إتصل بنا من نحن الرئيسية


   

تاريخ قبيلة العجمان إبان حكم الدولة السعودية الثانية :

أولاً : وصول العجمان إلى الاحساء واستقرارهم بها :
ثانياً : معركة ( مناخ الرضيمة )
من الجدير بالذكر أن اشتراك العجمان في هذه الفتوحات التي شملت الشرق والغرب والشمال والجنوب جعلتهم يتطلعون إلى اختيار المكان المناسب للإقامة الدائمة ويبدوا أن منطقة الأحساء لموقعها الممتاز وقع اختيار العجمان عليها , ومنذ ذلك الوقت أخذوا يتطلعون للسيطرة على هذه المنطقة التي تتمتع بموقع استراتيجي علاوة على المميزات الاقتصادية من ثروة زراعية ووجود مواني بحرية . لذلك أخذت قبائل العجمان في الزحف نحو الأحساء والاستقرار في باديتها .

ويبدو أن قبيلة بني خالد لم ترتاح لظهور طلائع العجمان بينهم ويتضح ذلك من قصة رواها سادلير أثناء رحلته المشهورة سنة 1819م من القطيف في الخليج العربي إلى ينبع على البحر الأحمر قال : ( وفي صباح اليوم التالي قمت برد زيارة الشيخ محمد والشيخ ماجد لذكرهم بشكل خاص بشان الإسراع في رحيلي الذي كان محدداً مساء اليوم , وكم كانوا أكثر سخاء في تقديم أجمل الوعود وأقوى الانطباعات عن الصداقة وقد بدا كلا الشيخين ضليعين في فن الخداع حتى رأيت من الصعب إدراك الحافز الذي دفعهم إلى تأخير تزويدي بالدواب عندما تحدثا عن رؤية مجموعات من قبيلة العجمان بالقرب من الأحساء , كما حاولا أن يبرزا إشاعات عديدة عن المخاطر التي يتوقع أن تواجهنا خلال المسير , ولم يقصدا من ذلك كله إلا وضع ذريعة لرفع أجور الدواب على أن أعدهما بهدية ثمينة ) .

كما أورد سادلير في رحلته في 24 أغسطس 1819م ذكر قبيلة العجمان ضمن القبائل الموجودة في الاحساء قال : وتمتد إلى جهة الخليج سلطان بني خالد الذي يستمر إلى أقصى الجنوب حتى يصل إلى الأحساء والى جنوب هذه المنطقة الرئيسية قبيلة العجمان المنيعة التي لا تعتبر على حال ذات قوة تكفي لمواجهة قبيلة بني خالد . وبعد حلول العجمان في المنطقة الشرقية كان لابد لها الاصطدام بالقبائل الأخرى وعلى رأسها قبيلة ( بني خالد ) التي كانت تهيمن على هذه المنطقة هيمنة تامة , ووقع التصادم بين العجمان وبني خالد في عام 1238هـ في معركة مناخ الرضيمة التي كانت بين العجمان وحلفاؤهم من القبائل الأخرى مثل مطير والدواسر وغيرهم من ناحية وكان من ناحية أخرى بين ماجد بن عريعر واتباعه من بني خالد وعنزة وسبيع وغيرهم فوقع القتال فانهزمت بني خالد ومن تبعهم , وتركوا مكان إقامتهم وأثاثهم وأغنامهم وغالب إبلهم .

ملخص معركة ( مناخ الرضيمة ) وبيان أسباب وقوعها :-
وتتلخص أحداث معركة مناخ الرضيمة في قدوم غزو من العجمان من الجنوب قاصدين الاحساء وتمكنت قوات ابن عريعر من القبض على بعضهم وأودعوا السجن , وكان منهم ابن للشيخ عامر بن جفن من أمراء آل سفران , وقدم الأخير إلى ابن عريعر وأضافه وفك اسر ابنه ومن معه , وعقد معهم صلحا , وعند رجوع عامر بن جفن ومن معه إلى بقية العجمان أخبرهم بما جرى من الصلح مع ابن عريعر , وكان زعيم العجمان يومئذ الأمير ( مانع بن حثلين ) فأقرهم على الصلح ونزح العجمان باتجاه مناطق الاحساء واستقروا فيها , وحدث أن قتل أحد أبناء عريعر عامر بن جفن مما أدى إلى نقض الصلح بين القبيلتين , وبدأت ملامح الاستعداد للقتال واستعان بن عريعر بقبائله من بني خالد وارسل إلى مغيليث بن هذال وبرجس بن مجلاد من أمراء عنزه ولمسلم بن مجفل أمير الصمله من سبيع , وتقابل العجمان مع ابن عريعر وحلفائه في الرضيمه , واستمر القتال مدة شهر لم يكن مع العجمان أي حليف , ثم أرسل العجمان إلى الإمام تركي بن عبد الله يستعينون به , فاعتذر الإمام عن المشاركة بجيشه ولكنه أخبرهم بأنه سيكتب إلى أمراء القبائل الموالية ليه لكي ينصروا العجمان , فكتب إلى الدويش أمير مطير الذي وافق العجمان بشرط أن يأخذ مربط كروش وإبل الودائع ووافق العجمان على شرطه , وانضم إلى العجمان الأمير سلطان بن قويد م أمراء الدواسر ومعه جميع قبيلة الدواسر واشترط أخذ الريشة ( راية الأمير ابن عريعر ) ومعه ابن وثيلة من شيوخ الوادي وكذلك قبيلة السهول , والتقت الجيوش انتهت المعركة بانتصار العجمان حلفائهم .

