمات أكثر تفاءلاً، وأكثر تأملاً وتبصراً ومعرفة للخيارات المتاحة والاتجاهات الممكنة التي تقدم لنا فرص إيجابية للتعامل مع الأزمة بشكل صحيح نكون قادرين ـ بإذن الله ـ على الخروج من الأزمة.
رابعاً: التأكد من صحة المعلومات، فمن المهم وأنت تتعامل مع الأزمة أن تكون الحقائق لديك واضحة، فمن العجب أن تجد هناك من يتخذ قرارات خطيرة بدون ما يصرف بعض من الوقت للتأكد من صحة المعلومات التي يملكها والنظر إلى الخيارات المتاحة.
خامساً: مع كثرة الأزمات يحدث هناك نوعاً من الخلط في معرفة أكثر الأزمات خطراً، وهذا في حد ذاته يشكل أزمة. إذ أن جهود الأمة تفترق وتتشتت وتذهب طاقتها متبعثرة هنا وهناك وتكون النتيجة عدم القدرة على إيجاد طريقاً موحداً للخروج من الأزمة. لذلك ينبغي أن يكون هناك تصنيفاً لهذه الأزمات ومعرفة أشدها ضرراً وخطراً وتقديمه في إيجاد الحل له. وكذلك القضايا التي نستطيع أن نقدم لها حلاً نقدمها في الترتيب والتعامل على الأجزاء التي لا نستطيع أن نقدم لها حلاً كي لا تضيع طاقتنا وجهودنا. ونضع كثيراً من الأسئلة التي تساعدنا لاكتشاف حلول متعددة فلا بد من وضع البدائل الممكنة ودراستها ومعرفة أفضل النتائج التي يمكن اتخاذها.
سادساً: إننا في وقت الأزمات أشد ما نحتاج بعد التوكل على الله عز وجل هو التفاعل المستمر والتغاضي عن كل ما يمكن أن يعمّق ويضخم الأزمة. فغياب مفهوم التنازل وقت تعاطي الأزمة هو دلالة على عدم الإرادة للخروج من الأزمة.
وأخيراً: خلال الأزمة لا يقدر المرء أن يتعامل مع الأزمة تعاملاً عقلياً منطقياً يتلائم مع وضعه. غالباً عمليات التفكير تختلط بالمشاعر، وهذا العجز في التعامل مع الأزمة يؤدي إلى فقد تقدير الذات وزيادة ألم في المشاعر والعواطف. ويدخل في المرء حلقة مفرغة، فعدم القدرة على حل الأزمة يؤدي إلى نقص تقدير الذات، ونقص تقدير الذات يقلل من المقدرة في إيجاد حل للأزمة. لذلك لمساعدة الآخرين في تجاوز أزماتهم فإنه يتحتم أن نبتدئ معهم حيث انتهت فيه عواطفهم وليس من بداية الأزمة. فيجب أولاً أن نتعامل مع المشاعر والتي جعلته غير قادراً على التصور والتفكير وبالتالي إيجاد المخرج. يجب أن نقضي وقتاً كافياً في إعادة الثقة في ذاته وكيف إنه بالإمكان إيجاد حلاً لهذه الضائقة. إننا لن نسيطر على أزمتنا ما لم نسيطر على مشاعرنا اتجاهها.
وهنا ألفت النظر إلى إن الأمة تعيش معانات متعددة ومتباينة وتعيش حالات نفسية محبطة قد تسرب إلى نفوس بعض أفرادها اليأس والقنوط، لدرجة أنهم لا يمكن أن يقبلوا اللوم أو مسؤولية تحمل أخطائهم، وأصبح التخلص من التأثير السلبي للأزمات أمراً صعباً؛ لذلك في طريقة تعبيرنا عن الأزمة ينبغي أن نترجم المشاعر في كلمات حانية هادئة تجعل الشخص في وضع أكثر تفاعلاً واطمئناناً، فالمأزوم لا يحتاج لمزيد من التأنيب والتجريح فهذه تزيد مأساته وتفاقم آلامه وتعمق حزنه وتدفعه نحو اليأس. فإن كان هناك حديثاً فليكن حديث المتفائل ، وليكن الحديث لصاحب الأزمة ليتكلم عن خوفه وآلامه ومشاعره وعن المخاطر التي يراها، فالشخص عندما يعبّر عن مشاعره يجد نوعاً من الارتياح إذ يشعر أن الآخرين يعيشون قضيته وهمومه، فلنتوقف قليلاً عن الحديث عن ذاتنا وندفع إليه كل اهتماماتنا، ونشاركه همومه بصدق وانفعال. فأنت لن تكون قادراً للاستجابة بفاعلية حتى تفهم المشكلة من وجهة نظر الشخص المتأزم. فلا بد من معرفة المحيط الذي يعيشه حتى نتمكن من مساعدته ليحدد المشكلة. ويكون قادراً على إيجاد مهارات في التعامل مع المشكلة ووضع الخيارات والبدائل الممكنة. دعه هو يبحث عن الحل، فقط دورك هو إعادة الثقة لنفسه وإزالة العقبات التي تحوله عن التفكير السليم.
