المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النظام القبلي


الفيصل
18-02-2004, 12:35 PM
كان أكثر سكان الجزيرة العربية في العصر الجاهلي قبائل رُحلاً يسكنون البادية. ونذكر في ما يأتي شيئاً من عاداتهم نقلاً من كتاب تاريخ العرب قبل الاسلام بتصرّف وإيجاز(1):

أمّا البدو، فهم القبائل الرّحّل المتنقّلون من جهة إلى أخرى طلباً للمرعى أو للماء، والطبيعة هي الّتي تجبر البدويّ على المحافظة على هذه الحياة.

وحياة البدوي حياة شاقّة مضنية، ولكنه ـ وهو متمتع بأكبر قسط من الحرية ـ يفضّلها على أي حياة مدنية أخرى.

هذه الحياة الخشنة هي الّتي جعلت القبائل يتقاتلون في سبيل المرعى والماء، وهي الّتي جعلت سوء الظنّ يغلب على طباعهم، فالبدويّ ينظر إلى غيره نظرة العدوّ الّذي يحاول أخذ ما بيده أو حرمانه من المرعى.

إنّ البدويّ في الصحراء لا يهمّه إلاّ المطر والمرعى، فأزمته الحقيقية انحباس المطر وقلّة المرعى، ولا يبالي بما يصيب العالم في الخارج مادامت أرضه مخضرة، وبعيره سميناً، وغنمه قد اكتنزت لحماً وقد طبقت شحماً.

أمّا إذا نما السكان وضاقت بهم الارض، أو لم تجد أراضيهم بالمرعى، فليس هناك سبيل إلاّ الزحف والقتال، أو الهجرة إن كان

هناك سبيل إليها، وكذلك القبيلة الّتي غلبت على أمرها وحرمت من مراعيها وأراضيها ليس أمامها سبيل آخر سوى الهجرة.

والمرأة البدوية ترفض الزواج من غني، إذا كان ابن صانع، أو أنّه من سلالة العبيد، أو كان نسبه القبيلي يحيط به شي?ء من الشّك، فسلطان المال لا قيمة له عند العرب ومع وجود هذه الروح الارستقراطية الّتي تتجلّى فقط في الزواج ورياسة القبيلة والحكم، فإنّه لا يكاد يوجد فارق في طرق المعيشة الاخرى.

ومن عادة القسم الاكبر من سكان الجزيرة ـ ولا سيما البدو ـ مخاطبة رؤسائهم بأسمائهم أو بألقابهم، لانهم لا يعرفون الالقاب وألفاظ التعظيم والتفخيم، فيقولون يا فلان ويا أبا فلان ويا طويل العمر.

والبدوي لا ينسى المعروف، ولا ينسى الاساءة كذلك، فإذا أسي?ء إليه، ولم يتمكن من ردّ الاساءة في الحال، كظم حقده في نفسه، وتربص بالمسي?ء، حتى يجد فرصته فينتقم منه، فذاكرة البدوي ذاكرة قوية حافظة لا تنسى الاشياء.

وللبدو مهارة فائقة في اقتفاء الاثر، وكثيراً ما كانت هذه المعرفة سبباً في اكتشاف كثير من الجرائم ولا تكاد تخلو قبيلة من طائفة منهم.

والقبائل العريقة المشهورة من حضر وبادية?تحافظ على أنسابها تمام المحافظة وتحرص عليها كل الحرص، فلا تصاهر إلاّ من يساويها في النسب. والقبائل المشكوك في نسبها لا يصاهرها أحد من القبائل المعروفة.

وإنّ من الصعب عليه نبذ ما كان عليه آباؤه وأجداده من عادات وتقاليد فالتقاليد والعرف وما تعارفت عليه القبيلة هي عنده قانون البداوة، وقانون البداوة دستور لا يمكن تخطيه ولا مخالفته، ومن هنا يخطئ من يظنّ أنّ البداوة حريّة لا حدّ لها، وفوضى لا يردعها رادع، وأنّ الاعراب فرديّون لا يخضعون لنظام ولا لقانون على نحو ما يتراءى ذلك للحضري أو للغريب.