تفصيل معركة ( مناخ الرضيمة ) كما أوردها ابن فردوس في ديوانه :
بعدما استمرت الحرب بين قبيلة العجمان وحلفائهم وبالمقابل قبيلة بني خالد وحلفائهم ثلاثة أشهر أرسل العجمان برسول يستنجد بقبائل نجران وهي مذكر ويام حضروا وتم لهم النصر بحضورهم ومن القبائل التي معه وقبيلة سبيع و أميرهم مسلم بن مجفل والمستشار لـه سلطان الأدغم ويوجد شخص يدعى بن نوال وهو رجل طيب وفارس مشهور واحب أن يشير على بن مجفل وينفصل عن بن عريعر ويذهبون إلى ديارهم في الجنوب واتاهم في نصف الليل على جواده والناس نيام ونادى مسلم بن مجفل على الدلال فلباه وحضر له وقال ما تريد يا بن نوال فقال لـه عندي لك رأى فماذا تقول فان هذا بن عريعر وقد جمع الناس جميعهم وهؤلاء العجمان واستنجدوا ببعض القبائل و أرسلوا إلى أهل الجنوب ونحن أصبحنا بينهم وذبحت رجالنا وأخذت أموالنا وسلبت نسائنا فما هو صلاحنا جراء ذلك فالرأي أن نذهب إلى ديارنا ونترك تلك الحرب الطاحنة فقام شخص نائم في البيت لم يعلم عنه وهو سلطان الادغم فقال أنت بن نوال فقال له نعم هو ذاك وهل هذا هو الرأي الذي عندك قال نعم , قال أنت مكفى من ذلك ولولا حشمت صاحب البيت لأهنتك إهانة تنزل بقدرك فقال أرجو المعذرة إذا لم يصلح هذا الرأي فركب جواده ورجع من حيث أتى فجاءت الافزاع من نجران صابغين جميع الخيل بالنيل الأسود فرجعت خيل بن عريعر مهزومة فسألهم ماذا حصل لكم ذلك اليوم فقالوا لقد أتانا قوم خيلهم سود ويرتدون الملابس السوداء وهم غرباء فصفق بكف على كف فقالوا ما بك فقالوا ما بك أيها الأمير فقال لقد جاءوا أهل نجران وفي الصباح سارت الجموع عليهم وهجمت على بن عريعر هجوم هزم فيه جنود بن عريعر من سناد للحكم الذي قام قديما وذبح سلطان الادغم وعدد من فرسان سبيع ولما صفوا سبيع لحالهم اجتمعوا إلى أميرهم مسلم بن مجفل فاتاهم بن نوال على جواده فقال له الأمير مسلم تفضل يا بن نوال واسمعنا ما عندك من القصائد فقال سأسمعكم هذه الأبيات :

ولـو سـبيـع الـتمـر مـا حـدكـم لـوم
طـحـتـوا بنـار صلوها يطرح الحوم
مشروبكم شرى يذوب على الصوم
اشقـر يدور الحرب كنه من الـورم
   
ولا عـندكـم غرس يسقي بماها
واللـي ورا نـجـران قاده سناها
وعـيـونـكـم بالـشـب زين دواها
وحرث لسيات الحطر لين جاها


وهذا ما حصلنا عليه من قصيدة بن نوال وهي أطول من ذلك فصفق دلاله بن مجفل ونثرها على الضو وقال لا عادت جيتك للنا يا بن نوال لقد أردنا منك أن تسلينا فجمعت علينا همومنا ونعود إلى قصيدة الحفيف حيث قال:-