مبارك بقنه
السياسي
سبب حدوث الأزمات:
الأزمة هي حالة إنسانية تظهر بدرجات مختلفة من الشدة لدى الأشخاص والأمم. وهي تحدث عندما يواجه الشخص عقبات تحول بينه وبين طموحاته وأهدافه. فالأزمة ليست خاصة بأمة معينة؛ بل الأزمة منشأ بيئي فما كان في الماضي أزمة قد لا يكون الآن كذلك، وما يكون في مكان ما يشكل أزمة قد لا يكون في مكان آخر كذلك.
والأزمة تحدث ـ غالباً ـ بسبب ضعفنا وعجزنا وخورنا، فنحن من الأسباب الأولية في حدوث أزماتنا وغيرنا هو مستثمر لها. فالآخر يحدث الأزمة ويسببها لأن لدينا القابلية في تقبل الأزمات والتعايش معها. فالمسامات التي ينفذ منها الآخر إلى جسدنا كثيرة ومفتوحة المنافذ، فحقيقة الأمر أننا نحن المسؤولون عن أزمتنا وليس غيرنا. فما كان الآخر ليتسلط علينا لولا أننا تركناه يتسلط علينا جماعات وأفرادا والأزمات تحدث إذا ابتعدت الأمة عن منهجها وطريقها القويم، عندها تدخل الأمة في دهاليز من الظلمة، وتتخبط في مفاوز الضياع والتفكك. وتحدث الأزمة إذا ولت الأمة قيادتها الفكرية لمن ليس لها أهل، والأهلية تكون بما ذكر الله عز وجل (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)(القصص: من الآية26) وفقد عنصر القوة أو الأمانة التي شرطها الله لمن تولى ولاية هو سبب في سقوط الأمة في أزمات متتالية، فالضعيف العاجز يمنع الأمة من السير قدماً، والخائن الفاسق يقود الأمة إلى الهاوية والانحراف. وتحدث الأزمة كذلك عندما تعيش الأمة في حالة سبات عميق، فعندما تتوقف حركة الأمة وتتجه إلى السكون والدعة وحب الخلود والراحة عندها تتولد الأزمات وتنشأ الشدائد.
فوائد الأزمة:
إن أي أزمة تحمل في طياتها شراً وخيراً، إلا إن الناس لا يرون إلا الصورة السلبية القاتمة ويغفلون عن عما تحدثه من خير، وهذه النظرة تعطينا تصوراً خاطئاً للأزمة وبالتالي يكون تحليلها ووضع الحلول لها بعيداً عن الصواب.
وللنظر الكلي للأزمة، أعني النظر للجانب السلبي والجانب الإيجابي فيها ، يتطلب الأمر نظراً ثاقباً، وتأملا ً جاداً تجاه مواقفنا نحو القضايا والأحداث، وفي طريقة تفكيرنا فيما يتعلق بالمتغيرات. فنحن في الغالب نريد الثبات والاستقرار في كل شؤون حياتنا، وعندما يحدث تغير ما فإننا نشعر بالخوف والقلق ولذلك يتجه النظر إلى الجانب السلبي والأضرار المترتبة على ما يحدث، ونغفل عن الفوائد المترتبة على هذا التغيير.
كثرة الأزمات وتواليها تحدث فينا هزة عنيفة تجعلنا نطلب التغيير للأفضل وقد يتطلب الأمر أن نُغيّر موقفنا السلبية ورؤيتنا التشاؤمية تجاه بعض القضايا. والمحرج في الأمر أن تغيير الموقف حدث نتيجة أزمة لا نتيجة وتفكير منطقي وتأمل عقلي، وهذا في حد ذاته يعتبر أزمة حقيقية حيث أن التغيير حدث نتيجة تأثيرات خارجية وليس نتيجة تفكير ودراسة ورغبة ذاتية.