إنّهم في الواقع خاضعون لعرفهم القبيلي خضوعاً صارماً شديداً، وكلّ من يخرج عن ذلك العرف يطرد من أهله ويتبرأ قومه منه، ويضطر أن يعيش طريداً أو صعلوكاً مع بقية الصعاليك.

والعربي رجل جاد صارم، لا يميل إلى هزل ولا دعابة، فليس من طبع الرجل أن يكون صاحب هزل ودعابة، لانّهما من مظاهر الخفّة والحمق، ولا يليق بالرجل أن يكون خفيفاً، لهذا حذر في كلامه وتشدّد في مجلسه، وقلّ في مجتمعه الاسفاف، وإذا كان مجلس عام، أو مجلس سيد قبيلة، روعي فيه الاحتشام والابتعاد عن قول السخف، والاستهزاء بالاخرين، وإلقاء النكات والمضحكات، حرمة لاداب المجالس ومكانة الرجال.

وإذا وجدوا في رجل دعابة أو ميلاً إلى الضحك أو إضحاك عابوه عليه وانتقصوا من شأنه كائناً من كان.

وعبارة مثل ((لا عيب فيه غير أنّ فيه دعابة)) أو ((لا عيب فيه إلاّ أنّ فيه دعابة)) هي من العبارات الّتي تعبّر عن الانتقاص والهمز واللمز.

والبدوي محافظ متمسك بحياته وبما قدر له، معتزّ بما كتب له وإن كانت في حياته خشونة وصعوبة ومشقة.

ولهذا كان للقبيلة قيمتها في بلاد العرب، فالانسان يقوى بأبنائه وأبناء عمومته الاقربين والابعدين، وإذا كانت القبيلة ضعيفة استقوت بالتحالف مع سواها حتّى يقوى الفريقان ويأمنا شر غيرهما من القبائل القويّة.

وقد جرى العرف أنّ القبائل تعتبر الارض الّتي اعتادت رعيها، والمياه الّتي اعتادت أن تردها ملكاً لها، لا تسمح لغيرها من القبائل الاخرى بالدنو منها إلاّ بإذنها ورضاها، وكثيراً ما تأنس إحدى القبائل من نفسها القوة فتهجم بلا سابق إنذار على قبيلة أخرى، وتنتزع منها مراعيها ومياهها.

الفيصل
18-02-2004, 12:45 PM
صفات الكرم والنخوة والضيافة بعضاً من صفات البدوي الاصيل، بيد ان الكرم عند البدو لا يتمثل في عادات ولائم البذخ والاسراف التي يقيمها بعض أغنياء المدن طمعاً في منزلة اجتماعية لا يملكونها او ابتغاء خصال يفتقرون الى مقوماتها، وانما هي الاستعداد الفطري للفقير لتقديم آخر وجبة طعام يملكها لضيف حل عليه أو التخلي عن آخر ما يمتلكه لاغاثة محتاج. بينما تتجلى صفة النخوة في حماية الضعيف ونجدة المستغيث. ويتجسد خلق الضيافة في ابسط صوره: بتقديم التمر والقهوة العربية ، التي تعد اكثر من مجرد شراب وانما هي تعبير عن دفء الترحيب. ويشكل موقد النار تحت ظل شجرة غاف مجلساً للقاءات ومركزا لجمع الناس للتشاور في امور تجارية او سماع الاخبار او تسوية خلاف. وتتخذ اليوم العديد من المؤسسات السياحية في الجزيرة العربية من دلة القهوة رمزا يدل على حسن الاستقبال وجودة الخدمات.



يقول المغامر البريطاني ولفرد ثيسجر، الذي عبر صحراء الربع الخالي خلال الفترة ما بين عامي 1945 و 1950 مرتين.. الثانية منهما أخذته من صلالة في جنوب عمان إلى صعر في حضرموت وسليل جنوب المملكة العربية السعودية وصولا إلى واحة ليوا في امارة ابوظبي، بصحبة عدد من البدو، عن سكان الصحراء "… ويظل كرمهم السخي رغم شح مصادر رزقهم وما يملكون اعز ما في ذاكرتي… ولاني لم اكن بدويا كان يغيضني تقديم آخر ما تبقى لدينا من طعام للزوار".