قامت مخاييل مــع الـصـبـح ركـبــت
تــرعـد بـخــفــان الـمـحـبـب والـقـنا
لــكـن الــعــقــايــر بـيــن ذولا وذولا
ولو كن طرحان المـنـاعـيـر بـيـنـنــا
تـسـعين لـيـل والـحـلايـا مـعـقـلــــــه
رحنـا وجيـنـا بـالـدويـش الـمسـمــى
وجـيـنـا بـخـطـلان الايـديـن آل زايــد
ورحنا وجينا بـالسـهـول وخـلـطـهــم
وجـانـا مـن الـعـبر المـسمى مـخيلة
والاد مـرزوق هـل الـمـدح والـثـنـى
كــم درعــوا مـن حـربـة عولـقــيـــه
هـل سـربـة لا دبـرت لــو كــنـهـــــــا
وكـم كـرسـعـوا مـن فـاطـر بان نيها
تسموا بنا الغلبـا سـبـيـع بـن عـامـر
ومعهم من اولاد النشيـطـا جـمـاعـه
ولـكـن تـخـيـضـاع الـجـنـايـز بـيـنـنـا
وذبحـنـا دجـيـن الـصـبـى بـن نـافـلـه
وطق العدو من عقب ما حس حربنا
وجلبـهـم الـجـلاب واسـتـافـا الثـمـن
وكـلـه لـعـينـا شــايـب غـطـه الـبـلا
   
مـلـت مـلازمـها وغـبـت تـرابـهـــا
وتمـطـر بدرج ودارج الدم سحابها
نصـال تدربا من علاوي هـضابـهـا
جذوع نخـل قـطـعـت مـن عـقـابـهـا
من الجوع والهزل تثـنـت رقـابـهـا
له ركضت عند الضحى ينحكي بها
ربع ترائع في الالـحـده ركـابــهـــا
برازية بالضيـق تـروى حـرابـهـــا
مخيلة يـا سـعـد مـنـهـو عـدا بـهــا
يصالون ضو الحرب يوم التهابهـا
وقـديـمـى مـا ردهـا إلا نـصـابـهــا
ولو هي دابـيـر افـعـوج رقـابـهـــا
وصحون بر واللبن في عـقـابـهــا
وتسمو بنا لين الله ادنى ذهـابـهــا
وحضران وبدوان كثيـر حسـابـهـا
عياد تهطع مـن عـلاوي رقـابـهــا
ومجـلاد اللـي للسـبـايـا عـذابـهــا
ودلـيـل تـنـخـاه وشـقـت ثـيـابـهـــا
ج،لايـب يـسـوقــهــا جـلابــهــــــا
وغـاشية من غير النثايل اترابها


العجمان في عهد الامام تركي :
من الجدير بالذكر أن قوة العجمان أخذت في الظهور بشكل واضح بعد معركة مناخ الرضيمة عام 1238هـ والتي انتصروا فيها على بنى خالد أصحاب المنطقة الشرقية في ذلك الوقت , وكان هذا الانتصار متزامنا مع بداية ظهور الدولة السعودية الثانية .

ولقد وقف العجمان إلى جانب الامام تركي بن عبد الله في الفترة ما بين أفول نجم السعودية الأولى وميلاد الدولة السعودية الثانية فعندما هزمت القوات المصرية جيش الدرعية تركها الامام تركي بن عبد الله وقصد آل شامر من بادية العجمان وأقام عندهم وتزوج بنت غيدان بن جازع بن علي فولدت له ولد أسماه جلوي لأنه ولد في جلوته من بلده . وقام العجمان بمناصرة الامام تركي حتى استعاد حكم آبائه وأجداده .
في جلوته من بلده . وقام العجمان بمناصرة الامام تركي حتى استعاد حكم آبائه وأجداده . وتشير اقدم الوثائق العثمانية عن العجمان عن هذه العلاقة بين " الامام تركي وقبيلة العجمان " وهي نص رسالة كتبها ( أحمد بك ) محافظ مكة المكرمة إلى محمد علي باشا في تاريخ 3 جمادي الأول عام 1236 هـ الموافق فبراير عام 1820م ثم قام محمد علي باشا بنقل هذه الرسالة إلى استانبول .

ترجمة نص الرسالة ( الوثيقة ) :
" معروض العبد هي أن حامل عريضتي ابن عريفان وحامية رفقائه قدم الينا أوراق من طرف كل من فيصل الدويش ومحمد بن ربيعان فاتضح أن تركي الذي هو من مدة طويلة في حالة الفرار , قد جاء إلى الدرعية بغتة بعد أن جمع حوله من وافقه من قبائل العجمان وقحطان والعارض السبيعي مع عدد من العربان بغرض إنقاذ مشاري المفسد الذي تم القاء القبض عليه في الدرعية قبل ذلك , وبعد أن اسروا ابن معمر وأبنه في الرياض , حرروا أوراقاً من ابن معمر إلى الذين يحرسون مشاري في سدوس , وبينما كانت ترتيبات إطلاق سراح مشاري من السجن على وشك الإتمام كان خليل أغا وفيصل الدويش ومحمد بن ربيعان وفي جماعة من يقال له ( سرجشمه ) حسين بك بالقرب من الدرعية فسارعوا في التوجه إلى منطقة سدوس وتم إلقاء القبض دون قتال على كل من مشاري وخدام بن معمر , وقد بلغ إلى تركي الأمر من خلال أتباعه الذين جاءوا إلى سدوس وقد تخلى عن هدف تخليص مشاري المفسد وفر من معه من العربان إلى أطراف الرياض بعد أن قتل ذو الوجهين ابن معمر وابنه . هذا ماورد في تقرير المذكور ابن عريفان وعلى ما اتضح من عرائض حامية الشيخين المذكورين . فقد تجاسرنا بمنة الله تعالى على تحرير عريضتنا هذه في هذا الباب .." .