في الأزمات ينكشف الغطاء فتتميز أصناف الناس وتظهر معادنهم، ويظهر المؤمن والمنافق، فمن كان مؤمناً ثبت على إيمانه ومن كان منافقاً ظهر نفاقه وكفره، وهذا الأمر ما كان ليظهر لولا حدوث الفتن والأزمات كما قال تعالى:" مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ " (آل عمران:179) فمعرفة الغيب أمر متعذر، ويستحيل أن نطّلع على الغيب فنميز المؤمن من المنافق، ولكن بالشدائد والأزمات تتميز الصفوف وينكشف الغطاء.
فالشدائد تميز بين الناس في إيمانهم وأخلاقهم وصفاتهم فالشجاع تظهر شجاعته في حال الخوف، والكريم يظهر كرمه وسخاءه في حال شح الناس وتقاتلهم على الدنيا. وفي الشدائد تنكشف للإنسان حقيقة نفسه قبل أن تنكشف للآخرين فالغرور والعُجب تحجب حقيقة النفس عن الإنسان فلا يدرك حقيقة نفسه التي بين جوانحه إلا في مواطن الشدة.
والأزمات العامة التي نعيشها وتمر بها الأمة يفترض كنتيجة عقلية أنها تقرب الأمة وتوحد صفها وتجمع كلمتها، وتحدث نوعاً من التعاطف والتآلف بين الأفراد؛ لأن الكل يعيش الآلام التي يشعر بها الآخر. وهذا مكسب إيجابي من حدوث الأزمات وهو توحد الصف.
التعامل مع الأزمة:
أولاً:الرضا بالقضاء والقدر والتسليم لأمر الله تعالى وعدم التسخط والجزع فإن ذلك يغضب الله عز وجل ولا يقدم حلاً؛ بل يزيد الأمر سواء فأنت بجزعك وسخطك تفقد قدرتك على التفكير السليم والرؤية الواضحة. فقوة الإيمان بالله والتوكل عليه، والتوجه إليه تعالى بصدق من أنجع السبل في دفع ورفع المصائب فليس هناك ضائقة أمام الله تعالى، فالله هو كاشف الضر ورافع الهم ومزيل النقم، فيعتمد المؤمن أولاً على الله عز وجل في دفع المكروهات وجلب المحبوبات، فالشدائد تزيد المؤمن صلابة في دينه وقوة في إيمانه فهؤلاء الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ لما ضرب عليهم الكفار الحصار العسكري العظيم في غزوة الأحزاب المذكور في قوله تعالى:" إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً" (الأحزاب: 11،10) فكان مواجهة هذه المقاطعة السياسية والاقتصادية والغزو العسكري ما بينه الله تعالى في كتابه " وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً" (الأحزاب:22) فدفعوا كيد الأعداء بالإيمان بالله تعالى أولاً ثم بأخذ أسباب النصر الأخرى بحفر الخندق والتحصن ضد العدو فكانت النتيجة انتصاراً على العدو ورد الله الذين كفروا لم ينالوا خيرا.
ثانياً: تعاملنا مع الأزمات يجب أن يكون فرصة لنا لاكتشاف مواطن الضعف، وتقييم صادق لمؤهلاتنا وقدراتنا. فنحن قد تعودنا أن نستر ضعفنا ونخفي عيوبنا ولا نريد أن يراها أحد، ونكذب على أنفسنا بأننا نعيش في حالة مستقرة، والذين يخفون أزماتهم ولا يبحثون عن حل لها ويظهرون أن كل شيء على ما يرام هم في الحقيقة يعقّدون الأزمة وهم أكثر الناس بُعداً عن إرادة الخروج من المأزق الذي يعيشونه.
ثالثاً: في وقت الأزمات تفقد الأمة ثقتها في ذاتها وإمكانياتها وتعيش في حالة صراع قوي بين قيمها وواقعها ويحدث هناك اضطراب في التفكير وعشوائية في اتخاذ القرارات. لذلك أكبر تحدي نواجه أمام الأزمات هو كيفية التخلص من المشاعر الظلامية، وخصوصاً الشعور بعدم القدرة على المواجهة والتحدي. فالشد العاطفي والنظرة السلبية تؤدي إلى تضليل الفكر فيحدث سوء فهم وسوء تفسير للأزمة، لذلك يجب أن نكون في وقت الأزمات أكثر تفاءلاً، وأكثر تأملاً وتبصراً ومعرفة للخيارات المتاحة والاتجاهات الممكنة التي تقدم لنا فرص إيجابية للتعامل مع الأزمة بشكل صحيح نكون قادرين ـ بإذن الله ـ على الخروج من الأزمة.
رابعاً: التأكد من صحة المعلومات، فمن المهم وأنت تتعامل مع الأزمة أن تكون الحقائق لديك واضحة، فمن العجب أن تجد هناك من يتخذ قرارات خطيرة بدون ما يصرف بعض من الوقت للتأكد من صحة المعلومات التي يملكها والنظر إلى الخيارات المتاحة.