وفي مكان آخر من كتابه الكلاسيكي "الرمال العربية"، الذي يصف فيه مغامرته تلك ويتناول فيه حياة البدو، يقول ثيسجر، الذي لقبه البدو باسم "مبارك بن لندن" عن قناعتهم بالحياة التي ارتضوها لأنفسهم:"إن جل من يطلبونه القليل من ضروريات الحياة، فهم يبتغون من الطعام ما يسد الرمق، ومن الملبس ما يستر أجسادهم العارية، ومن المأوى ما يدرأ عنهم لسعة الشمس ولفح الريح".

وثمة من يظن ان لا مكان عند البدوي لامتاع الروح في ظل صراعه الدائم مع البيئة. وهنا يخطئون ايضا! فليالي الصحراء زاخرة بمشاهد الفرح واطياف المرح ورواية الحكايات والاساطير الشعبية عن بطولات وامجاد لا ينضب معينها.



ويدور حول موقد النار وفناجين القهوة وحبات التمر حديث الرجال ويتناول أموراً مختلفة تتخللها اخبار الوديان المجاورة او ما تتناقله القوافل بما يفيدهم على تسيير قوافلهم نحو المناطق التي يكثر الطلب فيها على قوافل النقل. وتروى في مرمس الرجال الحكايات والطرائف والشعر. ويتحدث الاوفر حظاً بالعلم منهم عن قضايا دينية وأمور تاريخية ويحكون قصص الانبياء والمسلمين الأوائل ويروون تاريخ العرب وحروبهم الاهلية وضد الغزاة، ويتحدثون عن الفتوحات وانتشار الدين.. وهذا غيض من فيض!



ذلك كان نمط حياة بعض من البدو لم يطرأ عليه تغيير طوال مئات السنين. حياة ارتضوها لانفسهم! لكن رياح التغيير التي هبت على دول الخليج العربي في العقود الأخيرة بسبب اكتشاف النفط أنهت، إلى غير عودة، أساليب حياة البدو بكافة أشكالها، واخذت سماتها تتغير وطغت على حياتهم افرازات النمو الاقتصادي. وكانت اكثر التحولات هي تلك التي ترتب عليها إدخال وسائل النقل الحديثة، فقد شقت الطرق المسفلتة الصحراء وحلت السيارة محل الجمل. ولم يكن بوسعهم سوى التخلي عن نمط حياة لم يعد يلائم العصر، وتحولت التجمعات السكانية إلى مدن صغيرة "تنعم" بالمساكن الاسمنتية الحديثة والكهرباء والمياه والخدمات الاجتماعية كالتعليم والرعاية الصحية

admin
18-02-2004, 02:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

اشكرك أخي الفيصل علي هذه المشاركة الرائع والتي تتكلم عن تعريف اهل القبائل الباديه بعادات وتقاليد
وأتمنى اني اشوف منك مشاركات اكثر بنسبة الي هذه المواضيع التي نحتاجها اكثر في هذه المنتدى
وان شاءالله الجميع يستفيد منها

تقبل تحياتي
أخيك ابوفيصل

فيصل بن حجرف
19-02-2004, 08:02 PM
السلام عليكم
مشكور اخوي الفيصل على هذا الشرح الوافي عن النظام القبلي
والي يبين بعض قوانين البدو وبعض صفاتهم

ولك مني كل التحيه وانشالله نشووف منك كل ماهو جديد

cool
20-02-2004, 05:31 AM
السلاااام عليكم ورحمة الله وبركاااته

تسلم الفيصل والله يعطيك العااافيه على المجهوود والمشاااركه اللي توضح

الحياااة منول وعن النظااام وعن صفااااتهم وعااادتهم .

ان شاء الله نشووف منك مشاااركاات اااجمل قاادمه .


كـووول

مـحمـد
20-02-2004, 06:54 AM
مشكور اخي على الموضوع الاكثر من ممتاز

وعلى فكره القانون القبلي من اوائل القوانين اللتي لها قواعد وجزاء

وانا كطالب في كلية الحقوق ندرس من هذا النحو بتنويه انه من القوانين المسنه

وشكرا

بن يوسف
13-09-2006, 07:13 AM
بيض الله وجهك