ويتضح من هذه الوثيقة النفيسة عدة أمور :

  • أن العجمان وقحطان وسبيع كانت من القبائل المؤيدة للإمام تركي في حربه ضد العدو المصري كما ثبت أن الدويش وقبيلة مطير وأبن ربيعان وقبيلته عتيبة في ذلك الوقت كانوا مع القوات المصرية .
  • تثبت هذه الوثيقة أن قتل الإمام تركي لمحمد بن معمر وابنه مشاري كان سنة 1236هـ , وذلك تأكيد لما ذكره المؤرخ العثيمين , بخلاف ما ذكره خطأ ابن بشر من أن هذه الحوادث وقعت سنة 1234هـ وخلافا ما أورده الدكتور عبد الفتاح أبو عليه م أن الإمام تركي قتل ابن معمر خصمه في عام 1235هـ معتمدا على رواية ابن بشر .


وبعد قيام الدولة السعودية على يد الإمام تركي كان العجمان ضمن جيشه الذي قاتل به القوات التركية . ولما ضمن الإمام تركي مساندة القبائل له وأراد أن يوطد حكمه في جميع أنحاء الجزيرة العربية وذلك للقضاء على حكم آل عريعر أمراء بني خالد المسيطرة على الاحساء , والتي مازالت تعاني من الهزيمة التي تلقتها من العجمان في معركة مناخ الرضيمة عام 1238هـ , فأراد أن يجهز عليها قبل أن يلتئم الجرح , مستغلاً قوة العجمان والقبائل الأخرى التي جاءت لمساندته , فبعد مبايعة هذه القبائل له ارسل في عام ( 1244/هـ ) محمد بن عفيصان في غزوة على الاحساء فاستولى على قافلة محملة بالبضائع الوفيرة وهي في طريقها من العقير إلى الهفوف , ويبدو أن الهدف من هذه الغزوة مضايقة آل عريعر حكام بني خالد ـ وفي عام ( 1245/هـ ) خرج محمد بن عريعر وأخاه ماجد بن عريعر من الاحساء باتباعهم وقبائلهم من بني خالد وقصدوا نجد لمحاربة الامام تركي , فلما علم الإمام تركي بذلك سار بجيشه مع ابنه فيصل ومعهم من البوادي سبيع والعجمان ـ وغيرهم , ودارت معركة " السبية " وانتصر الإمام تركي ثم دخلوا الاحساء وهرب بني خالد وخاصة الرؤساء . وأقام الإمام تركي وابنه فيصل في الاحساء أكثر من أربعين يوماً ورتب رجالاً في الثغور والقصور وعلق بن جمران على هذه المعركة بقوله : اشترك العجمان مع الإمام تركي بن عبد الله وابنه فيصل في معركة السبية ضد بني خالد وأسفرت هذه المعركة التاريخية الحاسمة على انتصار تركي واستيلائهم على الاحساء والقطيف وتوابعها ولجوء الأمير محمد بن عريعر وأتباعه إلى المنتفق بالعراق ولم تقم لآل عريعر دولة بعد ذلك التاريخ .

وقد استقر العجمان في المنطقة الشرقية بصفة دائمة وحرصوا على حمايتها والوقوف في وجه الاتراك ضد مطامعهم المتزايدة كما قاموا بمشاركة جيش الإمام تركي في استعادة الاحساء وانتزاعها من المماليك . وبعد استقرار العجمان في المنطقة الشرقية قاموا يشاركون الدولة السعودية الثانية في حروبها في بادئ الأمر قال بن بشر : ( سار فيصل بن تركي في عام (1247/هـ) بشوكة المسلمين من أهل العارض والجنوب وسدير والوشم وغيرهم , ومعهم أخلاط من أعراب سبيع والسهول والعجمان وبني حسين وغيرهم وقصدوا عالية نجد من عتيبة وغيرهم . فانهزم الاعراب وصار المسلمون في ساقتهم يقتلون ويغنمون ثم انهزموا , فركب فيصل في شجعان قومه وجمعوا ساقة المسلمين ومعهم الغنائم ونزلوا القويعية .