خامساً: مع كثرة الأزمات يحدث هناك نوعاً من الخلط في معرفة أكثر الأزمات خطراً، وهذا في حد ذاته يشكل أزمة. إذ أن جهود الأمة تفترق وتتشتت وتذهب طاقتها متبعثرة هنا وهناك وتكون النتيجة عدم القدرة على إيجاد طريقاً موحداً للخروج من الأزمة. لذلك ينبغي أن يكون هناك تصنيفاً لهذه الأزمات ومعرفة أشدها ضرراً وخطراً وتقديمه في إيجاد الحل له. وكذلك القضايا التي نستطيع أن نقدم لها حلاً نقدمها في الترتيب والتعامل على الأجزاء التي لا نستطيع أن نقدم لها حلاً كي لا تضيع طاقتنا وجهودنا. ونضع كثيراً من الأسئلة التي تساعدنا لاكتشاف حلول متعددة فلا بد من وضع البدائل الممكنة ودراستها ومعرفة أفضل النتائج التي يمكن اتخاذها.
سادساً: إننا في وقت الأزمات أشد ما نحتاج بعد التوكل على الله عز وجل هو التفاعل المستمر والتغاضي عن كل ما يمكن أن يعمّق ويضخم الأزمة. فغياب مفهوم التنازل وقت تعاطي الأزمة هو دلالة على عدم الإرادة للخروج من الأزمة.
وأخيراً: خلال الأزمة لا يقدر المرء أن يتعامل مع الأزمة تعاملاً عقلياً منطقياً يتلائم مع وضعه. غالباً عمليات التفكير تختلط بالمشاعر، وهذا العجز في التعامل مع الأزمة يؤدي إلى فقد تقدير الذات وزيادة ألم في المشاعر والعواطف. ويدخل في المرء حلقة مفرغة، فعدم القدرة على حل الأزمة يؤدي إلى نقص تقدير الذات، ونقص تقدير الذات يقلل من المقدرة في إيجاد حل للأزمة. لذلك لمساعدة الآخرين في تجاوز أزماتهم فإنه يتحتم أن نبتدئ معهم حيث انتهت فيه عواطفهم وليس من بداية الأزمة. فيجب أولاً أن نتعامل مع المشاعر والتي جعلته غير قادراً على التصور والتفكير وبالتالي إيجاد المخرج. يجب أن نقضي وقتاً كافياً في إعادة الثقة في ذاته وكيف إنه بالإمكان إيجاد حلاً لهذه الضائقة. إننا لن نسيطر على أزمتنا ما لم نسيطر على مشاعرنا اتجاهها.
وهنا ألفت النظر إلى إن الأمة تعيش معانات متعددة ومتباينة وتعيش حالات نفسية محبطة قد تسرب إلى نفوس بعض أفرادها اليأس والقنوط، لدرجة أنهم لا يمكن أن يقبلوا اللوم أو مسؤولية تحمل أخطائهم، وأصبح التخلص من التأثير السلبي للأزمات أمراً صعباً؛ لذلك في طريقة تعبيرنا عن الأزمة ينبغي أن نترجم المشاعر في كلمات حانية هادئة تجعل الشخص في وضع أكثر تفاعلاً واطمئناناً، فالمأزوم لا يحتاج لمزيد من التأنيب والتجريح فهذه تزيد مأساته وتفاقم آلامه وتعمق حزنه وتدفعه نحو اليأس. فإن كان هناك حديثاً فليكن حديث المتفائل ، وليكن الحديث لصاحب الأزمة ليتكلم عن خوفه وآلامه ومشاعره وعن المخاطر التي يراها، فالشخص عندما يعبّر عن مشاعره يجد نوعاً من الارتياح إذ يشعر أن الآخرين يعيشون قضيته وهمومه، فلنتوقف قليلاً عن الحديث عن ذاتنا وندفع إليه كل اهتماماتنا، ونشاركه همومه بصدق وانفعال. فأنت لن تكون قادراً للاستجابة بفاعلية حتى تفهم المشكلة من وجهة نظر الشخص المتأزم. فلا بد من معرفة المحيط الذي يعيشه حتى نتمكن من مساعدته ليحدد المشكلة. ويكون قادراً على إيجاد مهارات في التعامل مع المشكلة ووضع الخيارات والبدائل الممكنة. دعه هو يبحث عن الحل، فقط دورك هو إعادة الثقة لنفسه وإزالة العقبات التي تحوله عن التفكير السليم.
مبارك بقنه
السياسي