وفي عام 1249هـ قام مشاري بن عبد الرحمن آل سعود باغتيال الإمام تركي بن عبد الله واستولى على مقاليد الحكم في الرياض , فلما علم الإمام فيصل بن تركي الذي كان يقاتل حركة تمرد قام بها أهل القطيف بخبر اغتيال أبيه وصل إلى الرياض وتمكن من قتل مشاري . وكان العجمان ضمن جيشه الذي سار به وكان بداح العجمي أحد الذين تسلقوا القصر واقتحموه لإلقاء القبض على مشاري وهم : عبد الله بن علي الرشيد وبداح العجمي من آل حبيش وعبد الله بن خميس .

معركة ملح والطبعة :
ترجع أسباب تجدد القتال بين الإمام فيصل بن تركي والعجمان إلى أسباب متعددة أهمها أن راكان بن حثلين طلب من الأمير عبد الله بن فيصل الاستئذان له من الإمام فيصل بالسماح له بالحج فاشترط الأمير عبد الله بن فيصل على راكان أن لا يقابل شريف مكة , وكانت العلاقات غير حسنة بين نجد والإشراف وبخاصة في عهد الشريف محمد بن عون وخليفته الشريف عبد المطلب بن غالب وسبب ذلك يعود لمساندة إشراف مكة لحركات التمرد المختلفة التي تقوم ضد السلطة السعودية وخاصة تشجيعهم لأمراء القصيم على الانفصال عن ولاية نجد التي يحكمها الإمام فيصل بن تركي .

وعند ذهاب راكان إلى الحج في عام 1275/ هـ , علم بقدومه شريف مكة وأكرمه و أرسل إليه الهدايا والأموال , وعند رجوع راكان من الحج أرسل إلى الأمير عبد الله يخبره بما حصل إلا أن الأخير لم يرض عن مقابلة راكان لشريف مكة , وأنذر راكان وقرر محاربته .

وبعد هذا الإنذار غزا راكان بن فلاح وقبيلة العجمان على الإمام فيصل ثم توجهوا إلى الصبيحية بالقرب من الكويت واستقروا فيها ثم قاموا بغارات على أطراف العراق . وفي هذه الأثناء قرر الإمام فيصل أن يقاتل العجمان فأعلن النفير العام في آخر شعبان عام 1276 هـ وأرسل ابنه الأمير عبد الله بن فيصل بقيادة جيش كبير توجه إلى ( الوفراء ) التي كانت مركزا لتجمع قوات العجمان فقابل فئة من قبيلة العجمان وانتصرت القوات السعودية وانسحبت قوات العجمان بقيادة راكان إلى الجهراء ولحقهم جيش عبد الله بن فيصل وفي مكان يدعى ملح قرر العجمان المواجهة والصمود لقوات عبد الله ودارت المعركة بين جيش عبد الله وجيش العجمان بقيادة راكان وكانت معركة حامية الوطيس انتهت بهزيمة العجمان , وذلك لعدم التكافؤ بين القوتين من حيث العدد والعدة على حسب تعبير د. أبو علية .

ويذكر الشيخ عبد الله الدامر بأن راكان بن حثلين لم يحضر موقعة ملح وإنما الذي حضر المعركة فئة من قبيلة العجمان بزعامة الشيخ علي بن سريعة شيخ آل شامر وقد استبسلوا في القتال , وانتصرت القوات السعودية ولكن عدد القتلى أقل مما ذكره المؤرخون فكان ما بين 100ـ150 قتيل .

ومما يدل في ذلك الوقت على أن قوة العجمان كانت تمتد حتى أراضي العراق الحالية , أن أهل الزبير والبصرة سروا بهزيمة العجمان بل أن الأتراك الذين كانوا يحتلون العراق فرحوا لهزيمة العجمان في معركة ملح وأرسل باشا البصرة إلى الأمير عبد الله بن فيصل هدايا كثيرة .

وبعد معركة ملح لجأ معظم العجمان إلى الكويت في حما شيخها آنذاك " الشيخ صباح الثاني " , الذي أجارهم بالرغم من أن العلاقات كانت طيبة بين الكويت والدولة السعودية , لقد كان الأمير عبد الله بن فيصل , يدرك أبعاد لجوء العجمان إلى الكويت , لذلك أراد إخراج العجمان من الكويت حتى يجهز عليهم , قبل أن يعدوا له عدة أخرى . فسارع الأمير عبد الله بإرسال أحد رسله إلى شيخ الكويت يطلب منه إخراجهم من الكويت , ولقد أساء ذلك الرسول التعبير في أداء رسالته واعتبر شيخ الكويت ما قاله منافياً للأدب , فرفض إخراج العجمان الذين نزلوا في بلاده .

وفي أرض الكويت وما حولها أخذت قبيلة العجمان في التخطيط لجولة أخرى لأنها لم تيأس من القدرة على النهوض بالرغم مما حل بها من خسارة في المعركة السابقة .

أخذ العجمان يدبرون الحيلة لخوض معركة أخرى , فأخذوا يتشاورون بأمر المستقبل , فليس بمقدورهم وحدهم أن يأملوا في الصمود أمام قوات عبد الله الكثيرة والقوية , وكان قرارهم أن يتحالفوا مع قبائل المنتفق , للقيام بسلسلة متعاقبة من الغزوات المستمرة , وفي الخريف من ذلك العام بدؤا بازعاج تخوم البصرة والزبير والكويت .

ويبدو أن اتفاق العجمان مع المنتفق وقيامهم بغاراتهم السابقة الذكر أزعج الأتراك الذين يتطلعون إلى مد نفوذهم على منطقة الاحساء مرة أخرى , وانتدب أمير الزبير لحشد قواته والرد على عملياتهم الحربية . وقام الوالي بتزويد تلك القوات الكبيرة بالمال والسلاح والذخيرة والمؤن اللازمة وتجنيدها وإرسالها إلى الميدان , وهكذا قررت القوات التركية أن تقف ضد العجمان وحلفائهم وكانت أول خطوة قام بها العجمان وحلفائهم , أن أغاروا على مزارع نخيل شط العرب , واستولوا على مخزون التمر لاختزانه من أجل حملة طويلة الأمد ضد نجد , وهاجمهم جيش الزبير بمساندة الأتراك والمجندين من قبائل نجد وطردوهم من مزارع النخيل إلى الصحراء ثم طاردهم مرة أخرى وحينئذ اضطر العجمان إلى الانسحاب إلى جهرا وكبدة وكويبدة , ولم يكتف الأتراك وحلفائهم بإجبار العجمان على الانسحاب , بل أرادوا أن يجعلوا العجمان وحدهم في الميدان , وضغط الأتراك على المنتفق وأجبرهم على التخلي عن حلف العجمان بعد أن هدد حبيب باشا المنتفق بمصادرة أراضيهم في البصرة على الرغم من أن المساعدات الكاملة التي أمل فيها العجمان من قبائل المنتفق كانت مجرد عناصر غير منتظمة من القبيلة تنزل قرب الجهراء .

وفي عام 1277/ هـ سمع الإمام فيصل بان العجمان يعدون العدة لمهاجمته مرة أخرى , لذلك أمر ابنه عبد الله أن يسير لقتالهم , فخرج معه أهل الرياض من سبيع والسهول وتوجه إلى الجفنه فنزل عليها أياماً إلى أن اجتمعت عليه بقية الجنود ثم ارتحل عنها وتوجه إلى الوفراء , وعندما وصل هناك قدم عليه قبائل مطير وبني هاجر ثم زحف منها بجنوده وحث السير حتى وافا العجمان وهم على الجهراء , فحصل قتال شديد وانهزم العجمان وقتل منهم أعداد كثيرة وغرق منهم في البحر خلق كثير وذلك انهم دخلوا البحر وهو جازر فمد عليهم وغرقوا .

وقد ذكر المؤرخون أن جيش عبد الله بن فيصل في هذه المرة كان مكونا من ثمانية جيوش تمثل القبائل والمناطق التي تنتمي إليها ضد قبيلة العجمان ومن آزرهم في المنتفق بعد انسحاب معظمهم وقد استبسل كل من الفريقين في القتال ووقعت معركة عظيمة ولكن كثرة جيوش عبد الله بن فيصل أدت إلى انتصار الجيش السعودي , وقد سميت هذه المعركة بمعركة الطبعة وقد سماها بعضهم بمعركة الطينة وبناء على هلاك العجمان بالوحل والطين وذلك بتاريخ 1277/ هـ ( 1861م ) .

ومع أن هذه المعركة كانت تشكل هزيمة كبيرة إلا أن رئيسهم راكان بن حثلين ومن معه من أمراء العجمان وفرسانهم استطاعوا ببسالة وشجاعة أن يخترقوا صفوف المهاجمين وينجون مع من سلم من بقية المقاتلين من العجمان . وقد اتجه راكان ومن معه من العجمان بعد تلك المعركة الى البحرين حيث استقبله عدد من أسرة الخليفة وفي مقدمته حاكم البحرين في ذلك الوقت الشيخ محمد بن خليفة وأخوه الشيخ على بن خليفة والشيخ أحمد بن خليفة الغتم ومكث في البحرين حتى عام 1282هـ .

عهد الحرب الداخلية بين أبناء الإمام فيصل بن تركي :
توفي الإمام فيصل بن تركي في الحادي والعشرين من شهر رجب عام 1282/ هـ وبعد موته بويع عبد الله بن فيصل الابن الأكبر إمام ولكن بذور الخلاف بين الأخوين عبد الله وسعود كانت تنمو بصورة مطردة وبعد عام من موت الإمام فيصل بدأت المنازعات بين الاخوة واستمرت الحروب بينهما قرابة خمسة وعشرين عاما وكانت سبباً في تمزيق وحدة الأسرة الحاكمة ودخول منطقة نجد والاحساء حالة من الفوضى والاقتتال وتدخل القوى المختلفة . وقد كان كل من الأميرين عبد الله بن فيصل وسعود بن فيصل لـه ميزاته القيادية كالكرم والشجاعة وكان لكل منهما مؤيديه وأنصاره .

وقد اختلفت الروايات حول سبب الخلاف والاقتتال بين الأخوين والمؤرخون العثيمين : " الطموح إلى تولي السلطة والتنافس على حكم كسبب رئيسي للاقتتال بين الاخوة " . وتشير المصادر التاريخية إلى أن سعودا أعلن معارضته لحكم اخيه وتوجه في بادئ الأمر إلى عسير عام 1283 هـ ( 1866م ) وطلب المساعدة من محمد بن عايض , ورفض ابن عايض مساعدة سعود نظراً لعلاقته الطيبة مع عبد الله .

موقف العجمان من النزاع بين الأخوين :
بعد أن اعتذر بن عايض عن مساعدة الأمير سعود بن فيصل , توجه الأخير إلى نجران وطلب من أميرها النصرة , فرحب به رئيس نجران وأرسل معه أثنين من أولاده في جيش كبير وانضم إليهم ( آل مرة ) بزعامة أميرهم فيصل المرضف وآل شامر من العجمان بزعامة علي بن سريعة بالإضافة إلى عدد كبير من الدواسر وعدد من قبائل منطقة السليل بزعامة مبارك بن روية وعندما علم عبد الله بن فيصل بأخبار هذه الحشود , أرسل إليهم جيشاً كبيراً بقيادة أخيه محمد والتقى الجيشان في المعتلى ودارت رحى الحرب وانهزمت قوا سعود بن فيصل وقتل في هذه المعركة علي بن سريعة زعيم آل شامر من قبيلة العجمان , وجرح سعود بن فيصل ولجأ مع بقية قواته إلى الاحساء ثم انتقل بعد ذلك إلى عمان .

ويذكر د. أبو عليه أن من نتائج هذه المعركة أن سعود بعد انتقاله إلى عمان بدأ يخطط لكي يفصل المنطقة الشرقية عن أخيه لكي يفقد الرياض مصدراً من مصادر قوته معتمداً في تلك الخطة على سوء العلاقات بين عمان والرياض ومساعدة المعتمد البريطاني في الخليج يضاف إلى ذلك العون الذي ستقدمه القبائل الغاضبة من سياسات عبد الله بن فيصل العجمان وبني خالد وبذلك يكون سعود قد كون حلفاً من عمان والحرين والعجمان وآل مرة وبني خالد ضد أخيه عبد الله .

أما عبد الله بن فيصل فبعد انتصار قواته في معركة المعتلي , فقد قرر أن يعاقب العجمان على مساعدتهم لسعود وفي عام 1284 /هـ , أرسل عبد الله بن فيصل عمه عبد الله بن تركي إلى الاحساء وأمره بأن يحبس كل من يظفر به من العجمان وان يحرق بيوتهم . ولما وصلت القوات السعودية إلى الاحساء قامت بقتل العديد من المقيمين في الاحساء من العجمان وآل مرة وأجرت أعمالاً انتقامية كهدم البيوت وأحرقها . وقد اعترض والي الاحساء محمد السديري على تصرفات عبد الله بن تركي وقتله لبعض الضعفاء من العجمان بغير سبب واضح وقدم استقالته .

وفي عام 1286هـ ( 1869م ) قدم الامام عبد الله بن فيصل إلى منطقة الاحساء ونزل على دعيلج الماء المعروف هناك , وأقام نحو أربعة اشهر وظل يراقب تحركات أخيه سعود خوفاً من أن تفلت هذه المنطقة وقبائلها من سيطرته وتنضم إلى أخيه سعود , وبعد ان اطمأن إلى الوضع هناك عاد إلى الرياض .

وعندما علم سعود بن فيصل بعودة أخيه إلى الرياض , انتقل من البريمي إلى البحرين ورحب به حاكم البحرين في ذلك الوقت عيسى بن علي بن خليفة الذي ساعده بقوات بحرينية كان من ضمنها أحد أسرة آل خليفة والمعروف باسم أحمد بن خليفة الغتم ناوشت قوات عبد الله بن فيصل في قطر واستطاع جيش عبد الله أن يصد قوات سعود ومن معه . وفي هذه الأثناء حدثت وقعة الرياحية بين العجمان وبني هاجر , وانتصر فيها العجمان نصراً كبيراً ما أدى إلى تدخل عبد الله بن فيصل الذي أرسل العجمان يأمرهم بأن يعوضوا بني هاجر عن خسائرهم في القتلى وتوعدهم وهددهم . ولما علم الأمير سعود بن فيصل بالخلاف القائم بين أخيه والعجمان . لم يتردد في تشجيعه للعجمان بل بدأ يلتمس الحلفاء والأنصار وفي البحرين وقد حاول المقيم البريطاني من أن يقنع شيخ البحرين بعدم التدخل بين الأخوين ويثنية عن رأيه في تقديم المساعدة لسعود . ولكن بعض القوات البحرينية بقيادة أحمد بن خليفة الغتم شاركت في جيش الأمير سعود والذي تمكن من تكوين حلف مع القبائل الموجودة في المنطقة الشرقية وبخاصة قبيلة العجمان وآل مرة وبني خالد , ويذكر د. أبو عليه : ( أن الأمير سعود استمال زعيم العجمان راكان بن حثلين , ويبدو أن سعود مناه بحكم المنطقة الشرقية وهذا يتوافق مع أهداف رؤساء العجمان وبني خالد الذين كانوا يحاولون استعادة مركزهم القديم ) ولم يتردد العجمان في نصرة سعود وخاصة بعد ما قام به عبد الله بن تركي من إحراق لبيوتهم والسجن والقتل لبعضهم , وخوفهم من تهديدات عبد الله بن فيصل .

بعد أن تمكن سعود من حصوله على تأييد القبائل القوية في المنطقة الشرقية توجه بقواته المتحالفة وفي طليعتهم العجمان إلى الاحساء وخرجت قوات المدينة بقيادة ناصر بن جبر الخالدي ممثل الإمام عبد الله بن فيصل , وتقاتل الجيشان وانتصرت قوات الأمير سعود بن فيصل ولجأت قوات ناصر بن جبر إلى الهفوف وتحصنت فيها وقام الأمير سعود وقواته بمحاصرة تلك القوات مدة أربعين يوماً وضيق عليهم الحصار وتعرف هذه المعركة بوقعة الوجاج .

وعندما علم عبد الله بن فيصل بحصار قواته في الهفوف قام بإرسال قوات من الرياض بقيادة أخيه محمد بن فيصل , والتقت الجيوش عند عين جودة في رمضان 1287هـ ( 1 ديسمبر 1870م ) .

ودارت معركة قوية انتهت بانتصار سعود بن فيصل والعجمان على قوات عبد الله بن فيصل , وكانت نتيجة المعركة فادحة في القتلى وخاصة بعد أن ضعفت قوات محمد بن فيصل , ويذكر . أبو عليه ( أن من أهم نتائج معركة عين جودة استسلام الاحساء للأمير سعود بدون عناء واصبح سيد المنطقة الشرقية بدون منازع , كما تزايدت قوات العجمان وآل مرة وبني خالد , وبدأت هذه القبائل تسعى لاستعادة نفوذها ومجدها في تلك المنطقة ) . بل أن د. أبو عليه يؤكد أن معركة عين جودة تعتبر بداية النهاية للدولة السعودية الثانية التي بدأت في التقلص والضعف حتى انتهت في عام 1309هـ ( 1891م ) .

وبعد هذه المعركة جمع عبد الله بن فيصل أمواله وعياله وترك الرياض متجها إلى ابن رشيد في حائل وأرسل عبد العزيز أبا بطين إلى والي بغداد مدحت باشا يطلب منه العون والنصرة ضد أخيه سعود بن فيصل فوعده مدحت باشا بذلك .

وتذكر بعض المصادر التاريخية أن محمد بن هادي بن قرملة أمير قحطان قدم إلى سعود بن فيصل ولم يستقبله سعود بن فيصل الأستقبال اللائق به وذلك لخلاف بين قبيلة العجمان وقبيلة قحطان إذ خشي الأمير سعود ( أن يكون إكرامه لابن هادي داعياً لغضب ابن حثلين ) حسب تعبير المؤرخ العثيمين .

موقعة البرة ( 1288هـ ) :
قدم محمد بن هادي بن قرملة زعيم قحطان على عبد الله بن فيصل وشجعه على العودة إلى الرياض ولما علم سعود بذلك زحف بجنوده ومعه قبيلة العجمان من الاحساء قاصداً الرياض , فخرج منها عبد الله ولجأ إلى قحطان وسيطر سعود ومعه العجمان على الرياض وقدم عليه رؤساء البلدان وبايعوه . ثم جهز سعود قواته وخرج ومعه قبائل الجمان وآل مرة والسهول والدواسر وأهل الرياض والخرج والحوطة لملاحقة أخيه عبدالله والتقى الجيشان في جمادي الأولى عام 1288/هـ في البرة بالقرب من ضرماء , وعاد سعود منتصرا إلى الرياض بعد هزيمة جيش عبد الله بن فيصل .

الى الأعلى